“العولمة الصينية” العاصفة التي توشك على ضرب العالم

العولمة اصطلاح يحكمه اتفاق خفي بين علماء اللغة والدلالة من جانب، والسياسيين والاقتصاديين والمثقفين من جانب آخر، كدلالة على تحوُّل العالم إلى فضاء واحد اقتصادياً ومعرفياً.

وقبل أن يقفز “مشروع مارشال” حدود أميركا قاصداً إعادة إعمار أوروبا، ألمانيا تحديداً، ليضع الأسس للوحدة الاقتصادية الأوروبية كبديل للصراعات؛ وقبل قمم العشرين والسبع أو الثماني الكبار بمصالحها العابرة للبلدان والقارات، كانت التمددات وعبور البلدان منذ آلاف السنين؛ وما سُمِّيَ بـ”طريق الحرير” مثالها الحي.

عودة طريق الحرير

كان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار الكثير من الحضارات القديمة مثل المصرية والهندية والرومانية؛ حتى أنها أرست القواعد الضرورية للعصر الحديث. ومع تغير الخارطة السياسية والاقتصادية في أوروبا وآسيا بعد القرن التاسع الميلادي، وخاصة تقدم تكنولوجيا الملاحة، برز دور النقل البحري في التبادل التجاري.

اضمحل دور طريق الحرير البري التقليدي. وفي القرن العاشر قلّما اعتبر طريق الحرير هذا طريقا تجاريا. ولكن خلال السنوات الأخيرة بدأت اليونسكو بتنفيذ برنامج بحوث جديدة لطريق الحرير وأطلقت على طريق الحرير “طريق الحوار” لدفع الحوار والتبادل بين الشرق والغرب.

في الأزمنة الغابرة، وفي حاضرها أيضا، كان هناك شريانان ينطلقان من الصين؛ واحد يمضي إلى بحار الجنوب ومنها إلى شرق أفريقيا عبر المحيط الهندي، وآخر بريٌ يبدأ من وسط الصين غربا مروراً بدول آسيا؛ ليلتقيا في أوروبا.

اهتزاز الثقة الغربية بالعولمة والتجارة الدولية لم يُفقد الصينيين ثقتهم بهما لأسباب تاريخية وثقافية ونفسية وجدت أن الانفتاح ولّد انتعاشاً وعزز ثقة الصيني بثقافته وقدرته على المنافسة

والهدف التصرف بفائض الإنتاج الصيني، وتشغيل الفائض في الطاقة البشرية، والاستجابة لظروف مرحلة الانتقال من اقتصاد التصدير إلى اقتصاد الاستهلاك.

لكنّ الصينيين، في الوقت ذاته، لا يريدون خلق دول عميلة من خلال علاقاتهم المتشعبة بالعالم، كما أنهم لا يسعون إلى ملء الفراغ، ولا إلى الانغماس بمشاكل العالم، وتحديداً، الشرق الأوسط. وقد كان الانفتاح العالمي يعيش بين مد وجزر؛ فعندما يقول الكبار “بلدي أولاً” أو “أميركا أولاً” كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ يهتز الانفتاح والتواصل والثقة الدولية بالتشكيك بفكرة وجود من يمكن أن يقود العالم نحو شيء من الأمن الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، لتكون العولمة حالة أمان لا هيمنة وسيطرة.

وعلى سبيل اختلاف الأزمان والأحكام، إذا كانت ميزانية “مشروع مارشال” 13 مليار دولار عام 1948، فإن أي مشروع لإعادة إعمار سوريا على سبيل المثال يحتاج إلى ذلك المبلغ مضاعفاً ثلاثين مرة؛ فما بالك بالدمار في آسيا وأفريقيا؟ فلا أميركا ولا أوروبا تقدر بمفردها على رفع هكذا أحمال؛ لذلك لا بد من تضافر الجهود الدولية، من بينها مشاركة الصين، للقيام بهذا التحدي.

كورونا المفصل

العولمة حالة أمان لا هيمنة وسيطرة

العولمة حالة أمان لا هيمنة وسيطرة

شكّل فايروس كورونا حدثاً مفصلياً في التاريخ البشري، وعطّل الحياة على كوكبنا من خلال إضراره بالاقتصادات العالمية، وكان الامتحان الحقيقي لكفاءة حكومات وفشل أخرى، حيث رأى فيه بعض العلماء الكاشف لعالم أقل انفتاحا وأقل حرية؛ وآخرون وجدوه حدثاً يسهم بتقوية الدولة وتعزيز الوطنية ودافعاً لحكومات كي تتبنى إجراءات طارئة لإدارة الأزمة قد لا تتخلى عنها عند انتهاء الأزمة.

تعثّرت الصين في إدارة الأزمة بداية؛ لكنها تماسكت لاحقاً وأدت أداءً جيداً. بالمقابل كانت استجابة أوروبا وأميركا بطيئة ومتخبطة أحيانا. بالمجمل، أفصحت الأزمة عن عالم أقل انفتاحاً وحرية وأكثر توتراً وأنانية؛ والأهم تواضعاً في الكفاءة.

وكان كل ذلك فضيحة كبرى للعولمة بمفهومها الإيجابي البناء. ذلك يعود إلى أجواء من القلق والشكوك سبقت وسادت قبل ظهور الوباء تمثلت بالنظرة تجاه التنين الصيني الصاعد والمتطور والمتعملق اقتصادياً وعسكرياً ومحاولات حصاره وحرمانه من التقانات العالية. لقد كانت الخشية الأعظم في الإحساس بانتقال العولمة من التمركز حول أميركا إلى التمحور حول العملاق الصيني الجديد.

وبعدما عملت العولمة على إلغاء مفهوم دولة الرعاية والرفاه، ومنعت الدول من دعم منتجاتها لخدمة مواطنيها في بدايات انطلاق العولمة في تسعينات القرن الماضي، وأجبرت العديد من دول العالم على ترك مواطنيها مهمشين، يعيشون في بيئة الجشع التي نشرها النظام العالمي الجديد، تعود اليوم نفس تلك الجهات الظالمة لتجبر الدول نفسها على تبني مفهوم “دولة الرعاية”، وتطلب من الدول جميعها والتي أرهقها الفساد إيقاف عجلة الأعمال ورعاية مواطنيها، وصرف الرواتب لهم، ومنحهم فرصة تأجيل سداد قروضهم، ومنحهم المساعدات الشهرية رغم عدم ذهابهم إلى العمل، أو إنجاز أي خدمات، مما وضع معظم دول العالم على شفير الانهيار، منذراً بسقوط كامل للبنية السياسية الدولية، مع انهيار اقتصادي عالمي، وإفلاس لكل المشروعات.

الثقة الصينية بالانفتاح

مع اهتزاز الثقة الغربية بالعولمة والتجارة الدولية، والانتقال إلى حالة من الحمائية؛ نجد أن الصينيين لم يفقدوا ثقتهم بهما لأسباب تاريخية وثقافية ونفسية وجدت أن الانفتاح ولّد انتعاشاً وعزز ثقة الصيني بثقافته وقدرته على المنافسة.

تلك الميزات والملامح تمتعت بها أميركا بامتياز؛ ولكن بعد كورونا أضحت مثار شك لأنانيتها ومصلحيتها الضيقة والتي عكست اهتزازاً في قيادة الدفة العالمية.

إذا كان المنتصر هو الذي يكتب التاريخ البشري، فهل أن من سينتصر على كورونا هو ذاته من سيقوم بتلك المهمة، ويكون من جديد محور الاستقطاب العالمي؟ هل الانتصار على الفايروس اللعين سيُعتَبر انتصاراً للديمقراطية والانفتاح والتعددية والرعاية الصحية الشاملة؛ أم أن البعض سيرى في ذلك الانتصار انتصارا للاستبداد والقبضة الحديدية والحكم الصارم؟ تقوم العولمة، في أبسط معانيها، على نشر عدد من المبادئ الأساسية في ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة وتسعى إلى إيجاد نمط واحد مشترك بين الشعوب والدول. وبهذا المعنى تواجه العولمة جملة من التحديات؛ فالأوروبيون يصعب عليهم التفريط بتراث وحضارة ونهضة بنوها بدمهم ودموعهم لفائدة حضارة أميركية حديثة تأتي على كل ما أسسوه.

الأمر الأكثر فداحة نلحظه في أفريقيا وأميركا اللاتينية وإلى حد ما آسيا، فهذه الدول لها طموحاتها القومية والوطنية ولها أيضاً مشاكلها وعوائقها، وخاصة ممارساتها السياسية التي ليس من السهل على الولايات المتحدة فرض إرادتها عليها.

والتحدي الأكبر يأتي من حضارة الصين الجديدة ذاتها، وهو في المرحلة الأولى تحدٍ أيديولوجي استراتيجي، وفي المرحلة الثانية تحد استراتيجي اقتصادي. في المرحلة الأولى من خلال تأييدها لحركات التحرر الأفروآسيوية، وفي الثانية المنافسة على الموارد وخاصة الطاقة والأسواق وعلى رؤوس الأموال.

الحرب الخفية

في عالم اليوم، هناك حرب خفية قوامها سعي صيني حثيث مدعوم ومدفوع بمحاولات دول صناعية كبرى لإنهاء سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي. سلاح أميركا في هذه الحرب الهجومية والحمائية هو التنصل من اتفاقات عالمية وقعتها أميركا سابقا. في الضفة الأخرى، هناك فريق يبحث عن بدائل تنقذ العولمة والتجارة العالمية الحرة.

وكثاني أكبر اقتصاد عالمي يصلح برأي البعض أن يكون بديلاً عالمياً مقبولاً، شهدنا في السنوات الماضية دفعاً بعملتها “اليوان” للتواجد عالمياً كالدولار المتربع على العرش العالمي للعملة؛ إضافة إلى دعوتها لإصلاحات اقتصادية والتخفيف من قيود الاستثمار وخفض الإفراط في الإنتاج.

وبصفتها ثاني أكبر اقتصاد في العالم أيضاً، فإن الصين كانت دائماً الأكثر صلاحية كبديل عالمي مقبول، وهو ما أدى إلى مساعٍ للدفع بعملتها اليوان كبديل تجاري قوي للعملة الأميركية المعتمدة على عرش التجارة العالمية.

الصين تعتدّ بأنها تمكنت من زيادة نسبة التجارة مع أميركا الجنوبية، وحدها، في حدود 2000 في المئة خلال العشرين سنة الماضية؛ وأنها أصبحت شبه المتصرف بالاقتصاد الأفريقي؛ وتحولت لاحقا إلى الملجأ الإيراني اقتصادياً بحكم العقوبات على طهران ونفطها

وخلال الأشهر الماضية، أبرمت بكين العشرات من الاتفاقيات مع دول كثيرة حول العالم لاعتماد اليوان عملةً للمبادلات التجارية الثنائية، كما تتزايد يوماً بعد يوم الدول التي تتجه إلى إدراج اليوان ضمن سلة عملات احتياطياتها المالية.

تشكل الصين عملاقاً ضخماً أكثر خطورة على أميركا والغرب من كل العالم، لجملة من الأسباب؛ أولها أنها كيان سياسي موحد في دولة مركزية ليس من السهل تفكيكها. ومن هنا تأتي إثارة المتاعب في أطرافها لإثارة المشاكل. وثانيها أن الصين بعقيدتها السياسية الشيوعية، وعقليتها المرنة، ونخبها السياسية، تعمل على تطوير ذاتها بمنطق براغماتي يقوم على التعايش وليس التصادم.

هذا إضافة إلى استيعاب الصين للعولمة الاقتصادية بصورة شبه تامة حيث عملت بصبر للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وقبول معظم شروطها. وطورت الصين صناعاتها الوطنية فزاد إنتاجها عالمياً في مختلف المجالات. كل ذلك جعل من الصعب التشكيك بقوة الصين وقدراتها.

الصين وخوفها

 فلسفة الصين السياسية لا تهدف إلى خلق دول عميلة من خلال علاقاتها المتشعبة، ولا تسعى لملء فراغ أو انغماس في مشاكل الآخرين

 فلسفة الصين السياسية لا تهدف إلى خلق دول عميلة من خلال علاقاتها المتشعبة، ولا تسعى لملء فراغ أو انغماس في مشاكل الآخرين

لقد حققت الصين زيادة في التجارة مع أميركا الجنوبية، بنسبة 2000 في المئة خلال العشرين سنة الماضية؛ وأضحت شبه المتصرف بالاقتصاد الأفريقي؛ وتحولت إلى الملجأ الإيراني اقتصادياً بحكم العقوبات على طهران.

وانتقلت في سنوات معدودة من اقتصاد مركزي تحكمه السلطة إلى اقتصاد السوق الحر ذي الملامح الرأسمالية لتصبح في العام 2010 صاحبة الموقع الرابع في الاستثمارات العالمية؛ ولتتجاوز إيداعاتها في البنوك العالمية الخمسين تريليون دولار. مع نمو سنوي ثابت يتجاوز 10 في المئة سنوياً. ولكن ذلك كله ارتبط بخوف صيني شديد من العولمة ثقافياً وحضارياً واجتماعياً على التاريخ والهوية الصينيين لدرجة تجد الصيني يخشى اللغة الإنجليزية ويقف ضد تفشيها. هناك رعب من سحق الخصوصية الفردية عبر جمع شبكة الإنترنت كميات هائلة من البيانات حول ما يفعله الناس عبرها وخارجها؛ ومن هنا نجد بلداناً تفرض قواعد صارمة لتنظيم ذلك. هناك أيضاً الاقتصادات الضخمة التي تبتلع السوق العالمية باحتكاراتها وبحثها المستمر عن جغرافيا ضعيفة الضوابط؛ وهذا كلّ من نتائج الإفراط في العولمة.

ومن هنا تجتاح عالمنا فكرة التشديد على الضوابط الوطنية لتنظيم هذا الاستشراء المتوحش. والمثال الصارخ حالة شركة “هواوي” الصينية رغم عدم إثبات أي خطأ عليها وخاصة التجسس. إننا نشهد تفاعل الاقتصاد والأمن الوطني والخصوصية بشكل معقد؛ وفي النهاية ستخوض أميركا معركة خاسرة في وجه الصين في هذا المضمار. فالتقانات والذكاء الصناعي مسائل أضحت بمثابة الهواء في عالم اليوم؛ ولا يمكن حجب أو تعليب أو تقنين الهواء.

أنصار العولمة يرون فيها المواطنة العالمية. مشاكل العالم تُحَلُّ عبر العولمة الديمقراطية التي تعني بأن لكل إنسان قيمة أينما وُجد، حريته عالمية وحقوقه مصانة. أما أعداؤها فيرون فيها فقداناً للهوية الوطنية الثقافية وسحقاً لتاريخها.

غير أن العولمة بالنسبة لبعض العلماء والباحثين تمثل مشروعاً أيديولوجياً حاملاً للثقافة الغربية.

تلك الرؤية السوداوية للعولمة لا ترى في الأخيرة نظرية في الاقتصاد بل تجسيدًا فعليا لمشروع ثقافي فكري أيديولوجي، يركز في مسعاه نحو سيطرة الثقافة الغربية على ثقافات العالم كله.

وهكذا تكون حياتنا مصممة وفق ضوابط تلك الثقافة ومحركاتها في الإبهار لتذوب فيها بلا هوية ولا إرادة؛ وكل من يعترض أو يرفض أو يعيق أو يتساءل عن حرية الفكر والثقافة وتلك المبادئ التي ترفعها إعلامياً تدوسه وتمشي عليه.

ووسط كلّ هذا هناك من يرصد تحرّكاً في محور العولمة من الولايات المتحدة إلى الصين لتكون هي القبعة الجديدة التي سيرتديها العالم قريباً.

%d مدونون معجبون بهذه: