أردوغان “المضطرب”.. من تهديد القوات السورية إلى استهداف الجماعات الراديكالية

أردوغان “المضطرب”.. من تهديد القوات السورية إلى استهداف الجماعات الراديكالية

مؤشرات عدة توحي برغبة تركيا في تخفيف التوتر مع روسيا في إدلب خاصة بعد إدراكها عدم حماسة حلفائها في الناتو لتقديم الدعم المطلوب إذا ما ذهبت في خيار المواجهة، وهذا الأمر بالتأكيد يدرسه الطرف الروسي الذي يبدو على قناعة منذ البداية بأن أنقرة ستضطر للتنازل والعودة إليه سريعا.

دمشق- أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار الخميس أن بلاده ستستخدم القوة ضد “الجماعات الراديكالية” التي تنتهك وقف إطلاق النار في محافظة إدلب، في تغير واضح في الموقف التركي الذي كان توعد قبل ساعات فقط باستهداف القوات السورية في كل مكان.

ويعكس الموقف المستجد لأنقرة الخشية من استمرار استفزاز موسكو، التي كانت اتهمت تركيا في وقت سابق بعدم التزامها بالاتفاقات التي أبرمتها معها بشأن سوريا وبزيادة الوضع في إدلب سوءا. وقال الكرملين إن أنقرة أخفقت في تحييد المتشددين هناك وهو ما وافقت على القيام به بموجب اتفاق عام 2018 بشأن إقامة منطقة خفض تصعيد.

وفيما بدا أنه رد على الانتقاد الروسي نقلت وكالة الأناضول الرسمية للأنباء عن آكار قوله إن تركيا ترسل تعزيزات إضافية إلى مواقعها في إدلب لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في المنطقة. وأضاف آكار “سنتخذ كافة الإجراءات ضد الذين لا يمتثلون لوقف إطلاق النار بإدلب، بمن في ذلك الراديكاليون، وسنجبرهم على الالتزام”، مشيرا إلى وقف إطلاق النار يوم 12 يناير الذي تقول تركيا إن القوات السورية انتهكته. ونشرت أنقرة أكثر من ألف جندي في مواقعها العسكرية في إدلب منذ الأسبوع الماضي.

وسبق أن أوحى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برغبة في التراجع عن موقفه التصعيدي إذ قال مساء الأربعاء إن أنقرة وجهت رسالة إلى معارضين تدعمهم في الصراع بالامتناع عن أي عمل “غير منضبط” قد يعطي القوات السورية ذريعة لشن هجوم.

جيمس جيفري: أستبعد احتمال اندلاع نزاع واسع النطاق في سوريا

وتدرك تركيا أن الاستمرار في تحدي روسيا والذهاب بعيدا في دعم الجماعات المقاتلة والجهادية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، في المواجهة الجارية في محافظة إدلب وضواحيها ستكون تكلفته باهظة جدا، خاصة إذا لم تكن مسنودة بدعم ملموس من حلفائها في حلف شمال الأطلسي.

وتتشكك تركيا في إمكانية الحصول على مثل هذا الدعم، إذ أن الاتصالات التي أجرتها ولا تزال تجريها مع حلفائها في الناتو وعلى رأسهم الولايات المتحدة، حيث يوجد حاليا في أنقرة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، تجعلها تعيد التفكير مرارا في خطوتها التالية في إدلب الواقعة شمال غرب سوريا.

وقال المبعوث الأميركي في حوار تلفزيوني أدلى به الخميس أثناء الزيارة التي يقوم بها إلى تركيا إن الحديث مع المسؤولين الأتراك لا يدور حتى الآن حول دعم أنقرة عن طريق إرسال جنود أميركيين إلى منطقة النزاع، وإن الأولوية تعود إلى تزويد الجيش التركي بمعلومات استخباراتية ومعدات عسكرية.

واستبعد جيفري احتمال اندلاع نزاع واسع النطاق في الساحة السورية بمشاركة الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإسرائيل، معتبرا أن هؤلاء “اللاعبين الكبار” يتوخون أقصى درجات الحذر في تحركاتهم. وأشار المبعوث الأميركي إلى أن واشنطن وأنقرة تتفقان في العديد من النقاط حول إدلب، مؤكدا “حق تركيا في حماية أمنها وحدودها”.

ويقول خبراء إن العرض الأميركي المقتصر على الجانبين اللوجستي والاستخباراتي لا يفي بالغرض بالنسبة لتركيا التي لا تملك عمليا القدرة على مواجهة روسيا والقوات السورية بمفردها لجهة حملة التطهير التي قام بها نظام الرئيس رجب طيب أردوغان في صفوف الجيش التركي منذ العام 2016، فضلا عن أن القوات التركية لم تخض لعقود أي مواجهة من هذا النوع وتخشى أن تجد نفسها في مستنقع يصعب عليها الفكاك منه.

وما يعقد الوضع أكثر بالنسبة لأنقرة هو صلابة موقف روسيا وإصرارها على السير قدما في الخطط المرسومة للعملية العسكرية التي بدأتها هي ودمشق في إدلب وريف حلب في ديسمبر الماضي غير عابئة بوعيد أنقرة وحشدها المستمر للآلاف من عناصرها في المحافظة الواقعة شمال غرب سوريا.

وعلى خلاف أردوغان لا يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عجلة من أمره للتوصل إلى اتفاق جديد تريده أنقرة، معتبرا أنه كان الأولى بالأخيرة تنفيذ الاتفاق السابق الذي تم التوصل إليه في سوتشي في العام 2018، والذي سعت تركيا لتجييره خدمة لمصلحتها من خلال تنفيذ بنود كنشر نقاط مراقبة تابعة لها في المنطقة وإهمال بنود أخرى كفصل الجماعات “الإرهابية” عن “المعتدلة”.

العرض الأميركي المقتصر على الجانبين اللوجستي والاستخباراتي لا يفي بالغرض بالنسبة لتركيا التي لا تملك عمليا القدرة على مواجهة روسيا والقوات السورية

وتبدو تركيا في وضع لا تحسد عليه وتجد نفسها ملزمة بالنزول رويدا رويدا من الشجرة التي صعدتها في الأيام الأخيرة، في مشهد يعيد التذكير بحادث إسقاطها للطائرة الروسية “سوخوي 24” في العام 2015 والذي كاد يتسبب في مواجهة مع موسكو، إلا أنها اضطرت إلى تدارك الأمر بعدما أدركت أن القوى الحليفة في الناتو ليست بصدد مد يد العون لها، لاعتبارات بعضها يتعلق بالسياسة التركية نفسها المثيرة للقلق في المنطقة وبعضها الآخر يتعلق بعدم وجود رغبة من الأوروبيين والأميركيين على حد السواء في الذهاب إلى مغامرة مع الجانب الروسي ليس لهم فيها مصلحة مباشرة.

ويعتقد محللون أن تركيا أمام خيارين أحلاهما مر فإما الدخول في مواجهة غير مضمونة أو التراجع، وبالنسبة لها الحل الثاني هو الأقل ضررا وإن كانت موسكو ستعمل جاهدة على توظيفه لتنفيذ اتفاق سوتشي بحذافيره لجهة استعادة دمشق كليا الطريقين الدوليين أم 5 وأم 4 وإجبار أنقرة على فصل الجهاديين وهم الأغلبية عن المقاتلين المعتدلين في المحافظة، كمرحلة أولى قبل استعادة القوات الحكومية المنطقة.

في المقابل ستضمن روسيا لتركيا السماح بعودة النازحين وبالتالي التخلص من ضغط هائل قد ينفجر على حدودها في حال خرجت الأمور عن السيطرة، والتفاهم على مسألة بقاء القوات التركية في مناطق جرابلس والباب وإعزاز في ريف حلب الشرقي.

%d مدونون معجبون بهذه: