التهديدات الكاذبة وسيلة هجوم أخرى تستعملها التنظيمات المتشددة

التهديدات الكاذبة وسيلة هجوم أخرى تستعملها التنظيمات المتشددة

خدع الإرهاب الكاذبة تتمثل في الحوادث التي يُعتقد أنها أعمال إرهابية خطيرة، رغم أنها لا تولد أي خطر مباشر أو أذية.

تقف الجماعات المتطرفة وراء العديد من الإنذارات الكاذبة بشأن هجمات إرهابية مختلفة وفق بيانات رسمية وأبحاث علمية أثبتت أيضا أن خدع المتشددين تشمل كذلك التبني الكاذب لعمليات إرهابية تم تنفيذها في بلد ما دون أن يكون للأمر أي صلة بالحقيقة على أرض الواقع. هذه المجموعات المتطرفة تعتمد التضليل الإعلامي والأمني، من قبيل التهديدات غير الحقيقية أو الادعاء بالقيام بعمليات سابقة وامتلاك نوع معين من الأسلحة لتحاول تصوير نفسها بأنها قوية وقادرة على تنفيذ الهجمات في أي زمان ومكان في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماما.

لندن – تتلقى الأجهزة الرسمية في الكثير من بلدان العالم إنذارات عديدة بشأن هجوم إرهابي محتمل، البعض منها يكون حقيقيا لكن البعض الآخر يتبين أنه كان مجرد إنذار كاذب ليست له تداعيات مادية مباشرة على حياة الأشخاص ولا يسبب أضرارا للممتلكات العامة والخاصة أو للبنية التحتية لكن في الوقت نفسه لا يخلو من أهمية قصوى تتطلب دراسة وتحليل لأبعاد هذه الخدع التي يتبعها الأفراد أو المجموعات المتطرفة.

وتقول الباحثة في جامعة كارلتون نيكول تيشلر في دراسة من إعدادها نشرتها دورية “مقاربات حول الإرهاب  (Perspectives on Terrorism )” إن خدع الإرهاب الكاذبة تتمثل في الحوادث التي يُعتقد أنها أعمال إرهابية خطيرة، رغم أنها لا تولد أي خطر مباشر أو أذية. ويشمل هذا التعريف مجموعة من الأنشطة الإرهابية، بما في ذلك التبنيّ الكاذب للعمليات، والتهديدات غير الحقيقة، أو الادعاء بالقيام بعمليات سابقة وامتلاك نوع معين من الأسلحة.

في فترة ما بعد 11 سبتمبر، انتشرت أنواع من التهديدات الكاذبة. ونذكر خدعة الإرهاب البيولوجي مع رسائل “الجمرة الخبيثة”، أين نشر مسحوق أبيض في البريد مع رسائل تهديد للتخويف من هجوم بالجمرة الخبيثة. كما شهدنا مؤخرا زعم متشدد بأنه زرع قنبلة على متن رحلة محددة.

على الرغم من أن تقارير وسائل الإعلام تشير إلى أن العديد من هذه التهديدات قد أثبتت أنها مجرد إشاعات مصطنعة، نشرها أفراد غير منظمين يفتقرون إلى الدوافع أو الوسائل المناسبة للقيام بهجمات حقيقية. ونجد العديد من الجماعات الإرهابية التي تروج لهذه الأكاذيب بالإضافة إلى مجموعة واسعة من جرائم الإرهاب المدمرة.

بناء نظرية السلوك الخداعي

في نوفمبر الماضي، أغلقت الشرطة خطي قطارات في محطة القطارات الرئيسية في برشلونة بعد رصد جسم داخل حقيبة من خلال جهاز المسح الضوئي ربما كان عبوة ناسفة. وتم إرسال فريق للكشف عن المفرقعات إلى محطة برشلونة سانتس. وتم إخلاء قطارين. إلا أن شركة السكك الحديدية (أديف) قالت بعد ذلك إن خدمة القطارات استؤنفت في المحطة بعد إغلاق الخطين. وتزامنا مع ذلك، قالت شرطة القطارات الإسبانية (رينفي) إنها أخلت محطة أتوشا في مدريد دون إبداء أسباب. ثم أعلن وزير الداخلية لاحقا أن الإغلاق كان جراء إنذار كاذب.

وفي حادثة مشابهة في فرنسا في شهر سبتمبر الماضي، أجلي حوالي ألفي شخص على مدى ثلاث ساعات أو أربع كما أوفد حوالي 70 عنصرا في الدرك والشرطة إلى موقع للتخييم في جنوب البلاد إثر إنذار كاذب بوجود قنبلة بحسب ما أفاد حينها مصدر قضائي.

نيكول تيشلر: الأكاذيب أصبحت وسيلة سهلة ومنخفضة التكلفة لتوليد نتائج جذرية كارثية

وكان مدراء أحد أهم مواقع التخييم في منطقة أرجيليس سور مير الساحلية قد تلقوا اتصالا من رجل مجهول يقول فيه “ستنفجر قنبلة في غضون الساعات الثلاث المقبلة إن شاء الله”.

وجرى التعرف على الشخص الذي تسبب في الإنذار الكاذب وأوقف وأودع قيد التوقيف الاحتياطي مساء في مدينة روين غرب فرنسا. وقد نقل بعدها إلى مركز متخصص على خلفية وضعه النفسي.

وفي مايو الماضي، قالت الشركة المشغلة لمترو الأنفاق في العاصمة الأوكرانية كييف إنها أعادت تشغيل مترو الأنفاق في العاصمة الأوكرانية كييف بعد أن تبين أن الإنذار بوجود قنابل كان إنذارا كاذبا. وأضافت، على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، “تم تفتيش المحطات وفتحها أمام الركاب. لم يتم العثور على أي مواد ناسفة”.

وقالت الشرطة في بيان في وقت سابق إن خمس محطات مترو أغلقت، معظمها في وسط العاصمة، بعد إنذار بوجود قنابل.

واستضافت كييف في تلك الفترة المباراة النهائية في بطولة دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقي ليفربول الإنكليزي وريال مدريد الإسباني.

تشدد الباحثة نيكول تيشلر على أن الكذب لا يهدد مباشرة حياة الأشخاص أو ممتلكاتهم، لكنه يفرض تكاليف غير مباشرة على المجتمع. فعلى سبيل المثال، أدت تهديدات الجمرة الخبيثة إلى عمليات إخلاء، وتحقيقات من طرف الفرق المختصة في المواد الخطرة. وأدت تهديدات القنابل في الطائرات إلى تأخير عدد كبير من الرحلات في المطارات.

ويمكن أن تؤدي طرق الاستجابة لهذه التهديدات إلى تعريض سلامة الإنسان للخطر، عندما يتم تحويل موارد الاستجابة بعيدا عن التهديدات الحقيقية، أو عندما تؤدي الاستجابات نفسها إلى وضعيات خطيرة. والأخطر من هذا هو التداعيات النفسية الاجتماعية للأفراد الذين أصبحوا يعانون من مستويات مرتفعة من الخوف المرتبط بالإرهاب داخل المجتمع.

وبالتالي، فإن هذه الأكاذيب أصبحت وسيلة سهلة ومنخفضة التكلفة لتوليد نتائج جذرية كارثية. ومع ذلك، تجب الإشارة إلى الضعف التكتيكي والتشغيلي، وتقويض التهديدات المستقبلية للعنف، إذ يمكن أن تكلف الأعمال الإرهابية المزيفة سمعة مرتكبيها.

لماذا تلتجئ المجموعات الإرهابية إلى هذه الأكاذيب؟ ولماذا لا تقوم مجموعات أخرى بتبني هذا المنهج؟

تلخص الباحثة نيكول تيشلر في دراستها التي تحمل عنوان “الإرهاب المزيف: استخدام الجماعات الإرهابية للتهديدات الكاذبة كوسيلة من وسائل الهجوم” النتائج التي توصلت إليها الأبحاث المكثفة التي تدرس بيانات أحداث الإرهاب العلنية. وتركز هذه الدراسة على الإجابة على سؤال أساسي: ما هي الخصائص التي تميز الجماعات الإرهابية التي تدمج خدعا إرهابية في ملفاتها الهجومية من الجماعات الأخرى؟ مع تعريف الإرهاب المزيف، يتحول النقاش إلى تقييم للمنطق الاستراتيجي الذي يدعم هذا السلوك.

تفترض هذه الدراسة نموذجا لنشاط المجموعة الإرهابية: ستستخدم المجموعات أكاذيب لتحقيق أهدافها التنظيمية الشاملة، عندما تؤدي إلى فوائد تفوق تلك المتأتية من طرق هجوم بديلة. ويمكن تفسير استخدام هذه الأكاذيب عبر اتباع منطق استراتيجي غير حصري.

تشكيل الفرضيات

قد يستخدم الإرهابيون خدعا لعدم تحملهم تكلفة بعض الهجمات، ويمكن تطبيق ذلك لإحداث تأثير كبير في المجالات التي تسعى المجموعات الإرهابية إلى تخويفها. ويستعمل هذا النوع من الإرهاب كمكمل للنشاط المدمر، إذ يمكن دمجه كعنصر من عناصر الاستراتيجيات المختلطة للجماعات المصممة لإهدار موارد مكافحة الإرهاب، وتضليل جمع المعلومات الاستخبارية، لزيادة فرص النجاح في المستقبل. كما تستخدم هذه الطريقة كـ”ضجيج” للتغطية على أنشطة تدميرية متزامنة وتشتيت الانتباه عنها، وبالتالي فهي تقلل في حدة مكافحة الإرهاب الهادفة. كما يمكن للجهات التي لا تفضل أن تخلف دمارا كبيرا أن تلجأ إلى نشر تهديدات مزيفة.

الإرهاب الكاذب تكتيك يهدف أحيانا إلى تحليل الاستجابة للطوارئالإرهاب الكاذب تكتيك يهدف أحيانا إلى تحليل الاستجابة للطوارئ

وفي جميع الحالات، تؤدي هذه الأكاذيب إلى استراتيجية جماعية. ويجب أن يتم التطرق إلى احتمال تصنيف الهجمات الحقيقية الفاشلة مع التهديدات الكاذبة.

إن التحليلات الموجودة التي تعلق على نشاط خدعة الإرهاب متفرقة وغير مكتملة وغير متماسكة بسبب المفاهيم الضيقة التي تحدد هذه الأنشطة، والتراكيب التجريبية مثل “الإنذارات الكاذبة”، و”التهديدات”، و”الهجمات المحبطة” أو “الفاشلة”. إحدى نقاط التوافق في الرأي هي أن الإرهاب المزيف ليس إلا تكتيكا أو نوعا خاصا من الإرهاب الذي نعرفه. وقد يصنفه البعض كبديل أقل ضررا من الإرهاب “الخطير”.

كما يجب التذكير بأن الوحدات المختصة تتعامل مع تهديد القنابل على أنها تفجير إرهابي حقيقي حتى يتم الكشف عن مدى صحة هذا الموضوع: إن الإرهاب الكاذب هو تكتيك يهدف أحيانا إلى تحليل الاستجابة للطوارئ. وتعتبر الكتابات حول العوامل التي تؤثر على تنفيذ هذا القرار التكتيكي للإرهابيين مفيدة في الأقسام التي تتبع تطبيق النظريات للخروج باستنتاجات لفهم هذا الشكل من الإرهاب.

وتنقسم الفرضيات في غالب الأمر حسب الدوافع التي تحرك المجموعات. فالمجموعات المعادية للإجهاض، وتلك المدافعة على حقوق الحيوانات والحفاظ على البيئة، وتلك المدفوعة بالعرقية القومية والتي لا يظهر فيها تسلسل هرمي، من المرجح أن تستخدم الإرهاب المزيف في مرحلة ما من حملتها. وأمّا إذا كان الدافع وراء جماعة إرهابية هو الدين، وإذا ظهر فيها تسلسل هرمي وكانت منشقة جذرية أو متفرعة عن جماعة أو حركة أقل عنفا، أو ارتكبت عمليات إرهابية خطيرة من قبل، فمن غير المرجح أن تستخدم الإرهاب المزيف.

في حين أنه من الصعب استخلاص الاستنتاجات المتعلقة بنوايا المجموعات الإرهابية، إلا أن النتائج تشير إلى أن استخدام المجموعات للإرهاب الكاذب قد ينتج بشكل جوهري عن مشكلات التكلفة الفردية للأعضاء. إذن، تتبع هذه المجموعات خدعا استراتيجية، لا يتم توضيح منطقها من خلال خصائص تنظيمية، وإنما من خلال خصوصيات المجموعة وظروفها ودوافعها.

واستخدمت تيشلر في دراستها التحليل المقارن النوعي لتحديد مجموعة من الخصائص التي تميز المجموعات الإرهابية التي لا تستخدم أبدا خدعا من أولئك الذين يستخدمونها أحيانا. ويتجلى ذلك عبر نموذجين مختلفين مع قدرة قواعد البيانات عبر الوطنية القائمة التي تميز الإنذارات الكاذبة لتقديم نظرة ثاقبة للسلوك الجماعي. تقدم مجموعات البيانات هذه صورة دقيقة إلى حد ما عند تحويلها إلى مستوى أكثر شمولا، رغم افتقارها إلى الوضوح والتغطية على مستوى الحدث.

الاستنتاجات والأبحاث المستقبلية

لسوء الحظ، فإن التحليلات المقطعية لسلوك الإرهاب الكاذب لم تقتصر على طرق مكافحة الإرهاب. على الرغم من أن العوامل السياقية التحفيزية والتنظيمية يمكن أن تميز بين المجموعتين المختلفتين، إلا أنه لا يمكن تحديد الأحداث الحقيقية أو المزيفة تحديدا قاطعا.

وفي المقابل، فإن التحليل المقارن النوعي يشمل تغطية كبيرة. يجب أن تؤخذ أنشطة المجموعات التي تمتلك هذه الخصائص على محمل الجد. إن التحليل التحليلي المقارن قد يحدد بشكل خاطئ مجموعة الإشاعات بنسبة تصل إلى 9 بالمئة. وضعت هذه الدراسة إطارا لخصائص قائمة على أحداث سابقة حتى تميز بين صحة التهديدات وعدم صحتها في سياق المنطق الاستراتيجي الأساسي للجناة. في حين أن العوامل التفسيرية المستخدمة يمكن أن تدعم بشكل غير مباشر وجود تسلسل منطقي، فإنها لا تدعي أنها تمثل أمثلة مباشرة لها. يمكن استخدام التحليلات المبنية على الأحداث لدفع الأبحاث في هذا المجال إلى الأمام والتحقيق في مسألة المنطق الاستراتيجي بشكل أكبر.

ومع كل هذه الدراسات، تظل الأبحاث المستندة إلى الأحداث السابقة عرضة للعيوب ولقيود البيانات المنشورة ودقتها. وتكشف المقارنة بين مجموعات الأعداد التي تم بناء الأبحاث عليها في هذه الدراسة أن قاعدة البيانات العالمية التي تستخدم بشكل متكرر في مجال الإرهاب، والإرهاب الدولي، تقلل إلى حد كبير من احتمال حدوث عمليات إرهابية. ومع حدوث المزيد من التهديدات، تلتقط قاعدة بيانات الحوادث الكندية تبليغات عن عمليات إرهابية أكثر من عشر مرات من مجموعات البيانات عبر الوطنية، وتتلقى تهديدات كاذبة أكثر من 2.5 مرة منها، وقد تصل هذه النسبة إلى 12.5 في حالات قصوى. ومع ذلك، فإن قواعد البيانات عبر الوطنية مازالت غير مناسبة لتحديد مدى جدية التهديدات. إذ يجب تركيز جهود على حملات المجموعات الفردية، لتقديم ملفات تعريف لهذه التهديدات.

%d مدونون معجبون بهذه: