الإيرانيون يفقدون الأمل بعد أربعين عاما من رحيل الشاه

الإيرانيون يفقدون الأمل بعد أربعين عاما من رحيل الشاه

رحلة اللاعودة لمحمد رضا بهلوي أنهت حكما ملكيا استمر قرابة 2500 عام لآخر شاه لإيران.

عندما انتفض الإيرانيون في أواخر سبعينات القرن الماضي ضد حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي لم يكونوا يتوقعون أن آمالهم وأحلامهم في العيش في كنف نظام ينصفهم اجتماعيا واقتصاديا ستنكسر على صخرة الأجندة السياسية والمصالح الإيديولوجية لنظام ولاية الفقيه الذي بدأ مع تمكن المحافظين من مفاصل الحكم وإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران قبل أربعين عام. وبعد الإصلاحات التي نفذها آخر شاه لإيران والمستلهمة من البلدان الغربية، تغير نمط عيش المجتمع الإيراني وباتت قوانين وأحكام المحافظين تضيق عليهم الخناق، في تطورات جعلت الثورة الإيرانية ضد الشاه تحيد عن مسارها لصالح المستقبل الذي رسمه الزعيم الشيعي آية الله الخميني للبلاد في ظل نظام الملالي.

طهران – تعيش إيران الذكرى الأربعين لرحيل الشاه في ظل ظروف صعبة حيث تعاني البلاد تحت وطأة انكماش اقتصادي وعزلة دولية بسبب إعادة فرض العقوبات الأميركية والتوجهات السياسية والإدارة السيئة لنظام الملالي.

قبل أربعين عاما غادر محمد رضا بهلوي الذي لقب نفسه “ملك الملوك”، إيران في 16 يناير 1979 للمرة الأخيرة، بعد انتفاضة شعبية عمت أرجاء البلاد، ليكون بذلك آخر شاه لإيران وينهي حكما ملكيا استمر قرابة 2500 عام.

وجسد رحيل الشاه إلى المنفى نهاية حكم سلالة بهلوي، الذي استمر  لحوالي 53 عاما، ومهد الطريق أمام عودة الزعيم الشيعي آية الله الخميني في الأول من فبراير 1979 من منفاه بفرنسا وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

ويتذكر أحمد شيخ مهدي، العامل في أحد المتاجر، أنه قبل أشهر من رحيل الشاه كان شاهدا على الحماسة المتقدة التي اجتاحت إيران في تلك الفترة.

وقال شيخ مهدي، الذي كان يعمل مساعدا لصاحب محل في البازار الكبير بطهران، “الكل تبدّل مع الثورة، شعرنا بالأمل”.

معارضة الشاه وفساد النخبة دفعا إلى تحالف غير متوقع بين الراديكاليين الإسلاميين الذين رفضوا هدوء المؤسسة الدينية وبين الطلاب اليساريين المناهضين للاستعمار

كان البازار أحد مراكز الدعم للثوار، فهذا المعلم الذي يعد معقلا للتقاليد تحالف بشكل وثيق مع رجال الدين الذين عارضوا ما اعتبروه مشروع الشاه لإضفاء طابع غربي على البلاد والعلمنة.

يتذكر شيخ مهدي هذا اليوم بشكل واضح، لكن ما حفر في ذاكرته مشهد الدراويش وهم يسيرون في ممرات البازار قبل أشهر على رحيل الشاه وهم ينشدون ما يشبه التنبؤات.

ويستعيد شيخ مهدي، البالغ 76 عاما، ما رددوه “لا شيء سيكون جيدا حتى نصبح نحن جيدين. في وقت ليس ببعيد، سينقلب هذا الزمن رأسا على عقب”. وأضاف “فعلا انقلب رأسا على عقب”.

توجه الشاه مع زوجته في البداية إلى مصر، ثم قام بجولات على مدى 18 شهرا قادته إلى الولايات المتحدة والمكسيك قبل أن يعود إلى القاهرة حيث توفي بعد معاناة مع مرض السرطان في 27 يوليو 1980 عن عمر ناهز 60 عاما.

إصلاحات مرفوقة بإجراءت قمعية

نفوذ الشاه بدأ بالانهيار قبل مغادرته البلاد، ففي يناير 1978 أُمِرت صحيفة “اطلاعات” اليومية بنشر مقالة اعتبرت مهينة للخميني.

وأثار ذلك المقال تظاهرات من قبل طلبة الحوزات الدينية، تم قمعها بعنف قبل أن تتحوّل تجمعات تكريم الضحايا إلى دوامة من الاحتجاجات التي تضخمت خلال العام.

الشاه أثناء التتويج ملك الملوكالشاه أثناء التتويج ملك الملوك

وظلت الاضطرابات في تصاعد عام 1978 وأُقفل البازار عدة مرات دعما للمتظاهرين.

ويتذكر إبراهيم الماسي، البالغ 77 عاما والذي لا يزال يعمل في البازار، “كان أحد الشبان يركض نحو البازار ويطلق صافرة ثم يصرخ إنهم هنا، فنغلق جميعا محلاتنا وننضم إلى التظاهرات”.

ويشعر الماسي بحنين إلى الروح الثورية المتأججة آنذاك والتي استلهمتها من كاريزما الخميني “كانت في ذلك الوقت لدى الناس حماسة، والدم كان يتدفق”.

ويتذكر أحمد شيخ مهدي كيف كان يشتري البيض ويعطيه للعمال المضربين، في لفتة تضامن شملت جميع الإيرانيين.

وقال “كان الناس يأتون ويسألون إن كنا نحتاج إلى النقود، ويعطوننا.. وأذكر أننا ساعدنا الناس بقدر استطاعتنا”.

اعتلى بهلوي الذي درس في سويسرا العرش في 16 سبتمبر 1941 عندما كان في الـ21 من عمره. ولم يحكم الملك الشاب قبضته على السلطة حتى عام 1953، عندما أطاح انقلاب مدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) برئيس وزرائه صاحب الشعبية محمد مصدق الذي كان يسعى لتأميم النفط.

والبترودولار الذي كان يتدفق على خزائن الشاه جعل منه أحد أفضل زبائن مصانع السلاح الأميركية، كما أنه وقف سدا منيعا في وجه التأثير السوفييتي.

لكن إصلاحاته المستلهمة من الغرب أدت إلى تغيير اجتماعي صاخب أغضب رجال الدين، واستئثاره بالسلطة ووحشية شرطته السرية أكسبته سمعة طاغية.

ودفعت المعارضة للشاه والفساد الذي أحاط بالنخبة في طهران إلى تحالف قوي لم يكن متوقعا بين الراديكاليين الإسلاميين الذين رفضوا هدوء المؤسسة الدينية التقليدية وبين الطلاب اليساريين الذين كانت تحركهم حركات ضد الاستعمار حول العالم.

يرجع الكثيرون بداية سقوط الشاه إلى العام 1963 عندما طبق “الثورة البيضاء”، وهي برامج إصلاح واسعة النطاق تركزت على الزراعة وأقصت النخبة التقليدية المالكة للأراضي وحلفاءها من رجال الدين الذين عارضوا بشدة كذلك قرار منح النساء حق التصويت. في العام التالي، تم نفي الخميني الذي هاجم ما اعتبره خضوع الشاه للغرب. ولمع نجم الخميني في المنفى.

واصطفت كبرى القوى الاقتصادية في طهران للاستفادة من الطفرة النفطية، متجاهلة النزعة الاستبدادية للشاه الذي حظر أحزاب المعارضة واعتمد إلى أبعد حد على جهاز استخباراته المخيف “السافاك”.

وبسبب غضبه من انتقادات الولايات المتحدة لسجله في حقوق الإنسان، تقارب الشاه مع الاتحاد السوفييتي والصين، فيما أطلق شراكة اقتصادية مع أوروبا وخصوصا فرنسا.

تعمق عزلة الشاه

وازدادت الشكوك وحالة العزلة لدى الشاه الذي لم يتمكن من فهم السبب الذي دفع شعبه إلى عدم تقدير جهوده في تحديث البلاد. وجاءت محاولته الأخيرة لوضع حد للانتفاضة بالاعتذار عن أخطائه وإلغاء العديد من الإجراءات القمعية متأخرة للغاية، ولم تؤدّ سوى إلى تأجيج الاحتجاجات.

وفي صباح 16 يناير 1979، منح البرلمان الثقة لحكومة رئيس الوزراء شهبور بختيار الذي أمسك بمصير البلد. وبعد ذلك بساعات غادر الشاه وحرمه بعيون دامعة، طهران في رحلة بلا عودة.

وقال الشاه قبل أن يصعد إلى طائرته البوينغ 707 التي يقودها بنفسه “أنا متعب جدا”.

تبرز الصورة إحدى الغرف الفخمة في القصر الأخضر، الذي يقع في مجمع متحف سعد أباد في شمال طهران وكان مقرا لإقامة الشاه محمد رضا بهلوي لمدة عام ثم استخدم الطابق العلوي كقاعة استقبال خاصة والإقامة في الطابق السفلي.تبرز الصورة إحدى الغرف الفخمة في القصر الأخضر، الذي يقع في مجمع متحف سعد أباد في شمال طهران وكان مقرا لإقامة الشاه محمد رضا بهلوي لمدة عام ثم استخدم الطابق العلوي كقاعة استقبال خاصة والإقامة في الطابق السفلي.

ولم يرافقه إلى مطار طهران الذي كانت تحرسه أعداد كبيرة من الجنود، سوى شخصيات مقربة منه وبعض العسكريين ورئيس الوزراء ورئيسي غرفتي البرلمان.

وقبل أن يصعد سلم الطائرة قال الشاه الذي ارتدى بدلة زرقاء “ما تحتاجه البلاد الآن هو التعاون بين السكان لإعادة الاقتصاد إلى مساره”. وبصوت مرتجف قالت الإمبراطورة فرح ديبا إنها تؤمن بالبلاد.

واجتاح المتظاهرون شوارع طهران وسط تعالي أصوات أبواق السيارات تعبيرا عن الفرح وهتفوا “رحل الشاه، عاش الخميني”.

في الأثناء ومن مقر إقامته في نوفلي لو شاتو قرب باريس، هنأ الخميني الشعب الايراني بـ”هذه المرحلة الأولى” في اتجاه “النصر”.

بيد أن الزعيم الشيعي أكد أن النصر لا يكمن في تنحي الشاه بل في نهاية الهيمنة الأجنبية على إيران. ودعا “في هذه اللحظة التاريخية” الشعب والجيش الإيرانيين إلى إفشال كل محاولة لضرب النظام الاقتصادي للبلاد.

واكتفى الخميني الذي كان يقيم في المنفى منذ 15 عاما، بالقول إنه سيعود إلى إيران “في الوقت المناسب”.

وفي أسوان جنوب مصر أقام الشاه وزوجته في فندق اوبيروي الذي اختير لتسهيل إجراءات الأمن المشددة التي اتخذت. أما باقي أفراد الأسرة الملكية الإيرانية فقد وصلوا إلى الولايات المتحدة.

وكانت تلك الفترة بالنسبة للشاه رحلة ضياع طويلة انتهت في القاهرة حيث توفي في 27 يوليو 1980.

أحداث غيرت وجه إيران

شهد التاريخ المعاصر لإيران أحداثا كثيرة غيرت البلد بشكل جذري سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وأطاحت الثورة الإسلامية بحكم سلالة بهلوي الذي دام لحوالي 53 سنة كما أنهى إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسميا حكما ملكيا استمر قرابة 2500 عام في ظل الإمبراطورية الفارسية.

* 26 أكتوبر 1919- ولادة محمد رضا بهلوي.

* 16 سبتمبر 1941 – تولى الحكم. أجبر رضا خان على التنازل عن العرش عقب اجتياح بريطانيا والاتحاد السوفييتي لإيران ليخلفه ابنه محمد رضا البالغ من العمر 21 عاما.

* 1953 – أحكم الملك الشاب محمد رضا بهلوي قبضته على السلطة، عندما أطاح انقلاب مدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) برئيس وزرائه صاحب الشعبية محمد مصدق الذي كان يسعى لتأميم النفط.

* 1963 – الثورة البيضاء. طبق الشاه “الثورة البيضاء”، وهي برامج إصلاح واسعة النطاق تركزت على الزراعة وأقصت النخبة التقليدية المالكة للأراضي وحلفاءها من رجال الدين الذين عارضوا بشدة كذلك قرار منح النساء حق التصويت.

* 1964 – نفى الزعيم الديني الشيعي آية الله الخميني الذي هاجم ما اعتبره خضوع الشاه للغرب. ولمع نجمه في المنفى.

* 1967 – منح الشاه لقب “ملك الملوك” (شاهنشاه) التقليدي، بعد حصوله قبل عامين على لقب “نور الآريين”.

* 1971 – حفلة غير مسبوقة في بذخها للاحتفال بالذكرى الـ2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية أثارت انتقادات رجال الدين المعارضين للشاه وحتى من أعضاء تياره اليساري.

* يناير 1978 – بداية تآكل سلطة الشاه بعدما أجبرت صحيفة على نشر مقال ينتقد الخميني. هذا الأمر أثار تظاهرات من قبل طلبة الحوزات الدينية، قمعت بعنف وتحولت إلى دوامة من الاحتجاجات التي تصاعدت وأُقفل البازار عدة مرات دعما للمتظاهرين.

* 16 يناير 1979- المغادرة إلى المنفى. منح البرلمان الثقة لحكومة رئيس الوزراء شهبور بختيارغادر شاه إيران وزوجته فرح ديبا طهران منهيا بذلك ليس حكمه فقط بل نظام حكم ملكي امتد 2500 عام في إيران.

* 1 فبراير 1979 – عودة الخميني. عاد آية الله الخميني إلى إيران من منفاه في فرنسا ليعلن تأسيس الجمهورية الإسلامية.

* 1 أبريل 1979 – إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسميا. تم دعم إنشاء الجمهورية الإسلامية بموجب استفتاء.

* ديسمبر 1979 – جرى استفتاء ثان تمت خلاله الموافقة على دستور للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

* 27 يوليو 1980- توفي آخر شاه لإيران محمد رضا بهلوي بعد معاناة مع مرض السرطان في القاهرة عن عمر ناهز 60 عاما.

%d مدونون معجبون بهذه: