أطباء بولندا يستعدون للهجرة بعد الوباء

وارسو – “لقد سئمت الكفاح المستمر مع النظام” هكذا تقول باتريشيا ماتشوك، وهي طبيبة شابة مقيمة في أحد مستشفيات الأطفال في وارسو وأم لثلاثة أطفال.

وترى ماتشوك، وهي واحدة من العديد من الأطباء البولنديين الذين يفكرون في مغادرة البلاد، أن العدد الهائل من العقبات التنظيمية والمالية التي تواجهها يجبرها برفقة آخرين مثلها على التفكير في الهجرة.

وتضيف أنه قد تكون هناك مشكلة في طلب الأدوية، فعادة ما تكون المستشفيات في ضائقة مالية شديدة ولا يستطيع المرضى الثقة بالحصول على سرير، كما أن هناك عجزا في الأطباء والممرضات والعاملين في مجال الإنقاذ الطبي، إلى جانب الافتقار للبرامج الوقائية الواسعة.

وتقول ماتشوك “نحن ببساطة كأطباء نريد أن نؤدي واجباتنا بشكل جيد، وأن نعالج المرضى بمستوى نعرفه من الأدبيات المهنية. ومع ذلك لا تتوافر لنا هذه الفرصة غالبا”.

وكشفت جائحة فايروس كورونا، بحسب ما أفادت الطبيبة الشابة، عن جميع أوجه العجز في نظام الرعاية الصحية البولندي، بما في ذلك النقص في عدد الموظفين وزيادة تدهور توافر الرعاية الصحية للمرضى غير المصابين بالوباء.

وأشارت إلى ارتفاع معدل الوفيات في ذروة الإصابات بفايروس كورونا في الخريف.

وتم تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بفايروس كورونا في البلاد في أوائل مارس، وفي نهاية عام 2020 توفي نحو 400 ألف شخص في بولندا، مما يعني ارتفاع معدل الوفيات بمقدار 70 ألفا مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019. ومع ذلك، وفقا للأرقام الرسمية، فإن وفيات فايروس كورونا شكلت ما يقل قليلا عن 29 ألف حالة وفاة زائدة.

ويقول بارتوش كوزمالسكي من شركة “فوتور 1” ومقرها دوسلدورف، التي تستعين بالأطباء للعمل في ألمانيا، إنه من بين المشاكل التي تدفع بالأطباء البولنديين للمغادرة هو سوء معاملتهم.

ويضيف أنه يتم تجاهل ملاحظاتهم التي يقدمونها إلى رؤسائهم وحياتهم العملية يتم ترتيبها بشكل سيء، ويعملون داخل نظام يسمح للموظفين بالالتفاف على لوائح وقت العمل.

وحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2020 “نظرة سريعة على الصحة”، فقد قدّم الطبيب البولندي ما يقرب من 3200 استشارة في العام 2018 مقارنة بنحو 2300 استشارة في ألمانيا و656 في السويد.

كما أن بولندا لديها أقل نسبة لعدد الأطباء لكل 100 ألف شخص من السكان في الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت تلك النسبة 238 طبيبا في 2017. ويؤكد كوزمالسكي أن رحيل الأطباء لا يتعلق بالرواتب.

فايروس كورونا كشف عن جميع أوجه العجز في نظام الرعاية الصحية البولندي
فايروس كورونا كشف عن جميع أوجه العجز في نظام الرعاية الصحية البولندي

وقال رافال هولوبيكي، المتحدث باسم الغرفة الطبية العليا في بولندا، إن ارتفاع الرواتب ربما كان عاملا مهمّا عندما دخلت بولندا الاتحاد الأوروبي في العام 2044، وكانت الفروق في الأجور أكبر بكثير.

وأضاف هولوبيكي “الأهم من ذلك هو إمكانيات التطوير المهني التي توفرها الدول الغربية، كما أن الأطباء البولنديين يرغبون في الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة، وأن يكون لديهم الوقت الكافي للحياة الطبيعية والخاصة”.

وترى ماتشوك الأمور بالمثل، وتقول “أفكر في عملي وتطوري المهني ولكن أيضا في مستقبل أطفالي، إن الجمع بين الحياة الأسرية وحياتي المهنية مهم جدا بالنسبة إليّ”.

وقال هولوبيكي “يتزايد الإحباط في القطاع الطبي”، وأضاف “لن يغادر الأطباء في خضم الجائحة ليتركوا مرضاهم، لكن يمكنك أن تسمع في الوسط الطبي أن عددا متزايدا من الأشخاص ينظرون في هذا الخيار عندما يستقر الوضع”.

ومع كشف الجائحة عن العجز في الأطقم الطبية في بولندا تبحث البلاد عن الحل شرقا، حيث تعد ظروف عمل الأطباء أسوأ. وقبيل العام الجديد وقع الرئيس البولندي أندريه دودا قانونا يسهّل الاعتراف بشهادات الدبلوم للأطباء من خارج الاتحاد الأوروبي.

ولدى شركة أوبتيموس وورك المعنية بالبحث عن الكفاءات، ما يقرب من 500 طلب بالفعل من أطباء على استعداد للعمل في بولندا، حوالي 80 في المئة من أوكرانيا و20 في المئة من بيلاروسيا، وفقا لمالك الشركة كاسبر جاسينيكا-بيرسين.

ويتم إغراء الأطباء بالأجور المرتفعة وفرصة العمل بالمعدات الحديثة، ولكن هناك دوافع سياسية أيضا، حيث يشعر بعض الأطباء البيلاروسيين بالقمع من قبل حكومة ألكسندر لوكاشينكو، حسبما يقول ممثلو شركات البحث عن الكفاءات.

لكن المسار الأسهل لاستقدام أطباء من خارج الاتحاد الأوروبي أثار المخاوف محليا.

ويحذر رافال هولوبيكي من أن معايير التحقق من مؤهلات الطبيب “أقل مما هي عليه في حالة أطباء الداخل ومستوى التحقق من مهاراتهم اللغوية غير كافٍ كذلك”. ويضيف “هذا أمر مقلق، خاصة بالنظر إلى أنه قد يهدد صحة مرضانا وحياتهم”.

الأطقك الطبية في بولندا تبحث عن حل
الأطقم الطبية في بولندا تبحث عن حل

%d مدونون معجبون بهذه: