الإعلام المصري يستعيد نجومه لكسب ثقة الجمهور

تعكس تقلبات الخطط الإعلامية في القنوات الفضائية المصرية، حجم التخبط لدى القائمين على المشهد الإعلامي، وبدت أطراف في المنظومة عاجزة عن الإجابة على سؤال: من أين تبدأ خطة تطوير الإعلام؟ هل بالاستعانة بمذيعين جدد، أم باستدعاء وجوه من الماضي، أم بتغيير المحتوى ليتوافق مع متطلبات الجمهور؟

باشر القائمون على إدارة المشهد التطوير بخطة إعلامية جديدة تعتمد بشكل أساسي على إعادة الوجوه التي كانت مغيبة لفترة، بعد أن فشلت سياسة الاعتماد الكلي على أسماء شابة بلا قاعدة جماهيرية، فأنتجت فجوة شاسعة بين الحكومة والناس، لأن الوسيط الإعلامي يفتقر للإمكانيات المهنية والشخصية لتوصيل الرسالة على النحو المطلوب.

وتقررت عودة الإعلامية لميس الحديدي بعد غياب عامين عن الشاشة المصرية، وتقديم برنامج “كلمة أخيرة” على فضائية “أون”، وعاد قبل أيام الإعلامي إبراهيم عيسى إلى الظهور على ذات القناة ببرنامج “أصل الجماعة”، ويركز على التاريخ السياسي للإخوان، وكيف تاجروا باسم الدين.

وبدأ الإعلامي معتز الدمرداش، قبل أيام، المشاركة في تقديم برنامجه “90 دقيقة” على فضائية المحور، مع المذيع أسامة كمال، وهما أيضا من الوجوه التي اختفت لفترة طويلة، وسوف يعود قريبا عمرو الليثي لتقديم برنامج “واحد من الناس” على فضائية “أون”.

ولا تزال الترتيبات قائمة لبرنامج “حديث القاهرة”، الذي سيتم تقديمه على فضائية “القاهرة والناس”، ويجمع بين مجدي الجلاد وخيري رمضان وسالي عبدالسلام.

ارتبط رحيل الوجوه العائدة من الماضي بإصرار غالبيتهم في حينه على التغريد خارج السرب، ومنح أنفسهم مساحة استقلال أكبر عن الخط التحريري الذي كانت تحدده الحكومة للإعلام، وجرى إبعادهم عن الشاشة مؤقتا.

اتجه البعض منهم لمنابر خارجية، مثل لميس الحديدي “العربية الحدث” وإبراهيم عيسى “الحرة”، وآخرون لجأوا إلى منصات التواصل الاجتماعي لتقديم برامج من إنتاجهم الخاص، على رأسهم الإعلامي أسامة كمال.

أزمة القائمين على إدارة المشهد أنهم ما زالوا يتمسكون باقتصار التطوير على الوجوه. فتراهم مرة يزيحون القدامى عن الشاشة ويستبدلونهم بالشباب، وبعد فترة يتجهون إلى تدوير المذيعين بين القنوات، وإذا لم يتحقق الغرض يتحركون في اتجاه عودة المستبعدين أصحاب الجماهيرية والخبرات، ومن لهم رصيد نسبي عند الجمهور، أملا في انتشال الإعلام بعد تراجع مصداقيته التي أصبحت على المحك.

وتوسعت القنوات في إذاعة مقاطع فيديو مسجلة للرئيس عبدالفتاح السيسي في مناسبات وفعاليات سابقة تحدث خلالها عن التحديات والإنجازات وإجراءات الحكومة في مختلف المجالات، لتعويض إخفاق الإعلام في توصيل هذه الرسائل إلى الناس.

صفوت العالم: ليس في صالح المنظومة إلغاء برنامج دون إنذار
صفوت العالم: ليس في صالح المنظومة إلغاء برنامج دون إنذار

لكن هناك معضلة كبيرة ترتبط بالمحتوى، فالمشكلة ليست في هوية مقدم الرسالة، بل في المضمون نفسه. هل ستكون ثمة نبرة معارضة نسبية لنقل نبض الناس إلى دوائر صناعة القرار أم لا؟ إلى أي درجة يُسمح بنقد توجهات وقرارات الحكومة ومؤسساتها، كي يتيقن المشاهد أن الإعلام يعبر عنه؟

قال صفوت العالم أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، إن معيار الحكم على الوجوه العائدة من الماضي، يرتبط بمدى تحررها من التوجيهات الملزمة بعدم الخروج عن النص، والتركيز على إقناع الناس بالإنجازات، وإقناعهم بالتحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فقد ضاق الجمهور ذرعا باقتصار دور الإعلام على أن يكون متحدثا بلسان الحكومة فقط.

وأوضح لـ”العرب” أن تكرار التجارب في المشهد الإعلامي سوف يُسبب له انتكاسة كبرى، فلا يُعقل تغييب مذيع بعينه بعد فترة من نجاحه في تكوين قاعدة جماهيرية معقولة، وليس في صالح المنظومة إلغاء برنامج دون سابق إنذار لمجرد أن صاحبه لم يحقق الغرض، فالشارع سيفقد الثقة في العقلية التي تدير الإعلام ويتعامل مع الإعلاميين على أنهم هواة، وينتقل ذلك بالتبعية إلى المهنة نفسها.

وأغلب العائدين وجوه على قدر من الشجاعة في النقد، لكن ظروف عملهم في الماضي تختلف عن الوضع الراهن، ولم يكن وقتها تسيطر الحكومة على المؤسسات الإعلامية كما يحدث حاليا، لأن رجال الأعمال كانوا ملاكا لهذه القنوات، وتدخلت الشركة المتحدة للاستحواذ على الكثير من وسائل الإعلام.

لا ينكر كثيرون أن هناك تحديات تتطلب قدرا من الحذر خوفا من استغلال تيارات مناهضة لمساحة الحرية المتوقعة في إثارة الشارع، لكن ذلك لا يعني استمرار التضييق وعدم السماح بالتطرق إلى مشكلات الناس، فليس كل صوت معارض خائن، وليس كل معارضة إعلامية مهمتها تهييج الرأي العام، بل ربما تصبح سببا في تهدئة غضب محتمل، والتنفيس عن الناس.

يخشى خبراء أن تسيطر الحكومة على توجهات مذيعي الماضي. ويبرر هؤلاء وجهة نظرهم بأن “الإعلامي أصبح يواجه صعوبات بالغة في إقناع الشريحة المستهدفة، في ظل عصر منصات التواصل الاجتماعي، وتعدد المنابر الخارجية التي لديها أجندة مناوئة، كالتي تبث من تركيا وقطر، وتستغل غياب الصوت المختلف بالداخل لبث سمومها في عقول المشاهدين”.

وأضاف صفوت العالم لـ”العرب” أن النقد الإعلامي لا يمكن أن يصنع ثورة، أو يحرض على احتجاج، ومطلوب من الجهات الرسمية إدراك هذه الحقيقة، لأن إعادة الوجوه القديمة دون السماح لها بمساحة من الاختلاف لن تكون لها جدوى، فالشارع سيتعامل معها باعتبارها تابعة للحكومة، وهذا خطأ فادح، والذي عُرفت عنه الجرأة عندما يتحول إلى مؤيد مطلق سوف تصل علاقته بالناس حد الكراهية.

يصعب فصل الرؤية التشاؤمية حول مقدمات عودة القدامى إلى الشاشة عن الصراع المحتدم بين الجهات المسؤولة عن إدارة المنظومة الإعلامية، فلا أحد يعرف حتى اللحظة من يدير المشهد، ومن له الكلمة العليا في المحتوى، هل وزارة الإعلام، أم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أم الشركة المالكة للمؤسسات؟

وبسبب هذا التخبط صارت هناك ضبابية يصعب معها التنبؤ بتغيير الواقع إلى الأفضل مهما كانت طبيعة الوجوه الإعلامية.

لدى البعض من المتفائلين وجهة نظر مغايرة، مبررها أن هناك إشارات غير مباشرة عن اقتناع جهات رسمية بحتمية وجود أصوات مختلفة في الإعلام، لتخفيف الغضب الصامت، وعدم استغلاله في استقطاب هؤلاء واستمالتهم بخطاب يلامس مشاكلهم.

يبدو أن هذه الجهات رأت صعوبة قيام الوجوه الحالية بهذه المهمة الدقيقة، لقلة خبرتها وعدم حنكتها السياسية، وافتقارها إلى القدرة على التوازن بين الدعم والنقد، بالتالي فقرار الاستعانة بالقدامى يرتبط بوجود نية لتوسيع هامش الحرية، شريطة أن يكون ذلك بخطوات محسوبة لا تؤثر على الاستقرار أو عرقلة الحكومة عن مجابهة التحديات.

وإذا كانت هذه معارضة منضبطة ومحكومة بإطار محدد، فحتما سوف تفيد المشهد الإعلامي عندما يكون مقدمو الرسالة لديهم من الخبرة ما يكفي لتأدية الغرض المطلوب بشكل يضمن إرضاء الحكومة والمشاهد معا.

ربما تكون هذه الطريقة مقدمة لاقتناع القائمين على إدارة المشهد بالتوسع فيها مستقبلا، بعد أن تثبت التجربة أن الصوت المختلف لا يزعزع الاستقرار، بل يمتص غضب الباحثين عن توصيل شكواهم إلى الحكومة بالصيغة المناسبة.

%d مدونون معجبون بهذه: