الصخب السياسي يعرقل السلطة السودانية

اعتاد النظام السوداني السابق أن يقتات على الصخب السياسي. تغذى على خلافات المعارضة، واستفاد من كثرة المشكلات في البلاد، ووظف كليهما لصالح تمترسه في السلطة لثلاثة عقود. وتظهر نقطة التهديد الرئيسية عندما تصبح الأوضاع أقل صخبا، وتزداد التفاهمات بين قوى المعارضة، ولم يكن معنيا كثيرا بإطفاء الحرائق المشتعلة.

انعكست المعادلة الآن، بعد سقوط نظام عمر البشير، وتشكيل السلطة الانتقالية، حيث ارتفعت الرغبة في التهدئة، وتضاعفت التحركات الساعية للاستقرار، غير أنها لم تستطع ملاحقة الأزمات المتتابعة، والتي بدأت تؤثر على مصير المرحلة الانتقالية برمتها، فالكثير من القضايا المطروحة مفتوحة، وبات مصيرها مجهولا.

من الطبيعي أن تتسم المراحل الانتقالية في الدول بالسيولة السياسية. ومفهوم أن تتصاعد حدة المشكلات. لكن الاستغراق لوقت طويل في حلها يصبح بلا طائل غالبا، وينعكس سلبا على فكرة العبور منها بسلام، ويضع الطبقة الحاكمة في مواقف حرجة، تقودها إلى تناقضات وارتباكات تعيق طي الصفحة الراهنة.

تؤدي هذه الحالة إلى توسيع نطاق الخلافات السياسية، وإطالة أمد المرحلة الانتقالية إلى أجل غير مسمى، لأن السلطة التي تتولى زمام الأمور تعتقد أنها كلما اقتربت من حل أزمة وجدت ممانعة قوية من جهات فاعلة تشاركها الحكم، وصدّا من جهات خارجها ترى في العراقيل مدخلا لحضورها.

احتاجت السلطة الانتقالية في الخرطوم إلى نحو عام لتوقيع اتفاق سلام مع الجبهة الثورية، كممثلة لحركات مسلحة وتنظيمات سياسية في أقاليم السودان المهمشة، وتحاول مواصلة الطريق مع قوى أخرى لم تنخرط تماما في المفاوضات بعد، وتضع شروطا قاسية، تؤخر تنفيذ استحقاقات عاجلة.

لا يزال الأفق غامضا في إمكانية التفاهم سريعا مع فصائل لم تر جدوى في المفاوضات الأولى، وقاتما بالنسبة لإنزال تفاصيل اتفاق السلام على الأرض، الموقع في الثالث من أكتوبر في جوبا، وتجاوز ما ينطوي عليه من ألغام سياسية واقتصادية وعسكرية، بما يقلل من فرص النجاح.

حاول المكونان العسكري والسياسي المشاركان في السلطة الانتقالية، أي مجلسا السيادة والوزراء، احتواء المشكلات التي تفجرت، غير أن التباين بينهما لم يعد خافيا على أحد، وهو قابل للانفجار في كل لحظة مع اشتداد حدة الأزمات، وصعوبة إيجاد حلول مناسبة لها، وضجر المواطنين من الإخفاقات المتتالية.

غطت بعض الأزمات على الهوة الشاسعة بين المجلسين، غير أنهما لن يكونا قادرين على تطويقها لاحقا، لأن هناك قضايا من الضروري اتخاذ مواقف حاسمة بشأنها لا تحتمل التأجيل، وتحكمها حسابات متباعدة، والفصل فيها يعد مطلبا أساسيا، لتأثيرها على ملفات أخرى، وقرارات دول تنتظر لترى كيف تتصرف الخرطوم مع ما يواجهها من مشكلات.

يطفو على السطح حاليا ملف المحكمة الجنائية الدولية بكل ملابساته القانونية والسياسية، مع بدء مدعيتها العامة فاتو بنسودا زيارة للخرطوم السبت، والبحث عن طريقة للتعامل معه. فالحكومة ترى حسم موقف البشير ورفاقه مع المحكمة مسألة حيوية، وتؤكد الرغبة في تحقيق العدالة الناجزة في البلاد.

يتحفظ الشق العسكري في مجلس السيادة على هذا الطرح، ويريد البحث عن حل داخلي يبعد قيادات في الجيش عن المساءلة الجنائية دوليا، فيمكن للبشير أن يختار “الخيار شمشون”، بمعنى أن يفضح جنرالات الجيش الذين تعاونوا معه سابقا، ويقول علي وعلى أعدائي، وفي هذه الحالة قد يورط بعض المسؤولين في السلطة، وبدلا من إطفاء الصخب يزداد سخونة.

تتهرب السلطة الانتقالية من حسم ملف التطبيع مع إسرائيل، وتنقسم الآراء بين مؤيد ومعارض، وتبدو المؤسسة العسكرية مؤيدة للفكرة كطريق لحل أزمات مستعصية، بينما تتحجج الحكومة بالشارع وتتدثر برداء القوى السياسية الرافضة للطرح وتوابعه، وتريد أن لا تقدم على الخطوة بنفسها.

تمتد الأزمات في الداخل والخارج وتتشعب في مجالات عديدة، ليجد المواطنون أن السلطة غير قادرة على التعامل بصرامة مع القضايا المعلقة، فلا هي باستطاعتها الرضوخ للابتزاز، ولا تمتلك القوة التي تمكنها من مواجهة أصحابه بالصورة التي تعكس نجاعتها السياسية، ويستمر الدوران في حلقات ضيقة من الصخب.

تشير هذه الحالة في بلد مثل السودان مليء بالتعقيدات إلى التأقلم معها لفترة من الزمن، لأن الحلول المتاحة، بالإيجاب أو السلب، تحمل معها ارتدادات على مكونات السلطة وتقديراتها، وربما لا تستطيع القوى المشاركة فيها تحمل النتائج، ما يردعها ويخفض من مستوى الجرأة والصرامة.

الخوف أن يرتضي الشركاء بالتعايش مع اللاحل، ويعيدون تكرار تجربة البشير، بشكل عكسي، حيث كان يختلق الأزمات إن لم يجدها متوافرة، ويعمل على استمرارها ورفض تسويتها وقت أن كانت هناك رفاهية في الاختيارات بين البدائل، وأدوات تمكن من القضاء على الصخب وأنواعه.

يمثل تخطي المشكلات الراهنة بأي وسيلة اختبارا حقيقيا للسلطة، لأن ترحيل القضايا لمرحلة لاحقة على أمل تشكيل سلطة مستقرة ناجمة عن انتخابات حرة ونزيهة مغالطة كبيرة، فإذا كانت كل الألوان المشاركة في السلطة، وهي متعددة وتضم طيفا مؤثرا، تتهرب من المواجهة وتراوغ أحيانا، فمن المتوقع أن يستمر الوضع على ترهله.

الأهم أن المراوحة والتذبذب والارتباك، والمناورات الخفية، عوامل خطيرة لن تمكن السلطة الانتقالية من الوفاء بالتعهدات لتشكيل حكم مدني دائم، خاصة أن ثمة جهات من داخل السلطة تمانع في هذا الاتجاه، حبا في البقاء والتقلب على جمرها.

يتذرع هؤلاء بأن الأجواء التي يمر بها السودان سوف تؤدي إلى حكم مدني مشوه، فالأخذ بالديمقراطية في الدول التي تعاني أزمات كبيرة سلاح ذو حدين، إما يقود إلى الاستقرار أو الفوضى، ويبدو السودان أقرب إلى الأخيرة مع كثافة الأحزاب، وضجيج النخب السياسية.

تكمن أزمة السودان في أن جزءا كبيرا من أزماته الحقيقية والمفتعلة بعيد عن السلطة، ولا تملك من أمره شيئا، وأي صخب أو هدوء سياسي يلعب دورا في مسار القرارات، فالرؤية ملتبسة مع تزاحم القضايا، وعدم القدرة على التعامل معها بحرية، لذلك يؤدي وجود الكوابح إلى تكبيل المواقف، فتتعرقل التطورات الإيجابية.

إذا ابتعدت السلطة في الخرطوم عن دوائر الصخب السياسي قد تتمكن من اتخاذ قرارات فاعلة في القضايا المعلقة، لأن ترحيل الملفات الشائكة وتجميدها يمكن أن ينفجر في وجهها، ويجبرها على تبني مواقف أشد خطورة.

%d مدونون معجبون بهذه: