البيروقراطية… عقبة أخيرة في طريق لقاحات فايروس كورونا

مسارعة شركات متعددة تنتمي إلى دول مختلفة بإعلان اكتشاف اللقاح تطرح ضغوطا كثيرة بشأن كيفية مراقبة جدية هذه الاكتشافات ومطابقتها للشروط المطلوبة، وهذا أمر يأخذ وقتا طويلا في ظل هيمنة البيروقراطية وبطء إجراءات عرض هذه اللقاحات على المخابر وإجراء التجارب السريرية اللازمة.

نيويورك – تطوير لقاحات آمنة وفعالة هو بالتأكيد الجزء الصعب من السباق لإخراج الإنسانية من دائرة جائحة فايروس كورونا المستجد. فالنتائج الواعدة تتوالى في هذا السياق، حيث أعلنت شركة فايزر الأميركية وشريكتها الألمانية بايونتيك نجاح لقاحهما المشترك المضاد لفايروس كورونا في تحقيق حماية بنسبة 90 في المئة. وبعد أيام، أعلنت شركة موديرنا الأميركية أن لقاحها المرتقب قد حقق حماية من الفايروس بنسبة 94.5 في المئة، بعد اختباره على أكثر من 30 ألف شخص.

وإذا اعتبرنا هذه النتائج انتصارا على صعيد العلم وما يخص الشركات، باعتبارها تشير إلى أول لقاح يتم إقراره والسماح باستخدامه على نطاق واسع، فإن الانتصار لم يتحقق لأي طرف حتى الآن. فالمرحلة الأخيرة قبل بدء استخدام لقاحات كورونا ستمر بمتاهة السلطات الرقابية والتنظيمية في مختلف قارات العالم ومؤسساته، والتي ستحدد متى وأين، وما هو اللقاح الذي ستتم الموافقة عليه وبدء إنتاجه وتوزيعه، بحسب وكالة بلومبرغ للأنباء.

حارس البوابة

الحقيقة هي أن هذه المؤسسات التي تلعب دور “حارس البوابة” تمثل حقيقة لوجستية في سباق توفير لقاح للوقاية من كورونا. فهذا ليس سباقا وحيدا بين عدد من الشركات الكبرى مثل فايزر ضد موديرنا وضد أسترازينيكا، لكنها عملية ممزقة تمتلك فيها كل دولة من دول العالم سلطة الموافقة على اللقاح أو رفضه. وبالطبع، فإن إدارة الغذاء والدواء الأميركية مهمة، لكن ملامح الخلافات بين الأجهزة الرقابية في العالم بدأت تتشكل وتدخل دائرة التركيز.

فقد يصطدم إطلاق بريطانيا اللقاح الذي تطوره شركة أسترازينيكا وجامعة أكسفورد البريطانيتان، مع اللقاح المماثل الذي وافق عليه الاتحاد الأوروبي. وقبل أيام، أصدرت كندا قواعد جديدة تسمح لأجهزتها الرقابية بتسريع الموافقة على أي لقاح ضد فايروس كورونا المستجد. وخلال الأسابيع القليلة الماضية قدمت كل من أسترازينيكا وموديرنا وفايزر طلبات إلى السلطات الكندية للموافقة على لقاحاتها.

وقد يرغب الألمان الذين قاموا بتمويل مشروع لقاح فايزر – بايونتيك في الحصول على أول موافقة على اللقاح، في الوقت الذي نسب فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفضل لنفسه بصفة شخصية في هذا الشأن. وبحسب أندرو كومو، حاكم ولاية نيويورك، قد يكون لهذه الولاية قواعدها الخاصة للموافقة على استخدام أي لقاح، في ظل تراجع الثقة في إدارة الغذاء والدواء الأميركية الخاضعة لإدارة الرئيس ترامب، كما تمضي عدة ولايات أميركية أخرى مثل كاليفورنيا في نفس الاتجاه.

وفي البرازيل، تحول البحث عن لقاح إلى مسلسل تلفزيوني متعدد الجنسيات. فحكومة الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو تقول إنها أنفقت ملياري ريال (369 مليون دولار) لتطوير لقاح أسترازينيكا وأكسفورد، والذي يجري اختباره في البرازيل. وفي الوقت نفسه، يدعم جواو دوريا، حاكم ولاية ساو باولو ومنافس بولسونارو، لقاح شركة سينوفاك بيوتيك الصينية التي تقوم باختبار لقاحها في الولاية البرازيلية. وتعهد دوريا بتوفير لقاح سينوفاك لنحو 44 مليون شخص في ولايته، في الوقت الذي يهاجم فيه بولسونارو هذا اللقاح ويشكك في أنه آمن بسبب مصدره.

اللقاح المتردد

ليس سباقا وحيدا بين عدد من الشركات الكبرى مثل فايزر ضد موديرنا وضد أسترازينيكا، لكنها عملية ممزقة تمتلك فيها كل دولة من دول العالم سلطة الموافقة على اللقاح أو رفضه
ليس سباقا وحيدا بين عدد من الشركات الكبرى مثل فايزر ضد موديرنا وضد أسترازينيكا، لكنها عملية ممزقة تمتلك فيها كل دولة من دول العالم سلطة الموافقة على اللقاح أو رفضه

في ظل ارتفاع أعداد المصابين بالفايروس في العالم والتوقعات القاتمة للأشهر القادمة التي قد تتحول إلى “شتاء أسود”، على حد تعبير الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، فإن الدول قد تتسابق في منح الموافقة السريعة للقاحات التي يتم تطويرها. ولكن جويدو راسي، الذي تولى منصب المدير التنفيذي لوكالة الدواء الأوروبية لمدة تسع سنوات حتى تقاعد في 13 نوفمبر الحالي، يقول “حقيقة لا أشجع هذا الاتجاه”. وأضاف أن أي موافقة سريعة على اللقاح يجب أن تتم بعد استكمال التجارب السريرية عليه وليس بالطريقة التي تغذي “اللقاح المتردد” غير مكتمل التجارب.

فهذا المنهج سيدمر الثقة ولن يكون أحد مستعدا للحصول على اللقاح، كما حدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ادعى نجاح بلاده في تطوير لقاح فعال مضاد لفايروس كورونا، رغم عدم مروره بالاختبارات العلمية المقررة للتأكد من سلامته وفاعليته.

وبحسب وكالة بلومبرغ، فإن العوامل العلمية والوطنية والبيروقراطية قد تفسر حالة الفضول التي حدثت عندما قررت شركة أسترازينيكا وجامعة أكسفورد وقف التجارب على لقاحهما في أوائل سبتمبر الماضي، بسبب إصابة أحد المشاركين في التجربة بأعراض مرضية.

وخلال أسبوع واحد، أعطت السلطات البريطانية الشركة والجامعة الضوء الأخضر لاستئناف التجارب داخل بريطانيا. وبعد أيام قليلة، اتخذت البرازيل وجنوب أفريقيا قرارا مماثلا. ولكن السلطات الأميركية استغرقت سبعة أسابيع تقريبا لكي تسمح لشركة أسترازينيكا باستئناف التجارب على اللقاح.

ويبدو أن إحدى النقاط الأساسية في هذا الشأن فنية، تتمثل في معالجة الأجهزة البيروقراطية في الولايات المتحدة وبريطانيا لبيانات التجارب السريرية بطرق مختلفة، لذلك يجب أن تكون المعلومات الضخمة الخاصة بالتجارب السريرية وفق الصيغة الأميركية لكي تحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية. ولكن النتيجة كانت واضحة، فاللقاح البريطاني المنشأ يحظى بمعاملة خالية من أية عوائق في موطنه. وأعلنت الحكومة البريطانية في أغسطس الماضي استعدادها لمنح موافقة مؤقتة لاستخدام لقاح غير مرخص إذا كانت هناك حالة تفرض عليها التحرك بأسرع من وكالة الدواء الأوروبية، حتى إذا كانت بريطانيا ما زالت خاضعة لقواعد الاتحاد الأوروبي إلى حين خروجها منه بنهاية ديسمبر المقبل.

وشددت منظمة الصحة العالمية واتحاد المؤسسات الرقابية الدولية على ضرورة أن تكون الموافقات على اللقاحات شاملة لكل دول العالم.

وقالت المنظمة في بيان مشترك مع التحالف الدولي للسلطات الرقابية الدوائية إن “التعاون متعدد الأطراف بين السلطات الرقابية سيكون ضروريا لضمان العدالة والتأكد من أن لقاحات فايروس كورونا المستجد وأدويته آمنة وفعالة ومضمونة الجودة وأن جميع الدول تستطيع الاستفادة من هذه المنتجات بطريقة تتسم بالمساواة، وفي نفس الوقت”.

%d مدونون معجبون بهذه: