الموجة الثانية للثورات تؤكد استمرارية زخم “الربيع العربي”

تمنح السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها المنطقة العربية، دليلا ملموسا على أن هناك موجة ثالثة لـ”الربيع العربي” بعد مرور عقد من الزمن على اندلاع أولى شرارات انتفاضات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل تأكيد المحللين على أن ما حصل في عام 2011 لا يزال يشكل المحرك الرئيسي للمنتفضين في بلدان أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس التي جعلت من احتجاجات السوريين واليمنيين تأخذ مسارا دمويا عكس تونس التي قطعت شوطا في إرساء الديمقراطية رغم الصعوبات الكثيرة.

لندن – سقطت أحلام كثيرة بسبب الفوضى السياسية والنزاعات الدامية في معظم الدول التي شهدت انتفاضات شعبية غير مسبوقة ضد حكام متسلطين في الشرق الأوسط، لكن ثورات جديدة قامت خلال العام الماضي، أثبتت أن روح الثورة التي اندلعت قبل عشر سنوات في ما يعرف بـ”الربيع العربي” يبدو أنها لم تمت.

فقبل عشر سنوات، انطلقت شرارة “الربيع العربي” الأولى في تونس، ثم امتدت الى مصر فالبحرين وليبيا وسوريا واليمن، وقد حمل المتظاهرون شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، وبالفعل، سقط أربعة رؤساء كانوا حكموا بلادهم لعقود. وفي العام الماضي، ردّدت حناجر المطالبين بالتغيير الشعار ذاته في الجزائر والسودان ولبنان والعراق.

ويعتقد محللون أن الموجة الثانية من الاحتجاجات في تلك الدول استقت الدروس والعبر من الموجة الأولى، فالمتظاهرون لم يعودوا قانعين بإطاحة الحكّام السلطويين الطاعنين في السن، بل باتوا يستهدفون هياكل الدولة العميقة. لكنهم يحرصون في الوقت نفسه على تفادي الانقسام على أساس هوياتهم وانتماءاتهم، ويطالبون بتنظيم انتخابات جديدة يُعتد بها وتكون مدخلا لتحقيق طموحاتهم في دولة قوامها العدالة والمسؤولية وتطبيق القانون على قدم المساواة.

دوافع وتحديات التغيير

حراك اجتماعي في الجزائر
حراك اجتماعي في الجزائر

يكمن التحدي الذي تواجهه كل دولة واجهت أو تواجه انتفاضات شعبية في إيجاد المسار المؤدي إلى عملية انتقالية سياسية واقتصادية تُرضي الشارع، وحتى تونس التي نجحت في المضي قدما في ترسيخ أسس الديمقراطية، لم تعثر بعد على السبيل للمضي قدماً، وبالتالي فإن عجلة التاريخ تدور مرة أخرى، لكن المقبل من الأيام لا يزال طي المجهول.

ويؤكد آصف بيات، صاحب كتاب “ثورة دون ثوار” حول الربيع العربي، أن موجة انتفاضات 2019 في الجزائر والسودان ولبنان والعراق أثبتت أن الربيع العربي لم يمت، بل تواصل في دول أخرى في المنطقة معتمداً إلى حد كبير على الممارسات الجماعية نفسها”.

وخرج مئات الآلاف من المتظاهرين في الشوارع في دول اتفق على تعريفها ضمن مصطلح “الموجة الثانية من الربيع العربي” للمطالبة بالحرية والعدالة، فصرخوا ضد فساد أنظمتهم، واشتبكوا مع أجهزتها الأمنية، ولكن أولئك المحتجين يقفون على مفترق طرق أحلام الحرية والازدهار.

آصف بيات: ما شهده 2019 من انتفاضات أثبت أن الربيع العربي لم يمت

ويقول الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، أرشين أديب مقدم، لوكالة الصحافة الفرنسة إن “المحرك الرئيسي للربيع العربي لا يزال يغلي تحت السياسات العربية”. ويضيف أن “سنة 2011 أدت بنا إلى 2019، و2019 ستؤدي إلى موجة جديدة من التظاهرات”.

والموجة الثالثة، والتي ألمح إليها أديب مقدم، في تفسيرات البعض إذا أخذنا في الاعتبار حركات الاحتجاج في عام 2019، التي غيرت الوجوه في العراق ولبنان، والإطاحة بنظام عمر البشير في السودان ونظام عبدالعزيز بوتفليقة في الجزائر مع الإبقاء على مؤسسة الحكم العسكرية كما هي.

وعلى غرار دول أخرى، تابع شباب السودان في العام 2011 بحماس ما يجري في دول عربية من حولهم وبدأوا في تنظيم احتجاجات صغيرة، وبدأت بعض الأجسام المهنية في التشبيك والتنسيق في ما بينها للضغط على نظام عمر البشير الذي تسلم الحكم في 1989، لكنه كان أقوى من تحركات محدودة.

وقامت أجهزة الدولة الأمنية بقمع تظاهرات غير مسبوقة خرجت في 2013 ضد رفع الدعم عن الوقود، ما أدى إلى سقوط العشرات من القتلى، لكن تلك التظاهرات بينت في الوقت ذاته شوق كثيرين إلى تغيير في النظام على غرار دول “الربيع العربي” وهو ما حصل بالفعل في أبريل العام الماضي حينما أطاح الجيش بالبشير.

نفس الأمر كان حصل في الجزائر قبل عشر سنوات، فمع انتفاضة تونس حصلت تحركات اجتماعية جزائرية وقعت خلالها اشتباكات مع القوى الأمنية. لكن السلطة عمدت مسرعة إلى رفع الأجور والإعانات للمواطنين بهدف إرساء الهدوء في بلد لطالما لاحق سكانه الخوف من تكرار سنوات “العشرية السوداء”.

ويقول الناشط الجزائري زكي حناش، إن صدمة الحرب الأهلية “منعت الجزائريين” من النزول إلى الشارع بالحجم نفسه كما في دول أخرى، لكن ذلك لم يمنعهم “من متابعة ما يجري في تونس ومصر وسوريا بحماسة تختلط بالخوف”.

وفي تلك الفترة كان في إمكان السلطة أن تستعين بأموال عائداتها النفطية لتهدئة الاحتجاجات الاجتماعية، ولكن في فبراير العام الماضي، بدا الوضع مختلفا مع تراجع أسعار النفط وفراغ خزينة الدولة، حيث استغل الجزائريون الوضع ليسقطوا نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وأعادت التظاهرات التي عرفت لاحقا بـ”الحراك”، إلى الذاكرة مشاهد الاحتجاجات ضد النظامين اللذين حكما تونس ومصر لعقود وسقطا في 2011. ويقول حناش “تعلمنا من الربيع العربي” ومن أبرز دروس “الربيع العربي” الحفاظ على سلمية التحركات لمنع أن تنزلق البلاد نحو السيناريو السوري.

أزمات مختلفة بهدف واحد

المقبل من الأيام لا يزال طي المجهول

لا يمكن فصل تحركات الموجة الثانية من “الربيع العربي” في كل من السودان والجزائر، رغم أن النظامين السابقين كان يمسكان بلديهما بقبضة من حديد، عن السياقات التاريخية التي تحصل في كل من العراق ولبنان، والتي أدت في نهاية المطاف إلى قيام احتجاجات عارمة ضد الحكومتين في بغداد وبيروت.

فعندما سقط نظام صدام حسين بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، لم يكن البديل نظاماً ديمقراطياً قوياً بلا فساد ومحسوبية، فقد احتج العراقيون سنوات طويلة دون جدوى قبل أن ينتفضوا على نظام ينهش الفساد مؤسساته.

ويقول علي عبدالخالق، الناشط والصحافي العراقي، الذي شارك خلال 2011 في إنشاء مجموعة “شباب فبراير”، التي نظمت تظاهرات بساحة التحرير في بغداد ضد حكومة نوري المالكي المتهمة بالفساد، إن “الربيع العربي بالنسبة إلينا مثل الانطلاقة الجديدة لإصلاح النظام الديمقراطي بعدما كنا خرجنا من نظام سيء بقوة الاحتلال الأميركي”.

أرشين أديب مقدم: ثورة 2011 ستؤدي بنا إلى معايشة موجة أخرى للتظاهرات

وعلى مر السنوات، شهد العراق تظاهرات متقطعة، في وقت كانت البلاد تغرق أكثر في صراعاتها السياسية الداخلية ومشاكلها الأمنية خصوصاً مع ظهور الجهاديين، وتجذر الفساد في مؤسساتها حتى طفح كيل الشعب في أكتوبر الماضي وعمّت البلاد تظاهرات تطالب هذه المرة بإسقاط النظام والطبقة الحاكمة بالكامل، وأجبرت حكومة عادل عبدالمهدي على الاستقالة.

وفي لبنان، لم يكن الوضع مختلفا كثيرا رغم أن الانتفاض على الطبقة السياسية ليس سهلا، فالنظام يقوم على أحزاب تقليدية تتقاسم كل تفاصيله ولكل منها مصالحها وقواعدها الشعبية. ومع ذلك استجمع اللبنانيون قواهم بعد سنوات من اللامبالاة السياسية وتحركوا لإنهاء حكم تلط الطبقة.

ويقول الناشط من أجل التغيير في لبنان منذ 1998، عماد بزي، والذي ساهم في 2011 في الإعداد للتظاهرات للالتحاق بركب ما فعله المتظاهرون في تونس، إن “الربيع العربي منحنا الأمل حين رأيت التغيير في تونس ومصر، سألت نفسي، لماذا لا يكون هناك تغيير في لبنان أيضاً؟”.

وقد شهد لبنان في 2015 تظاهرات ضخمة أشعلتها أزمة نفايات اجتاحت البلاد، وإن كانت لم تستمر طويلا، لكنها نشطت مجموعات من المجتمع المدني أدركت أن هناك هامشا للتحرك في نظام يقوم على محاصصة طائفية وحزبية ضيقة.

وبعد سنوات، وبالتزامن مع أزمة مالية واقتصادية حادة، انفجر غضب اللبنانيين، فقد خرج مئات الآلاف منتصف أكتوبر الماضي، في تظاهرات غير مسبوقة في كافة المناطق رافعين الصوت ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد، وضاربين بعرض الحائط كافة المحرمات الطائفية والسياسية.

ورغم أن الدول، التي شهدت ثورات لم يحقق فيها مواطنوها أهدافهم حتى الآن، إلا أن احتمالات التصعيد ممكنة في ضوء العجز الذي تبديه حتى حكومات ما بعد ثورتي 2011 و2019، وبالتالي فإن ظهور بوادر اندلاع انتفاضات جديدة يبدو مرجحا، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي في منطقة هي الأسخن في كوكب الأرض.

function sb_ads_shortcode() { $ads_code = ' '; return $ads_code; } add_shortcode( 'ads_shortcode', 'sb_ads_shortcode' );
%d مدونون معجبون بهذه: