الحكومة المصرية تصنع معارضة منضبطة تحسبا لفوز بايدن

القاهرة – استيقظ الشاب المصري حسن سليم، صباح الأحد، على رنين هاتف صديقه محمود شلبي، الذي أخبره بأن وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل يتعرض إلى حملة انتقادات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، يقودها إعلاميون وصحافيون يقدمون برامج في فضائيات ويكتبون في صحف تدور في فلك توجهات الدولة.

وألقى الشاب نظرة على المواقع الإلكترونية فتصور أن عهدا سياسيا جديدا بدأ في مصر، خاصة عندما وجد أن وزير الإعلام نفسه يهاجم من ينتقدون تصوراته ويكيل لهم الاتهامات، كما تَبين له أنهم يعزفون سيمفونية سياسية واحدة بتوجيهات معينة، وقدم الوزير رصدا زمنيا متقاربا لمن تعرضوا له، في إشارة إلى أن المعزوفة جاءت بتعليمات.

تصريحات أسامة هيكل تشير إلى وجود "مؤامرة سياسية" تحمّله مسؤولية أخطاء غيره

تم تعيين وزير الإعلام منذ أقل من عام بتكليف مباشر من الرئيس عبدالفتاح السيسي، ويعمل أغلب من تصدروا مشهد الانتقادات في وسائل إعلام تابعة للدولة التي يرأسها السيسي، ويقفون معه في الخندق نفسه.

ويعتقد مراقبون سياسيون أن الانتقادات لا تقتصر على وزير الإعلام، فقد تعرض وزير النقل والمواصلات كامل الوزير، وهو جنرال سابق، إلى انتقادات لا تقل سخونة، ما يعني أن هناك رغبة في إيجاد معارضة منضبطة على مقاس الحكومة، تتولى القيام بتجربة التنفيس السياسي.

وتتحسب الحكومة من وصول المرشح الديمقراطي إلى البيت الأبيض جو بايدن، والإخفاق في إعادة انتخاب صديق النظام المصري المرشح الجمهوري دونالد ترامب، وبذلك تكون الحكومة وضعت نواة لمعارضة محسوبة، لتتجنب مواجهة غير محسوبة.

وتخشى أيضا حدوثَ انفجار في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية، وتريد قطع الطريق على نشاط محموم لمعارضين في الخارج، بدأ يلفت انتباه الرأي العام داخل مصر وخارجها، ويمكن أن يزدادوا ضراوة حال نجاح بايدن.

ولم يصدق الشاب أن هناك معركة سياسية حقيقية بين وزير أو أكثر، وصحافيين؛ لأن المشهد السياسي لم يعتد هذا النوع من المناوشات منذ سنوات، حيث يسير التدفق من أعلى إلى أسفل دون تغذية مرتدة مباشرة.

وأوحت كلمات كتبها وزير الإعلام على صفحته في فيسبوك بما مفاده أن هناك ما يشبه “المؤامرة السياسية” التي تحاك ضده لتحميله مسؤولية أخطاء الإعلام في الفترة الماضية، وتبرئة الجهات التي تحكمت في مفاصله، وأخفقت في ترك بصمة واضحة على الأداء العام.

وقال أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة صفوت العالم إن أزمة الحكومة تكمن في أنها تريد من الإعلام أن يسير وفق توجهاتها، وتتحكم في كل شيء، النقد أو المدح أو نبرة الصوت المعارض.

ولفت العالم في تصريح، لـ”العرب”، إلى أن هيكل يبحث عن صلاحيات ليكون وحده من يدير المشهد، لكن الدوائر التي تهيمن على الملف رفضت ذلك، وهو ما يغلق كل منافذ التنفيس السياسي التي يفترض أن تكون الصحف والقنوات الفضائية مصدرها الأول.

صفوت العالم: أزمة الحكومة تكمن في أنها تريد مِن الإعلام أن يسير وفق توجهاتها

ويعبر مراقبون عن حيرتهم في فهم مغزى التراشقات التي أخذت اتجاها تصاعديا، لأن طرفيها ينتميان إلى خندق واحد، واهتدى بعضهم إلى أن هذه حيلة تتبع خطوات سابقة انتهجها نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتفريغ كبت مَن يعانون مِن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من المواطنين، في شكل ثرثرة إعلامية وسياسية.

ودلل هؤلاء على استنتاجهم بأن هيكل محرر عسكري تربى في حضن الجيش ويعرف حدوده، مشيرين إلى عودة وجوه إعلامية بعد إقصائها لتقديم برامج جديدة، ومنحها هامشا سياسيا للكلام بحرية نسبية، وعدم الممانعة في توجيه انتقادات للحكومة وأعضائها على قاعدة أن “الرئيس مخلص والحاشية مذنبة”.

وأثارت الطريقة غير المعتادة في الهجوم على وزراء محدّدين، هواجس لدى البعض، وأوصلت شكوكهم إلى عدم استبعاد وجود خلاف بين فريقين في دولاب الدولة حول إدارة المشهد العام، أحدهما يريد الانفتاح وإدخال إصلاحات سياسية، والآخر يصمم على كبت أي صوت في الداخل تُشتم منه رائحة معارضة غير منضبطة.

ويبدو هذا التفسير منطقيا، لأن تصريحات أسامة هيكل تسير في اتجاه الفريق الأول، فغالبية الأصوات التي تعرضت له لم تظهر لها كرامات في الدفاع عن الحريات ولم تطالب بإصلاحات سياسية، بل لم تقف حتى في صفّ المنادين بالحرية التامة للإعلام.

وتسير المعركة في طريق لا يخلو من المضامين السياسية البعيدة، نقطة الاتفاق بين الفريقين الدفاع عن النظام المصري الذي يبدو مرتاحا لمعركة توحي بأنه منفتح، لكن نقطة الاختلاف تكمن في أن أحدهما يميل إلى ضرورة التنفيس السياسي وتوسيع أطره، بينما يصر الثاني على إغلاق المجال العام.

وللتخلّص من كبتها وجدت شريحة كبيرة من المواطنين ضالتها في عدة منصات إلكترونية، ولم تعد معنية بدرجة الهامش المتاح للتنفيس في وسائل الإعلام التقليدية، حكومية أو خاصة، فقد ارتاحت لخيارها الذي أجبر المسؤولين في مصر على الاستجابة للكثير من الصرخات الناقدة والناقمة على بعض الأوضاع.

وتفتقر الحكومة إلى رفاهية المفاضلة، ولن تجد خيارا سوى القبول بهامش من الحرية، ومن ثمة يكسب وزير الإعلام معركته، ويتم التخلص ممن وجهوا إليه اتهامات باطلة، وتصبح الحملة عليه مبررا لذلك وتتحول إلى اعتراف بأن التنفيس أسلوب حياة في مصر.

%d مدونون معجبون بهذه: