المحجوبي أحرضان المغربي المخضرم الذي تخطى حبائل السياسة

باعته أمّه في السوق حتى لا يلقى مصير أشقائه السابقين الذين توفوا بطرق وصفها بالأليمة، وكانت تلك عادة لدى العرب تلافيًا للعين والحسد. وبعدها استردت الأم ولدها، وها هو، بعد عمر قارب 100 سنة، ينتقل قبل أيام إلى العالم الآخر، حاملا معه ملفا يضم بعضا من أسرار عقود طويلة في العمل السياسي والحزبي والعلاقات المتشعبة والمتشابكة.

المحجوبي أحرضان زعيم سياسي أمازيغي مغربي استطاع أن يبصم بقوة وعلى فترات في المشهد السياسي والاجتماعي والفني ليوصف بالسياسي الفنان المحب لبلاده والذائد على حاضرها ومستقبلها. ولد بالأطلس المتوسط في بلدة والماس، وحفظ القرآن كغيره من الأطفال في سن مبكرة، وبعدها التحق بمدرسة طارق بن زياد في مدينة أزرو.

 استطاع، رغم قصر قامته وملامحه الصارمة، أن ينتزع الاعتراف بأنه السياسي المراوغ الذي يجيد الدفاع جيدا عن مواقفه وأفكاره، كما أن الأسلحة والحيل لا تعوزه إذا كان في وضعية الهجوم، حتى مذكراته التي كتبها باللغة الفرنسية التي يتقنها جيدا لم يستطع تجاوز ما هو مسموح له فيها كرجل دولة، وبقيت ظلال كثيفة في لوحة سياسية وتاريخية وأمنية وثقافية واقتصادية متشابكة بألوان متداخلة في تاريخ المغرب.

أحرضان المعروف بـ”الزايغ”، ذاكرة المغرب كلّه، وأحد أبرز وجوهه السياسية. قد تختلف وجهات النظر حوله، لكن الرجل أثبت أنه أثر في صناعة المشهد السياسي وشارك في جزئياته التي تغيب بالقطع عن البعض.

 كان حاضرا في الحرب العالمية الثانية كضابط في الجيش الفرنسي، وبعد أن اختلف مع رؤسائه حول قضايا ذات بعد أخلاقي وهوياتي، اندمج في المقاومة وجيش التحرير، وبعد الاستقلال سيكون ضمن الإداريين الذين ساهموا في مغربة الإدارة المغربية كمحافظ في الرباط ليشارك في ثماني حكومات لاحقًا.

سياسي بعقيدة ملكية

سياسي مراوغ يجيد الدفاع جيدا عن مواقفه وأفكاره
سياسي مراوغ يجيد الدفاع جيدا عن مواقفه وأفكاره

شارك أحرضان كوزير دفاع في أول حكومة يشكلها الملك الراحل الحسن الثاني من العام 1961 حتى 1967، وحضر حرب الرمال بين المغرب والجزائر والتي قادها الكولونيل المغربي إدريس بن عمر، وعبّر عن فخره بتحقيق انتصار ميداني مهم آنذاك، معتبرًا أنه كان بالإمكان حينها السيطرة على تندوف، وأنه كان يمكن استغلال ذلك الانتصار لتسوية مشكلة الصّحراء بشكل نهائي. وها هو يرحل في الوقت الذي يضع فيه الجيش المغربي بأوامر ملكية حدا لعبث ميليشيات البوليساريو على معبر الكركرات ضمن الأرض المصنفة أمميا منطقة عازلة.

عاصر ثلاثة ملوك مغاربة قبل الاستقلال، في خمسينات القرن الماضي إلى حدود وفاته، فهو مؤمن بأن الملك هو الذي يحكم، حاول يوما عندما كان جنديا تقبيل يد السلطان الراحل محمد الخامس، غير أنه سحب يده وهو يقول ”الجندي يحيي ويحارب“، عبارة ظلت محفورة في ذاكرته لعقود طويلة.

وقد قدر العاهل المغربي الملك محمد السادس في تعزيته لعائلة أحرضان ما كان یتحلى به الراحل من خصال رفیعة، ومن غیرة وطنیة صادقة، تجسدت على مدى عقود في مساره النضالي والسیاسي الحافل بالعطاء. وسياسيا وشخصيا نوه الملك بما أسداه أحرضان لوطنه من جلیل الأعمال، سواء بانخراطه المبكر في مقاومة الاستعمار، والذود عن استقلال المغرب ووحدته الترابیة، أو بما أبان عنه من حنكة، وكفاءة، في مختلف المسؤولیات السامیة والحكومیة التي تقلدھا بكل تفان ونكران ذات، فضلا عما جادت به روحه الفنیة من أعمال إبداعیة متمیزة عكس من خلالھا تجربته السیاسیة وأصالة بیئته الثقافیة، كتابة وتشكیلا، وكذا معرفته الدقیقة بالتاریخ المغربي العریق.

عيّن أحرضان في عدة حكومات حتى حدود العام 1985، لكن التاريخ لم يكتب له أن يقود إحدى تلك الحكومات المنبثقة عن استحقاقات كانت حركته حاضرة بقوة في معظمها، رغم أنه كان شخصية مثيرة للاهتمام وقد أثار جدلا واسعا، إثر زياراته لإسرائيل في منتصف التسعينات من القرن الماضي، بطلب من الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت له رؤيته ومقاربته البعيدة المدى للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأكيد أن خطوات الملك الراحل كانت محسوبة بدقة ساعة التاريخ والجغرافيا ومصبوغة بالواقعية السياسية، وسبب الزيارات رسالة من رئيس الوزراء إسحاق رابين يلتمس فيها من ملك المغرب آنذاك مساعدته في إقناع اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل بدعمه في تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وكشف أحرضان أنه التقى باليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل في موسم يقيمونه يعرف باسم “للا ميمونة” وأبلغهم رسالة الملك وقد رحبوا بها.

سأراقب من بعيد

[ المهمات التي كلف بها أحرضان لطالما كانت تثير الجدل، كما حدث بعد زياراته لإسرائيل في منتصف التسعينات، بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت له رؤيته ومقاربته بعيدة المدى للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
المهمات التي كلف بها أحرضان لطالما كانت تثير الجدل، كما حدث بعد زياراته لإسرائيل في منتصف التسعينات، بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت له رؤيته ومقاربته بعيدة المدى للصراع الفلسطيني الإسرائيلي

كلمة السر التي قالها أحرضان في مؤتمر حزب “الحركة الشعبية” الذي انعقد في يونيو عام 2010، ”سأراقب من بعيد“. وقد مرت عشر سنوات بالتمام والكمال على تقاعده السياسي ليرحل تاركًا تراثا سياسيا بحاجة إلى إعادة الاستكشاف.

شكل أحرضان مع صديقه عبدالكريم الخطيب، أحد رجالات المقاومة وجيش التحرير، حزبا سياسيا في نهاية الخمسينات، ولم يطل الأمر بهما كثيرا، ومثل كل التنظيمات السياسية بالعالم العربي حيث تطغى النرجسية والفردانية، عرفت الحركة الشعبية أول انشقاق في العام 1966 إذ بدأ الخلاف بين أحرضان والخطيب على الزعامة، فاحتفظ أحرضان باسم الحزب وشكل الخطيب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”، والتي ستتحول بعد ثلاثين سنة إلى ”العدالة والتنمية“ التي تقود الحكومة منذ العام 2012.

كانت منافسة حزب ”الاستقلال“ هي الغاية والهدف من تحرك أحرضان وصديقه الخطيب في اتجاه تكوين حزبهما. ويقول أحرضان في كتاب ”مذكرات“ أو ”الماسترا“ إنهما فكرا حينها وفقًا للمثل المغربي القائل “اللي بغا يطرا يطرا”، أي ”فليقع ما يقع“. ويروي أن علال الفاسي، مؤسس حزب ”الاستقلال“، كان يحتفل رفقة بعض أصدقائه على وقع “الطرب الأندلسي” في مكان غير بعيد عن “جنان بريشة”، “حيث كان يعذب المختطفون”، فقال الخطيب للفاسي وقتها إن “الناس يموتون على مقربة منا وهنا الناس ينصتون للآلة”، فرد الفاسي على الخطيب قائلاً ”فليموتوا على وقع الآلة”. وهو ما وصفه أحرضان بقلة احترام للحياة الإنسانية.

ويرى أحرضان أن السياسي اليساري المهدي بن بركة كان سعيه منصبا فقط على الوصول إلى السلطة بأي ثمن واصفا إياه بأحد المستذئبين الذين يصطادون في جميع الظروف، وتأسف لكون اليوتوبيا تحكمت به كقائد سياسي رغم أنه كان باستطاعته جعل حزبه “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” أداة للتطور في خدمة البلاد.

أحرضان واللغة الثالثة

قد يكون الفن أحد الشواطئ الآمنة لمن جرفته عوالم السياسة ودهاليز أسرارها وأخطارها، ويعدّ أحرضان واحدا من بين هؤلاء الذين زاوجوا بين لظى السياسة وعذوبة الفن وسيولته، فهو من رموز الفن التشكيلي المغربي إلى جانب فريد بلكاهية، والراحل المليحي وغيرهما، فنان عصامي يرسم ليستعيد جوهره ويستعيد حلمه ويحافظ على ذكرياته والفن بالنسبة إليه وسيلة للتطور والاسترخاء.

كان فنانا داعب الريشة وعبّر بالألوان لرسم أحاسيس يعجز اللسان عن البوح بها، يمكث في بيته سواء بالرباط أو بمنزله الريفي في مسقط رأسه أولماس بالأطلس المتوسط، للرسم وكتابة الشعر والرواية، “أحرضان يقرأ كثيرا وكتب الشعر والنثر، لكن دائما باللغة الفرنسية”، هكذا يصفه الوزير السابق محمد المرابط الذي كان أحد المقربين منه.

وكانت مدينة نيس الفرنسية بالنسبة إليه نقطة تحول على المستوى الفني، فلأول مرة، عندما كان هناك في مهمة كضابط مغربي في الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية، يشاهد لوحة لنافورة حولها حوض كبير من الماء ورأس امرأة فاتنة، ولوحة أخرى تصوّر ممرًّا نحو الفضاء ينطلق عبره عصفور. تلكُما اللوحتان بقيتا في ذاكرته لزمن طويل، وبعد سنوات استطاع أن يحلق عالميا من خلال لوحاته الشخصية ذات الاتجاه الفطري الذي استمده من ثقافته وهويته الأمازيغية، كما توحي عناوين لوحاته، وكانت من قبيل “تافسوت”، “تافوس”، “تاغزوت”، “أكراو نفسا“، “أمناري نورجس“ وغيرها.

عبدالحق المريني الناطق الرسمي باسم القصر الملكي ومؤرخ المملكة المغربية، يقول إن أحرضان فنان مبدع بالإضافة إلى كونه شاعرا وكاتبا. ويضيف ”حقيقة هو رجل فريد من نوعه، ورغم تقدمه في السن تمتع بذاكرة قوية. وهو رجل قام بأعمال جليلة في الميدان الوطني سجلها التاريخ”.

وكان أحرضان يقول إن ”الرسم هو ذلك الشيء غير الملموس حيث الكلمات التي لا تقال، الرسم يتكلم بلغة غير مكتوبة ولا منطوقة، هكذا هو عندي. وإذا نجحت في امتلاك تلك اللغة الثالثة فذلك أمر رائع، فعندما أرسم أنسى نفسي، لأني إذا لم تكن لدي الرغبة لا أرسم“.  وكان قد سأله أحدهم يوما ”متى تقرر رسم لوحاتك؟“، فرد قائلا ”لستُ إسكافيًّا. ولا أستيقظ في الصباح وأقرر أن أرسم، أنا أرسم عندما أشعر برغبة في الرسم”.

ويبقى النقاد يرون في أسلوب أحرضان الفني نمطا فريدا من نوعه، جديرا بالتوقف عنده. الفنانة التشكيلية سلوى جانا تقول إن فن أحرضان لا يمكن أن يصنّف في إطار أي مدرسة فنية، أما الناقد عبدالله الخضير فيعتبر أن أحرضان يرسم بطريقة عميقة محاولاً قراءة اللوحة لنفسه ثم تمريرها إلى المتلقي، متأسفا على أن شخصية السياسي طغت على شخصية الإنسان والمسار السياسي طغى على مسار الفنان الذي تنتشر أعماله التشكيلية بشكل كبير، حتى تكاد لا تخلو منها مؤسسة أو هيئة رسمية في المغرب.

لا يمكن الحكم على مسيرة أحرضان بسهولة، ولا على دقة الذاكرة التي نقلت تلك الأسرار إلى مذكرات تحكي عن فترات هامة وحساسة من تاريخ المغرب، إلا أن الرجل قال إن كل ما رواه حقيقي ودون أي رتوش، بينما وصف محمد بنسعيد آيت، السياسي اليساري وأحد زعماء جيش التحرير، الأحداث التي جاءت في مذكرات أحرضان “بالخرافات والأكاذيب”، فيما قال الكاتب والسياسي، الراحل العربي المساري، إنها ”ليست كلام عقلاء”، مستنكرا استهداف الفاسي من طرف من أسماهم “بقايا الاستعمار الفرنسي وذيوله“.

ومن خلال حركته السياسية طرح أحرضان مسألة اللغة والثقافة الأمازيغية كقضية تهم كافة المغاربة، وكان يقول عن اللغة العربية ”نحترمها لأنها لغة القرآن“. وهو موقف يؤكده الوزير المرابط، الذي يضيف أن أحرضان حمل لواء الأمازيغية دومًا، على النقيض مما ذهب إليه نشطاء الحركة الأمازيغية، الذين اتهموا الرجل بركوب هذه القضية لخدمة مصالحه السياسية والشخصية.

لكن ما يبقى من أحرضان أكبر من ذلك التشكيك؛ فالعسكري والسياسي والوزير والمفكر والفنان يلخّص حالة مغربية معقدة بجدارة، سيتوقف عندها كثيرون بدءًا من الآن حتى زمن طويل قادم.

%d مدونون معجبون بهذه: