“ازدهار أفريقيا” شعار ترامب لاختراق سوق مليار مستهلك

“ازدهار أفريقيا” شعار ترامب لاختراق سوق مليار مستهلك

تتجه الولايات المتحدة كبقية القوى العظمي نحو الاستثمار في القارة الأفريقية تطبيقا لما سمي بسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب “ازدهار أفريقيا”. خطوة جديدة تطرأ على السياسة الخارجية الأميركية تستدعي الوقوف قليلا عند أسبابها وخاصة عند مرد تأخر هذا الدخول على خط المنافسة في أفريقيا بعد انتظار أكثر من سبعة عقود، خاصة أن ترامب نفسه لم يقم بأي زيارة رسمية لأي دولة أفريقية منذ وصوله إلى سدة الحكم.

تونس- منذ 14 شهرًا فقط قام جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي آنذاك، بتطبيق سياسة الرئيس دونالد ترامب معلنا عن مبادرة “ازدهار أفريقيا” للرد على المنافسة التجارية والسياسية للصين وروسيا اللتان تستهدفان القارة الأفريقية.

والسؤال، لماذا انتظرت الولايات المتحدة أكثر من 75 عاما لتلتفت إلى القارة الأفريقية، رغم الفرص الكبيرة التي توفرها للمستثمرين؟

الإجابة تتطلب الرجوع إلى الوراء، إلى عام 1944 بالتحديد، يوم انتقلت قيادة العالم من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، واحتل “وول ستريت” مكان حي المال والأعمال في لندن.

لنبدأ ببعض الأرقام التي أثارت شهية الدول الكبرى، ودفعتها للتنافس على احتلال مكانة مميزة في القارة الأفريقية بعد طول تجاهل.

توجد في أفريقيا ستة من بين أسرع عشر اقتصاديات نموا في العالم، بدءا من إثيوبيا التي حققت نسبة نمو مذهلة بلغت 8.5 في المئة خلال عام 2019، لتحتل بذلك رأس القائمة، وصولا إلى تنزانيا في المركز السادس، وبنسبة نمو بلغت 6.4 في المئة، وجاءت بينهما كل من جيبوتي والسنغال ورواندا وساحل العاج.

النمو الاقتصادي ليس هو عامل الإغراء الوحيد. تحتضن أفريقيا أكثر من مليار مستهلك، يتصاعد عددهم بشكل مضطرد، لتشهد بذلك أكبر نسبة في تزايد أعداد السكان الأصغر سنا، وهذه وصفة مثالية لاقتصاد مزدهر.

لكل هذا، تشكل الدول الأفريقية فرصة ذهبية للمستثمرين، خاصة إذا أضفنا إلى الأرقام الإيجابية وفرة الموارد الطبيعية في القارة.

رغم ذلك، الصورة التي رسمها العالم لأفريقيا خلال العقود الماضية سلبية للغاية، فما أن تذكر أفريقيا حتى ترتسم بالأذهان صور للمجاعات والفقر والحروب الأهلية. القارة التي امتلكت كل مقومات الازدهار كانت غارقة في الفقر.

ما من شك أن للاستعمار دورا في ذلك، وبالأخص الاستعمار الفرنسي والبريطاني. يمكن أن نقول إن الدور القيادي الذي لعبته بريطانيا في أفريقيا أسدل الستار عليه مع فقدانها سيطرتها وتسليمها القيادة إلى الولايات المتحدة.

خروج بريطانيا منتصرة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، شكل بداية النهاية للسيادة البريطانية، رغم أن أكبر امتداد جغرافي للإمبراطورية، تحقق فعليًا بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تعد القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في هذا العالم.

التراجع البريطاني ترسخ أكثر في الحرب العالمية الثانية، رغم أن بريطانيا خرجت منها منتصرة أيضًا، لتنتقل قيادة العالم من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة، ويحتل “وول ستريت” مكان حي المال والأعمال في لندن.

حدث ذلك عام 1944، حيث اجتمع ممثلو 44 دولة لوضع الإطار الاقتصادي لعالم ما بعد الحرب، فالإمبراطورية العظمى أرهقتها تكاليف الحرب العالمية الأولى، وباتت مثقلةً بديون واجبة السداد.

كانت الولايات المتحدة أكبر المستفيدين من الحرب العالمية الثانية، فهي تمتلك حينها أكثر من ثلثي احتياطي العالم من الذهب، وتُنتج وحدها أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي. وفوق ذلك، هي أكبر دائن على المستوى الدولي.

وكان لدى القوى الاستعمارية، وخاصة فرنسا والمملكة المتحدة، موارد قيمة عديدة في القارة السمراء، بينها الشركات المتعاقدة العاملة في قطاعات احتياطات الهيدروكربون، والاتصالات، وإدارة الموانئ والسكك الحديدية وأنظمة تجارة التجزئة، وإنشاء البنية التحتية.

وما تزال فرنسا تستخدم قدرًا كبيرًا من القوة على المستعمرات التي كانت تحتلها، حتى وإن نالت استقلالها نظريًا، مثيرة بذلك غضب الدول الأفريقية.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الرواندي بول كاجامي خلال اجتماعهما الثنائي في قمة الاستثمار البريطانية - الأفريقية في لندن
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الرواندي بول كاجامي خلال اجتماعهما الثنائي في قمة الاستثمار البريطانية – الأفريقية في لندن

ولفهم أبعاد هذا الوضع يمكننا النظر إلى تصريح أدلى به، دودو تيام، وزير خارجية سابق في السنغال، حيث قال “كفى، فهذا استقلال لا يتجاوز كونه مجرد استقلال شكلي.. إذ لا يمكننا تحقيق الاستقلال الحقيقي ما دمنا لا نتجه نحو كسب حقوقنا السيادية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي”.

أخيرا قررت الولايات المتحدة دخول القارة الأفريقية، وعليها إضافة إلى مواجهة فرنسا وبريطانيا، أن تواجه الدب الروسي والتنين الصيني، وأيضا الاتحاد الأوروبي، الذي أبرم اتفاقيات شراكة اقتصادية، مع 41 دولة أفريقية. وتخشى الإدارة الأميركية من أن تؤدي الاتفاقيات إلى مزيد من تآكل القدرة التنافسية للولايات المتحدة في المنطقة. في وقت شرعت فيه روسيا بالعمل على توسيع نفوذها المالي والسياسي بسرعة في جميع أنحاء القارة.

وتقف التدفقات المالية العالية والمتنوعة وراء نجاح الصين في ممارسة الأعمال التجارية في القارة الأفريقية، والتي تضاعف حجمها مرتين على الأقل في العقد الماضي. والتزمت بكين بتقديم 60 مليار إضافية، من ضمنها 10 مليارات دولار لشراء سلع أفريقية.

الطريقة التي تتبعها الصين في ممارسة الأعمال التجارية تجعلها أكبر شريك تجاري للعديد من البلدان الأفريقية، خاصة البلدان الغنية بالموارد مثل جنوب السودان وأنغولا وإريتريا وغامبيا، ويبلغ إجمالي حجم التجارة المتبادلة بين الصين وأفريقيا 200 مليار دولار.

ومع انطلاق مبادرة “حزام واحد وطريق واحد”، وافقت الصين على زيادة حجم تمويلها وأعادت جدولة ديون دول أفريقية مستحقة، وألغت مليار دولار من الديون في شرق أفريقيا وحدها بين عامي 2000 و2018.

وعلى العكس من ذلك، لم يشهد الاستثمار الأميركي في أفريقيا أية زيادة ملحوظة منذ عام 2010، ولم يقم الرئيس دونالد ترامب بعد بزيارة رسمية لأي دولة أفريقية.

واتهمت الإدارة الأميركية الصين بأنها تسهم في زيادة ديون الدول الأفريقية وتفاقم الفساد، ووصفت ممارساتها التجارية بـ”المفترسة” فهي تستخدم الديون لإبقاء الدول الأفريقية “أسيرة” لها.

ترتكز الإستراتيجية الأميركية التي أعلنت عنها إدارة ترامب في 13 ديسمبر 2018 على ثلاثة مبادئ رئيسية، هي:

• الازدهار، من خلال تعزيز العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ودول المنطقة.

• الأمن، من خلال مواجهة تهديد المتطرفين.

• الاستقرار، من خلال المساعدات الخارجية.

ويهدف برنامج “بروسبر أفريقيا” إلى دعم استثمارات الولايات المتحدة، وتحسين مناخ الأعمال، وتسريع نمو الطبقة الوسطى في أفريقيا.

ويطرح القائمون على المبادرة خمس نقاط يجب العمل وفقها، تبدأ بضرورة التركيز على مجالات من شأنها تعزيز التنمية الصناعية وزيادة التجارة البينية الأفريقية، لخلق نمو مستدام، خاصة في البنى التحتية المتعلقة بالنقل والطاقة والمياه والمعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، والتي تتمتع فيها الولايات المتحدة بميزة تنافسية قوية مقارنة بالصين.

وثانيا، على الولايات المتحدة احتضان منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، خاصة مع توقعات تشير إلى أن الإنفاق الاستهلاكي والتجاري المشترك عام 2030 سيبلغ 6.7 تريليون دولار.

على الولايات المتحدة تعزيز الدبلوماسية التجارية، من خلال إستراتيجية اقتصادية تتجاوز الرؤية التقليدية

ومن المتوقع أن يتضاعف حجم قطاع التصنيع في القارة، ليبلغ 1 تريليون دولار بحلول عام 2025، ويساهم في خلق أكثر من 14 مليون فرصة عمل جديدة.

النقطة الثالثة هي إشراك القطاع الخاص، والاهتمام بالتعليم والتدريب، وهي مكونات حيوية طويلة الأمد لا يمكن الاستغناء عنها. وعلى الصعيد المحلي، تنصح النقطة الرابعة الولايات المتحدة بزيادة الجهود للتوثيق والتعريف بالإمكانيات الهائلة التي يمكن أن تقدمها الدول الأفريقية للشركات الأميركية.

وأخيرا، يتعين على الولايات المتحدة تعزيز الدبلوماسية التجارية، من خلال إستراتيجية اقتصادية تتجاوز الرؤية التقليدية، والعمل على كسب قلوب الزعماء الأفارقة، وكذلك معالجة ضعف ثقة الأميركيين بالبلدان الأفريقية كشركاء أعمال يمكن الاعتماد عليهم.

بالمقابل تقدم الولايات المتحدة لشركائها في أفريقيا فرصا حقيقية هي الأكبر في العالم، وتفتح أمامهم المجال لسوق يوفر أكثر من 300 مليون مستهلك، تزيد قدراتهم الشرائية عن 13 تريليون دولار.

وتجلب الشركات الأميركية معها للقارة الأفريقية، الابتكار ورؤوس الأموال، إضافة إلى التزامها بأعلى معايير الشفافية والجودة والمسؤولية.

هل تكفي وعود ترامب لتنسى القارة الأفريقية حقبة الاستعمار الغربي، والتي ما زالت جراحها مفتوحة، أم تبقى مجرد إغراءات يراد منها إيقاعها في الفخ ثانية؟

حتى هذه اللحظة، كل المؤشرات تسير إلى أن متابعة الطريق بصحبة الدب الروسي والتنين الصيني هي الأسلم.

%d مدونون معجبون بهذه: