المعارض تحيي المهن اليدوية المهددة بالاندثار في دمشق

لا يقف الإبداع الإنساني عند حد معين، فمهما حالت دون تقدمه عقبات، سيجد المبدعون حلولا لتجاوزها مثل المهن الدمشقية القديمة التي عاشت منذ قرون، ورغم أنها تواجه في أيامنا ظروفا صعبة، إلا أن العاملين فيها أوجدوا لها بعض الحلول ووصلوا إلى فنون جديدة منها الرسم بحبات الزيتون والتمر.

دمشق ـ جذبت فكرة إقامة المعارض الفنية للعديد من المهن اليدوية القديمة والملابس الشعبية لمختلف الأماكن في سوريا أهل الحرف التقليدية في دمشق، فالعاصمة السورية تزخر بالفنون والحرف التي تتوزع ورشاتها في أحيائها وشوارعها القديمة.

ففي دمشق هناك مهن البروكار الذي تفردت به على مستوى العالم، وكذلك صناعة الفوانيس والآلات الموسيقية والعبايات والقبابيب والشالات والزجاج وصناعة الموزاييك والنقش على الخشب والطرق على النحاس.

بعض هذه المهن يعود للمئات من السنين، ومازال حرفيوها يدافعون عن بقائها بقوة، رغم المصاعب الكبيرة التي يعانونها خاصة في سنين ما بعد الأزمة التي بسببها هاجر العديد من هؤلاء، أو انقطعت أسباب أعمالهم، مما أثر بشكل واضح على وجود هذه المهن واستمرارها في الحياة.

وتجاوبا مع مبادرة رسمية، اجتمع أهل هذه الحرف خلال أيام في معرض فني حرفي انتهت فعالياته في الثلاثين من الشهر الماضي وضمن فعالية أيام الثقافة السورية، في خان أسعد باشا الذي يقع في سوق البزورية المبتعد العشرات من الأمتار عن الجامع الأموي، ليقدموا العديد من إنتاجاتهم الجديدة التي صنعتها أناملهم وفق الطراز التقليدي الشعبي الموروث.

وشاركت في المعرض العديد من المهن منها صناعة السيوف والعود الدمشقي الشهير والأرابيسك والموزاييك والنول اليدوي والفخار ولعب الأطفال والزجاج وحياكة المناديل وخراطة الخشب والزجاج والعطور وحتى تجهيز الفول والحمص.

واحتوى المعرض على العديد من الفعاليات، فإلى جوانب التحف انتشرت الموديلات الصناعية التي ألبست أزياء تراثية تمثل العديد من المناطق السورية من شمالها إلى جنوبها، كذلك ضم المعرض صورا ضوئية لأشخاص يرتدون أزياء شعبية تخص بيئات متنوعة، وهي أشكال فنية تمثل التنوع الديموغرافي الكبير الذي تزخر به سوريا من حيث طرز وأشكال الملابس الشعبية فيها.

حرفيون يقدمون العديد من إنتاجاتهم الجديدة التي صنعوها وفق الطراز التقليدي الشعبي الموروث
حرفيون يقدمون العديد من إنتاجاتهم الجديدة التي صنعوها وفق الطراز التقليدي الشعبي الموروث 

ما ميز المعرض، هو التعريف بعدد من اللوحات والأشغال التي حملت تطويرا مهنيا متميزا، فمشاركون في المعرض وزوار بيّنوا أن المعرض أوضح أن الحياة تستمر ولا يمكن وقف الإبداع فيها الذي يسير دائما نحو الأمام، فسمة الحياة الأولى هي التغير، وقديما قالوا إن الثابت الوحيد في الحياة هو التغير.

ورغم كل ما عاشته مدينة دمشق من ظروف حالكة خلال العشرية الماضية، وضيق العيش الذي مر على السوريين، إلا أن الحرفيين التقليديين استطاعوا المحافظة على مهنهم القديمة، بل وابتكروا في ذلك أفكارا إبداعية جديدة كانت غير معروفة سابقا، منها ما قدمه حرفيون فنانون فيها مما يسمونه الرسم بحبات التمر أو الزيتون وحبات الأرز ومخلفات الطبيعة وحجارة الفسيفساء.

الحرفي مازن شيبان يشارك للمرة الثانية في المعرض مقاوما بقوة الظروف التي تحيط بمهنته حاليا ويبتكر للمحافظة عليها الحلول التي يمكن أن توفرها البيئة المحيطة به.

يقول “شاركت في المعرض بالعديد من اللوحات التي تحمل الجديد سواء من حيث تكوين اللوحة أو استخدام الألوان أو المواد المكملة لها. فقد رسمت لوحات مجسمة لمكة المكرمة والمدينة المنورة من حبات التمر، وقد لاقت صدى طيبا من الناس حين مشاهدتها، فحبات التمر التي يرميها الناس بعد أن يأكلوا الثمرة، يمكنها أن تصنع فنا جميلا وراقيا”.

 ويضيف “سابقا أنجزت لوحة كبيرة مجسمة عن دمشق والحضارات التي مرت عليها عبر تاريخها الذي يمتد لمئات السنوات، وسميتها العيش المشترك وقد أنجزتها على امتداد سنة وشهرين استخدمت فيها 94 ألف حبة زيتون”.

ويقول شيبان “في هذا العام أضفت جديدا هو تلبيس الفخار، كذلك أنجزت لوحة تمثل الحي الدمشقي بتفاصيله الكثيرة من بائع الفخار إلى محل الخضرة والألبسة والحارة العتيقة والبيت الأيوبي والمملوكي والفاطمي والدالية وشجرة الياسمين، وكذلك رسمت لوحات صغيرة وهي التي نستخدم فيها اللون الذي أصبحت أثمانه غالية، ولكي نتغلب على غلاء ذلك صرنا نستخدم موادا طبيعية، فوصلت إلى فكرة استخدام التبغ في اعتصار لون منه واستخدامه في التعتيق، كذلك استخدمت التبن لتجسيم بعض الأشغال وهنالك المزيد من الأفكار التي نعمل على تجريبها وسوف نشتغل عليها لاحقا”.

أشغال يدوية متوارثة
أشغال يدوية متوارثة

وحضر فنانون حرفيون آخرون مثل صافي أحمد الذي يبدع من حبات الأرز أجمل اللوحات، والفنانة وفاء حسان التي تنجز اللوحات والأعمال الفنية من الفسيفساء الحجري من بقايا الحجر ومخلفات معامل الحجر وإعادة تدويرها.

وفي جانب آخر، يتابع الحرفي مأمون الحلاق عمله في خراطة الخشب على حفارة آلة يدوية قديمة ويقول “هذه الآلة تعمل على خراطة كل أنواع الخشب الذي نحتاج إليه، مثل الجوز والمشمش والزيتون والصفصاف والليمون”.

ويضيف “هذه المخرطة هي التي تقوم بتجهيز الخشب بأنواعه ليصير تحفا خشبية بعدها، مثل جرن الكبة ومصب القهوة والمهباج. نحن نعمل على إنجاز هذه الأعمال لكي نحافظ على تراثنا ونوصله لأجيالنا القادمة”.

ويبيّن الحلاق أن “هذه المخرطة كانت موجودة قبل وجود الكهرباء، وكنا نشتغل عليها كراسي القش والأرابيسك. هذه الآلة البدائية كانت المنطلق نحو وجود مخارط آلية حديثة تقدم إنتاجا أكبر، ولكننا رغم ذلك نحن متمسكون بتراثنا ونحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوة وهي إلى الآن تمثل للبعض روح هذه الحرفة الجميلة”.

ويأمل هؤلاء الحرفيون أن تتواصل مثل هذه المعارض وأن تنتقل إلى المدن السورية الأخرى في انتظار أن تسافر إلى الخارج لتنتشر منتجاتهم في أرجاء الوطن العربي والعالم.

فنون وحرف متنوعة
فنون وحرف متنوعة
المعارض تحيي المهن اليدوية المهددة بالاندثار في دمشق
إحياء الموروث الشعبي وحمايته من الاندثار في دمشق
أشكال فنية تمثل التنوع الديموغرافي الكبير الذي تزخر به سوريا
أشكال فنية تمثل التنوع الديموغرافي الكبير الذي تزخر به سوريا

%d مدونون معجبون بهذه: