الخليج العربي.. قوة صاعدة في محيط إقليمي متقلّب

شهدت المنطقة العربية في العقد الأخير عدة تغييرات تبلورت بشكل أوضح خلال الفترة الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي كان اهتمامه منصبّا على توقيع اتفاق مع إيران مهما كانت النتائج. ورغم السلبيات التي جاءت بها هذه السياسة التي بدأت أساسا بعد الغزو الأميركي للعراق ومنح هذا البلد لإيران، إلا أنه يحسب لها أنها كانت من بين الأسباب التي دفعت نحو بلورة رؤية خليجية دفاعية جديدة تقدمت فيها السعودية والإمارات كقوى مؤثرة وفاعلة أعادت رسم ملامح المشهد الأمني والسياسة الخارجية للخليج وللمنطقة بشكل عام، في واحدة من المراحل الحساسة في تاريخها.

أبوظبي – اندلع سجال لافت بين الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى وأستاذ العلوم السياسية والباحث الإماراتي في شؤون الخليج عبدالخالق عبدالله، خلال إحدى جلسات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي، سلّط في بعده الأشمل الضوء على طبيعة راهن الخليج العربي ودور دوله وعلاقتها بكل ما يجري في المنطقة والعالم وقدراتها في مجال القوة الصلبة والناعمة وقوة الذكاء الاصطناعي واحتمالات الأمن والاستقرار والرخاء في المنطقة.

تمحورت فكرة السجال، الذي شمل أيضا تدخلات باحثين في شؤون الخليج من السعودية والإمارات والبحرين والكويت، حول ما قدّمه عبدالله من رأي يدافع عن الخليج وعن الإمارات، بصفتهما القوة المدافعة عن كل العرب.

عبدالخالق عبدالله: الخليج اليوم مركز الثقل العربي الجديد

استهجن طرح الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ما قدّمه عبدالله الذي ردّ على عمرو موسى بأن الخليج في الصف الأول في مواجهة الإرهاب، وهو في الصف الأول في مواجهة إيران، وهو في الصف الأول لتأمين استقرار المنطقة ودعمها، لاسيّما مصر. وعلى هذا تبدو مهمات الخليج واسعة وشاملة وظاهرة واضحة. وعلى هذا أيضا تعيش منطقة الخليج لحظتها، وفق تعبير الباحث الإماراتي الذي سبق له أن أصدر كتابا لافتا بعنوان “لحظة الخليج”.

ويرى عبدالخالق عبدالله أن “منطقة الخليج اليوم تعيش لحظتها بلا منازع، وأن الخليج اليوم هو مركز الثقل العربي الجديد بكافة أنواع القوة. وأصبح مصدرا للنفوذ بعد أن كان على هامش النفوذ، لكن طموح الخليج ومسؤولياته أكبر من قدراته”.

على أن السجال لم يقتصر على ما أثاره موسى، القادم من مصر، وعبدالله، القادم من الإمارات، بل انسحب على سجال آخر اندلع بين عبدالله وابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، وهو المركز الذي يرعى وينظم ويشرف على ملتقى أبوظبي الدولي.

لا تعتبر الكتبي أن الخليج قادر على عيش لحظة توفّر له الأمن بذاته ومن ذاته، وترى بالمقابل أنه على أمن منطقة مجلس التعاون الخليجي أن يكون جزءا من أمن المنطقة برمتها. ولا تنهل الباحثة الإماراتية من الخطاب القديم عن “الأمة العربية” ووحدتها، بل تستند على نهج عقلاني براغماتي ينمو داخل المنطقة.

ابتسام الكتبي: لا بدّ من الخروج من المعادلة الصفرية بين دول الخليج وإيران
ابتسام الكتبي: لا بدّ من الخروج من المعادلة الصفرية بين دول الخليج وإيران

وبينما تمثّل الاحتياطيات النفطية والموقع الجيوستراتيجي أساس القوّة في منطقة الخليج، تخلق التهديدات السيبرانية وتحديات مرحلة ما بعد النفط قيودا على تلك القوة. وترى الكتبي أنه “لا بدّ من الخروج من المعادلة الصفرية بين دول الخليج وإيران”. وتذكّر بأنه “لا يمكن لأي طرف أن ينفي وجود الطرف الآخر من التاريخ والجغرافيا”.

وتمثل الكتبي في ما تقدّمه من حجج رؤية جديدة ترى أن أمن المنطقة يتطلّب القبول بحقيقة أنه لا يمكن إزاحة إيران من المنطقة، أيّا كان شكل نظامها، وأن ضريبة التاريخ والجغرافيا تفرض على كافة الفرقاء، بما في ذلك دول الخليج، السعي لإيجاد سبل التعايش والتعاون مع كل دول المنطقة.

قواعد جديدة

يعترف النقاش بأن مجلس التعاون الخليجي يعيش وفق قواعد جديدة اختلفت عمّا عاشه في العقود الأخيرة. وعلى الرغم من تمسك الجميع بضرورة المجلس ونجاعة بقائه، وتأكيد البعض أن المجلس بخير ولم يتأثر بالوقائع الأخيرة، إلا أن المتناقشين يقرّون بثقل الأزمة القطرية ويتحدثون عن انكفاء سلطنة عُمان وعن خصوصية كويتية لطالما سعت إلى مسك عصا الخليج من الوسط، فيما عبدالخالق عبدالله يتحدث عن خليج بجناحين، سعودي وإماراتي.

وحاول المتجادلون القفز على مناقشة الأزمة مع قطر معترفين بذلك بأنها أصبحت ثابتا وأمرا واقعا في المشهد الخليجي الراهن، وأن دول مجلس التعاون الخليجي الست تموضعت وفق معطى الخلاف الراهن مع الدوحة. وفي النقاش إقرار بأن العواصم الدولية الكبرى المعنية بشؤون الخليج لم تفعل شيئا ولا تريد أن تفعل ما بإمكانه رأب الصدع داخل مجلس التعاون وبين أعضائه.

وترصد الكتبي في هذا الصدد أن “ليس هناك إرادة دولية لتضييق الخلافات بين دول منطقة الخليج، بل هناك استثمارات من الدول الكبرى في الأزمات داخل هذه المنطقة”. وفي هذا ما يفصح عن قناعة خليجية عامة أن مشكلة قطر خليجية لا يمكن حلها إلّا بالأدوات الخليجية.

جميل الذيابي: المواطن الخليجي محصّن بولائه للدولة الوطنية
جميل الذيابي: المواطن الخليجي محصّن بولائه للدولة الوطنية

واللافت أن النقاش بين المتحدثين يتقاطع في اعتبار إيران خطرا على أمن المنطقة، ويدور حول كيفية فهم هذا البلد وكيفية مقاربة العلاقة معه. واللافت أيضا أن النقاش دار قبل أكثر من أسبوع على اندلاع “انتفاضة البنزين” الحالية، وكان في مضامين ما قالوه الكثير من الاستشراف.

وقدمت الكتبي مطالعة حول تكامل القوة الصلبة والقوة الناعمة في الخليج، معتبرة أن “امتلاك القوة الخشنة وحدها ينتج الحروب”، وأن “امتلاك القوة الناعمة وحدها لا يمكن أن يشكل حماية في ظل منطقة تزخر بالأزمات”. وتلفت الكتبي إلى أن “قوة إيران الناعمة هشة، وأنها رغم امتلاكها قوة سيبرانية متميزة فإنها تفتقر لنموذج تنموي جذاب”.

ولا يكاد جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة عكاظ، يبتعد عن الرؤى الاستراتيجية للمنطقة، سواء في إدراك واقع المنطقة كما في إدراك الحقيقة الإيرانية، سواء من خلال استراتيجية المواجهة والصدام أو من خلال احتمالات التعاون والحوار.

ويلفت الذيابي إلى أن “المواطن الخليجي محصّن بولائه للدولة الوطنية، وما يزال مقتنعا بأن إيران تشكل خطرا على الخليج”. ويرى الذيابي أن الحوار ليس خيارا طارئا مذكّرا بأن “دول الخليج حاولت الحوار مع إيران لكن طهران هي من كانت تعرقل الحوار دائما”.

سعد العجمي: لا يجب التعويل على الولايات المتحدة قي ظل إدارة دونالد ترامب
سعد العجمي: لا يجب التعويل على الولايات المتحدة قي ظل إدارة دونالد ترامب

ويلفت سعد العجمي، وهو أستاذ وباحث بجامعة الكويت وكان وزيرا للإعلام، إلى أن “هناك ثلاث دول مؤثرة في الخليج أو يتأثر بها: إيران التي تشكل خطرا مباشرا. تركيا حيث تمثل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تحدّيا يواجه منطقة الخليج، إضافة إلى إسرائيل حيث ما يزال الصراع معها مستعرا”.

ولا يضع العجمي هذه الأخطار في سلة واحدة، ويدعو إلى التعامل معها وفق شبكة عريضة من الاستراتيجيات. ويلفت إلى ضرورة البحث عن استراتيجية أمن جديدة تتجاوز ثوابت الاستناد على القوة الدولية الضامنة. ويرى العجمي أنه “لا يجب التعويل على الولايات المتحدة في ظل إدارة دونالد ترامب”.

ويرى الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، وهو رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، أن “هناك ثلاثة سيناريوهات أمام دول الخليج. السيناريو الأول أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي متماسكة وتسهم في دور قيادي في المنطقة، بحيث تصبح مجتمعة سادس أكبر قوة اقتصادية في العالم بحلول عام 2030. والسيناريو الثاني يتمثل في استمرار الأزمات في الإقليم، وبقاء التوتر الأمني مع إيران في الخليج. أما السيناريو الثالث فيتمثل في بقاء الأمور على ما هي عليه أي استمرار التوتر وبقاء الاضطرابات دون مزيد من التصعيد النوعي والدراماتيكي”.

%d مدونون معجبون بهذه: