آثار الإنتاجوية على الأرض تنبئ بكارثة

إن النظريات الأكثر نفوذا في العالم، أي الليبرالية والاشتراكية والماركسية، التي خاضت صراعا منذ القرن التاسع عشر لتحديد مستقبل المجتمعات الصناعية تشترك في الحض على الإنتاج الذي همّش البدائل الإيكولوجية، فهل نشهد اليوم نهاية هذه الهيمنة؟ هذا السؤال طرحه المفكر الفرنسي سيرج أوديي في كتاب ضخم (820 صفحة) نشره قبل سنة، تحت عنوان “العصر الإنتاجوي، الهيمنة البروميثيوسية، ثغرات وبدائل إيكولوجية”، ويجد اليوم صدى أوسع بعد ظهور جائحة كوفيد – 19.

“العصر الإنتاجوي، الهيمنة البروميثيوسية، ثغرات وبدائل إيكولوجية” عنوان آخر كتب المفكر الفرنسي سيرج أوديي. المقصود بالإنتاجوية (productivisme) هو ربط الإنتاجية (productivité) بالتنمية (développement) وجعلها غاية قصوى، والمصطلح، رغم غموضه الأيديولوجي، هو أداة محورية لفهم ما يربط المواقف النظرية والسياسية التي أوهمت زمنا طويلا بتناقضهما، وبوصفه سعيًا لا يعرف حدًّا للإنتاج المفرط، لا يمثل فقط عرضا من أعراضِ الصّناعية (industrialisme) كنظام يرى في الصناعة الغاية الرئيسية التي يتوق إليها الإنسان في المجتمع، بل يساهم في تبيّن بُعدها الجوهري الذي كان ولا يزال غير منفصل عن الرأسمالية وعن تاريخ الشيوعية والاشتراكية وجانب واسع من اليسار.

يبدأ الكتاب بالتذكير بعناصر باتت الآن معلومة عن حجم التدمير الذي تسببت فيه الرأسمالية الصناعية، كالاحتباس الحراري، وانقراض الأنواع، وتدمير الأراضي وتلويث الهواء والمحيطات، بيد أنه يندرج ضمن مسلكين مؤسسين للتاريخ البيئي.

يتمثل الأول في إعادة قراءة التنمية الرأسمالية الصناعية من زاوية أثرها على طبيعة تحول أنظمة الإنتاج، عن طريق اللجوء إلى الطاقات الجوفية والكيمياء والآلات. أما الثاني فيقوم على رفض الفكرة التي مفادها أن الشركات المعاصرة مضت في تدمير كلّ ما له علاقة باقتصادها الصناعي بغير مبالاة حتى الستيناتِ والسبعينات، تاريخِ انطلاقٍ مزعوم لـ”الحداثة المتأمِّلة”. وهذا غير صحيح، فالتحذير من آثار الرأسمالية الصناعية على الطبيعة هو في مثل أقدميتها، وهي التي لم تقم إلا بعد أن أتت على المقاومات والتعديلات القديمة التي كانت تحمي الأهالي من أضرار الأنشطة الإنتاجية.

وكان كلّ تحوّل في أنماط الإنتاج يحمل معه حصّته من مخاوف تدمير الطبيعة وما ينجم عنها من مخاطر على البشر. تلك التحذيرات التي طالما أدرِجت ضمن مخاوف المتخلفين عن ركب التقدّم، صارت اليوم دليلا على بُعد نظر أصحابها، ولم يعد الناس يتساءلون أيّ باثولوجيا أصابت أولئك المحذرين، بل باتوا يتساءلون ما الذي منع خصومهم من سماعهم.

عالم جديد

حماة الطبيعة فشلوا في إنقاذها
حماة الطبيعة فشلوا في إنقاذها

منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان عالم الجغرافيا الفرنسي فرانز شرادر (1844 – 1924) قد نبّه إلى ما يُلحقه النشاط البشري بالثروة النباتية التي نتجت عن تعاون بين الجوّ والكرة الأرضية منذ غابر الأزمنة، وربط في تحليله بين “التدمير العسكري والصناعي” و“تدمير الشعوب التي تنعت بالدّنيا”.

 كانت أوّل لحظة تمّ درسها هي لحظة تأسيس الهيمنة الإنتاجوية في القرن التاسع عشر، وقد شهدت صراعا بين الدّاعين إلى التصنيع والمدافعين عن الطبيعة، انتهى لصالح القطب التصنيعي، في خلفية تمجيد واسع النطاق للتقدم الصناعي والعلمي كشرط للوفرة والتقدم الاجتماعي للجميع.

والكاتب يحلل تحمّس النخبة للتقنية، لاسيما الفيلسوف سان سيمون (1760 – 1825) الذي نادى بتنظيم المجتمع حول نخبة المهندسين، كحملة تقدّم وفلسفة نشيطة لغزو العالم، وكان من أهم أتباعه مارسيلان بيرتيلو (1827 – 1907) الذي اعتبر أنّ الكيمياء التي تطوّر اكتشافاتها بغير ضابط قادرة اليوم على أن
تصنع الأغذية وتعوّض الصناعات الفلاحية، القائمة على إنتاج الكائنات الحيّة من حيوان ونبات، في خلق موادّ غذائية.

وقد وجدت هذه الدعوة صداها لدى الشيوعي إتيان كابي (1788 – 1856) أول من أطلق على نفسه صفة شيوعي عام 1840، فقد دعا هو أيضا إلى تحرير البروليتاريين عن طريق الآلة. ذلك أن بين عصر الاشتراكيين الطوباويين ونهاية القرن، كان ماركس وإنجلز قد صاغا نقدهما للرأسمالية الصّناعية. بيد أن علاقتهما بالإيكولوجيا لم تكن واضحة، فالفكر الماركسي توجهه ماديته نحو الاهتمام بمسار الفلاحة العصرية، ويكبحه خوفه من أن يؤدي السعي إلى الربح على المدى القصير إلى تجفيف الموارد الأرضية على المدى الطويل، غير أن ذلك، في نظر الكاتب، لا يكفي لجعل الماركسية إيكولوجية سابقة لعصرها.

حماية الطبيعة نظّر لها اليسار سابقا ودافع عنها محافظون معادون للحداثة وبورجوازيون يرومون الحفاظ على فضاءات استجمام

صحيح أن الدور التاريخي للبورجوازية الرأسمالية في ظهور عالم جديد كان بغرض الهيمنة الطبقية، ولكن ذلك سمح بتحقيق إنجازات مذهلة، ورد ذكرها مفصّلة في بيان الحزب الشيوعي؛ “إخضاع الإنسان لقوى الطبيعة، أوالية، تطبيق الكيمياء في الصناعة والفلاحة، استعمال
السفن البخارية والسكك الحديد والتلغراف الكهربائيّ، استصلاح قارات بحالها، تعديل تدفق الأنهار، انبثاق شعوب كاملة من الأرض، ما هو القرن الماضي الذي يشكّ أن مثل هذه القوى الإنتاجية كانت نائمة داخل العمل الاجتماعي؟” وماركس وإنجلز، وإن كانا ضد أشكال الهيمنة القديمة، كانا يعتقدان أن الرأسمالية الصناعية والبورجوازية ينبغي عبورهما لا تفكيكهما.

لقد تدعّم البعد الإنتاجوي للماركسية وتصلّب كلّما أعاد القادة الاشتراكيون قراءته، لاسيما قادة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية. وكانت روزا لوكسمبورغ قد كتبت من سجنها عام 1917، تماشيا مع ثيمات دافع عنها أوغست بلانكي ولويز ميشيل وإيليزي ريكلو أنها علمت “أن الطيور المزقزقة في ألمانيا تختفي” وكانت تتأسف لزوال تلك الكائنات الصغيرة العزلاء التي تذكر بسكان أميركا الأصليين الذين طردهم الإنسان المتحضر شيئا فشيئا من أراضيهم، وآل بهم أمرهم إلى موت صامت فظيع.

أما في فرنسا فقد كان جول غيد وجان جوريس يشتركان في فكرة “التقدم الضروري والمفيد لأوالية العصر الرأسمالي الصناعية، بينما أدى إدخال الماركسية إلى روسيا إلى تصفية إرث الأنارشيست وعزم الشعبويين على عدم معرفة مسار تحديثي على المنوال الغربي.

تسريع آثار الإنتاج

هل تفلح جائحة كورونا في كبح الإنتاجوية
هل تفلح جائحة كورونا في كبح الإنتاجوية

يبين الكاتب كيف أن الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية خلقتا ثغرة في الهيمنة الإنتاجوية، ولكنه إذ يفنّد علاقة الإيكولوجيا في العشرينات والثلاثينات بالنازية، يشير إلى عدة مواطن قلق إزاء الطبيعة. من بينها تجمعات عالمية لحماية الطبيعة مثل المؤتمر العالمي الذي انعقد في برن عام 1913، وكان المشاركون فيه قد عبّروا عن تعلقهم بالجمال الطبيعي الذي تتهدده الصناعة وتبديد الموارد (كاستعمال زيت الحوت لصنع الصابون مثلا)، ولكن حرصهم على الحماية لا يندرج ضمن نقد للرأسمالية الصناعية.

 والمفارقة أن نقاد الرأسمالية كانوا يتجاهلون الجدل القائم حول البيئة، فيما كان المدافعون عن البيئة لا يملكون القدرة على فهم منطق الرأسمالية التدميري ولا يملكون أدوات تحليله. إذ أن أغلب القلقين من تلك العواقب المدمرة كانوا منشدّين إلى النظريات المحافظة خلال الثلاثينات، والتي ترى في الطبيعة بديلا للحداثة، وفي المدينة الكوسموبوليتية أفظع صورة لتلك الحداثة.

من جهة اليسار، لم ينهزم الموقف المتصلّب تجاه كل فكر يمجّد روابط البشر بالأرض إلا بعد لَأْيٍ، ولكن بقيت منه أقليات لم تستطع أن تواجه بمفردها تنامي النظريات الإنتاجوية والتخطيطية التي تشكلت في فترة ما بين الحربين، وانطلقت بعد 1945.

والكاتب يحلل بعمق دور الحرب العالمية الثانية في تسريع آثار الإنتاج البشري على الطبيعة، يصح ذلك على البلدان الغربية مثلما يصح على الصين والاتحاد السوفييتي، فقد هيمنت إرادة التنمية الاقتصادية على كل القرارات عقب الحرب، وكان موريس توريز الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي من 1930 إلى 1964 يحثّ العمال قائلا “الإنتاج، الإنتاج، ثم الإنتاج، إنتاج الفحم هو اليوم أرفع شكل من أشكال واجبكم الطبقي، وواجبكم كفرنسيين”. بينما كان أندراي فيشينسكي يشرح أمام منظمة الأمم المتحدة “نحن نستعمل الطاقة النووية لإزالة الجبال، وتحويل مجرى الأنهار، وريّ الصحاري. نستخدم الطاقة النووية لنحمل الحياة إلى حيث لم يجد الإنسان حتى الآن غير البؤس”. ولم تكن الكوارث البيئية في الصين الشيوعية أقل فظاعة، عملا بالتوجيه الماوي “اجعلوا الجبل الشاهق يحني رأسه”. وكان من أثر ذلك أن القوة الذرية التي تغذّي تلك الأحلام هي نفسها التي ولّدت مخاوف مستجدة من إمكان تدمير الأرض كلها، بعد أن استخدمها الأميركان في نهاية الحرب، ولكن الأصوات التي عبّرت عن تلك المخاوف أمثال جاك إيلّول وبرنار شاربونّو وغونترس أندرس وألدوس هاكسلي ظلت أقلية معزولة.

الأسس الإنتاجية

هل نشهد نهاية المجتمعات الصناعية
هل نشهد نهاية المجتمعات الصناعية

تغير الوضع مع موجات الاحتجاج خلال الستينات، وكان منطلقها في الولايات المتحدة نقد العلاقات التي تربط بين الصناعة والجيش، ثم ظهرت نظريات تربط نقد الرأسمالية بنقد مجتمع الاستهلاك (هنري لوفيفر وهربرت ماركوزه) تلمست طريقا جديدة نحو الاشتراكية (أندري غورز) وجددت العهد مع التقليد التحرري لأجل تصور إيكولوجيا سياسية غير سلطوية (إيفان إيلّيتش، مورّاي بوكشين). وقد أعادت تلك الأفكار وضع نقد الإنتاجوية في حقل الفكر اليساري، مزيلة بذلك ما أصاب الإرث الإيكولوجي من عدوى توافقاتها في الثلاثينات.

ولئن ظهرت خلال السبعينات استفاقة في صفوف النخب الصناعية، كما تبدى في تقرير نادي روما لعام 1972 عن “حدود التنمية” فإن تلقي ما ورد فيه لم يكن إيجابيا، فقد اجتمع على انتقاده في فرنسا الشيوعيون والليبراليون معا، وتجاهله الاشتراكيون تجاهلا تاما لينضموا إلى النيوليبرالية.

كذلك الحركات الإيكولوجية التي أخفقت في صياغة استراتيجيا سياسية عامة، وكان من أثر ذلك الإخفاق تهميش القضايا التي يدافعون عنها، إذ شهدت تلك الفترة هجمة جديدة من النيوليبرالية ضد تدخل الدولة من جهة، وضدّ الاحتجاجات الإيكولوجية، رغم أن النيوليبرالية ليست تيارا موحّدا، فقد وجد من بين منظريه الأوائل في ثلاثينات القرن الماضي من انتقد التدمير البيئي للعالم مثل الألماني فيلهيلم روبكه (1899 – 1966). إلا أن الغلبة كانت للتيار الذي شكل آلة حرب ضد الإيكولوجيا في السبعينات والثمانينات، وفي مقدمته فريدريك هايك وجمعية مونت بيليرين السرية، فقد قطع صلته بنادي روما، ورفض تعديل الإنتاج مثلما رفض التحذير من آثار المنتوجات الكيميائية الملوِّثة. ما يعني أن النظام الاقتصادي المهيمن الآن ليس بطيئا فقط في تعامله مع القضية الإيكولوجية، بل هو موجود أساسا لمحاربتها.

وفي نظر الكاتب أن الوقت حان لوضع أسس فلسفة سياسية لمكافحة هذا الفكر المهيمِن، ولكن ذلك لا يتأتّى إلا بفكر جمهوري يقطع مع إرثه القومي، ويوسّع دائرته ليشمل الرهانات الاجتماعية والبيئية عبر العالم، ويعلن عداءه الصريح للرأسمالية الإنتاجوية.

والخلاصة أن الكاتب يطرح أدوات تاريخية هامة لفهم صعوبة تموقع الإيكولوجيا في حيثيات الحقل السياسي، ويبين أن حماية الطبيعة نظّر لها اليسار في إطار تقاليد لم يتسع حجمها منذ القرن التاسع عشر، ودافع عنها محافظون معادون للحداثة وبورجوازيون يرومون الحفاظ على فضاءات استراحة واستجمام، دون أن يفلحوا في تغيير الأسس الإنتاجية التي هي سبب في رفاههم. وفي النهاية قبِل اليسار كما قبِل اليمين بهيمنة أنموذج تنموي ليبرالي شرس، دون الاهتمام بأثر ذلك على الطبيعة إلا لماما.

ويبقى السؤال: هل تفلح جائحة كورونا في كبح الإنتاجوية؟

%d مدونون معجبون بهذه: