اعتراف واشنطن بالمستوطنات إنهاء لمسار سلام عسير

واشنطن – يعكس اعتراف الولايات المتحدة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية انقلابا أميركيا جديدا على الثوابت الدولية، بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل وهضبة الجولان جزءا من أراضيها.

ويطرح هذا القرار وتوقيته نقاط استفهام كبرى خاصة وأنه يتزامن مع أزمة داخلية إسرائيلية، وهل الهدف منه منح “قبلة حياة” سياسية لرئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو؟

وأعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستتراجع عن موقفها السابق حيال مستوطنات إسرائيل، بحيث أنها ترفض الرأي القانوني الصادر عن وزارة الخارجية عام 1978، والذي يصف بشكل قاطع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بأنها “تتعارض مع القانون الدولي“.

وقال بومبيو، إن الإعلان الجديد يعد خبرا جيدا بالنسبة إلى إسرائيل، لكنه سيثير غضب الفلسطينيين. وعلى هذا الاساس تضع إدارة ترامب في حساباتها ما يغبط إسرائيل كأولوية دون أن تقيم وزنا لتداعيات ذلك على مسار السلام المتعثر بطبعه.

وترى مصادر دبلوماسية أن قرار واشنطن بشأن المستوطنات هو أميركي ببعديه القانوني والسياسي ولا يمكن أن يؤثر على الوضع القانوني لتلك المستوطنات وفق القانون الدولي.

صائب عريقات: سنتوجه إلى مجلس الأمن وإلى محكمة الجنايات الدولية

وأعلنت السلطة الفلسطينية، أنها ستدعو إلى فتح تحقيق دولي بقانونية موقف واشنطن. وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، “سنتوجه إلى مجلس الأمن وإلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى محكمة الجنايات الدولية وإلى مجلس حقوق الإنسان ضد هذا القرار”.

وكانت  المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، قد شددت في وقت سابق على أن موقفها ثابت ولم يتغير، حيال اعتبار المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، “انتهاكا للقانون الدولي”.

ويعتبر المجتمع الدولي المستوطنات غير شرعية، وتتعامل أكثر بلدان العالم مع المنتجات التي تنتجها هذه المستوطنات وفق هذه الرؤية. ويرى مختصون في شؤون الشرق الأوسط أن التحوّلات الأميركية بشأن أبجديات الصراع في فلسطين لم تستطع حتى الآن تحريك ملف الصراع، ولم تستطع إنعاش طاولة المفاوضات بين الطرفين. ويلفت هؤلاء إلى أن الموقف الأميركي فوق ذلك يعطل أي سبل دولية للحل، كما أنه يربك الثوابت التي يستند عليها اتفاق أوسلو.

ويخلص الخبراء إلى أن الموقف الذي أعلنه بومبيو سيتداعى سلبا على مستقبل الضفة الغربية. ورفض كثيرون ما ادّعاه بومبيو من أن التحول في السياسة يجب ألا ينظر إليه على أنه “حكم مسبق على الوضع النهائي للضفة الغربية”، وأن ذلك “متروك للإسرائيليين والفلسطينيين للتفاوض“.

ويناقض قرار إدارة ترامب نهجا لإدارة باراك أوباما، التي سمحت لمجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2016 بتبني قرار يعلن بأن النشاط الاستيطاني هو “انتهاك صارخ” للقانون الدولي مع “عدم وجود شرعية قانونية” له.

وذهب بومبيو بعيدا في صياغة قرار واشنطن الجديد واعتبره جزءا من سياسة الولايات المتحدة، مشيرا إلى أنه بعد فترة وجيزة من موقف إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1978، أتى الرئيس رونالد ريغان لينقض هذا الرأي ويرفضه بعد ثلاث سنوات فقط.

وتذهب الولايات المتحدة مرة أخرى في مقاربة القضية الفلسطينية بنهج منعزل عن الإجماع الدولي حتى لدى الدول الحليفة لواشنطن. ففي الأسبوع الماضي فقط، قضت إحدى محاكم الاتحاد الأوروبي العليا بضرورة أن تبدأ الدول الأعضاء في تحديد المنتجات المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية من خلال وصفها على هذا النحو (منتجات المستوطنات) وليس بصفتها منتجات إسرائيلية، ناهيك عن أن الاتحاد الأوروبي يعارض سياسة الاستيطان في الضفة الغربية.

ولا يمكن فهم قرار واشنطن إلا بمثابة تدخل أميركي في الجدل السياسي الإسرائيلي الداخلي لصالح بنيامين نتنياهو ضد خصومه.

ويحتاج نتنياهو إلى موقع رئاسة الحكومة التي تمنحه حصانة في مواجهة تحقيقات تتهمه بالفساد، وهو أمر لم يستطع نيله من خلال عمليتي انتخابات تشريعية مسبقة.

انتهاك للقانون الدولي
انتهاك للقانون الدولي

وتلقف نتنياهو الهدية الأميركية ووصف إعلان بومبيو بأنه “يوم تاريخي”. وأعلن أنه هاتف ترامب وشكره على قرار “صحح ظلم تاريخي“.

بيد أن مجموعات أميركية مؤيدة لحل الدولتين في الولايات المتحدة انتقدت قرار واشنطن الجديد. واتهمت مجموعة “جي ستريت” الإدارة بـ “تجاهل عقود من السياسة الأميركية الحزبية والتجاهل الصارخ للقانون الدولي”. وقالت إن هذه الإدارة “تدوس على حقوق الفلسطينيين ومساعدة الجناح الإسرائيلي اليميني في تدمير مستقبل إسرائيل كوطن ديمقراطي للشعب اليهودي“.

وقال “منتدى السياسة الإسرائيلية”، وهو مجموعة مؤيدة لحل الدولتين، إنهم “يشعرون بالفزع” من الإعلان، قائلين إنه لن يعزل إسرائيل عن المجتمع الدولي فحسب، بل الولايات المتحدة أيضا.

وشدد جيرالد فايرشتاين، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية تعامل مع قضايا الشرق الأوسط، على أن “الحقيقة هي أن المستوطنات تشكل انتهاكا واضحا للقانون الدولي“.

ويرى منتقدون في واشنطن لهذا القرار أنه يقوض حل الدولتين في المستقبل من خلال تجاهل مطالب الفلسطينيين بالأرض، كما أنه جاء ليفاقم موقف واشنطن بعد اتخاذها خطوات مثيرة للجدل داخل هذا الملف.

وشملت هذه الخطوات الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإنهاء المساعدات للفلسطينيين، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، والاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، التي تطالب بها سوريا. كما توقفت الإدارة عن الإشارة إلى الضفة الغربية على أنها “محتلة”، وحاولت إعادة تعريف من يعتبر لاجئا فلسطينيا. وربما أن أوضح إشارة إلى أن إدارة ترامب غير مهتمة بدولة فلسطينية في المستقبل، هي أن عناصر خطتها للسلام في الشرق الأوسط، التي طرحها صهر ترامب والمستشار جاريد كوشنر، لا تشير إلى حل الدولتين. وبدلا من ذلك، ركز قسم من خطة كوشنر، الذي تم الكشف عنه حتى الآن، على الاقتصاد، ووعد الفلسطينيين بمستقبل مادي أكثر إشراقا دون أي تطرق إلى الحلول السياسية.

ويقول مراقبون، إن موقف واشنطن ينزع عن الولايات المتحدة صفة الرعاية لعملية السلام، وإن هناك تعارضا بين ما تقره إدارة ترامب وما يدعيه بومبيو من عمل بلاده على تسهيل السلام بين الجانبين، ودعوته إسرائيل والفلسطينيين للتفاوض في ما بينهم.

%d مدونون معجبون بهذه: