الميليشيات في جنوب العراق تحرض العشائر على القوات الحكومية

أثارت الحملات الأمنية في بغداد والناصرية مخاوف حقيقية لدى قادة الميليشيات والأحزاب الموالية لإيران والتي تستخدم الاغتيالات والاختطافات ضمن أساليبها لفرض هيمنتها على المشهد السياسي، لكن تصريحات هؤلاء القادة، التي تميل إلى “إدانة” الاغتيالات وقصف المنشآت الدبلوماسية، لا تعفيهم من المسؤولية الكاملة عن حالة الفوضى المستشرية في العراق.

بغداد- رفعت الأحزاب والميليشيات الولائية من منسوب هجماتها على حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بعد التحرك السريع لإنقاذ المختطف سجاد العراقي في مدينة الناصرية.

وتزامن تحرك قوات حكومية عراقية مع بيانات متصاعدة من قبل تيار الفتح برئاسة هادي العامري، رئيس منظمة بدر المتهمة باختطاف سجاد العراقي، طالب فيها بـ”إنهاء مسلسل الخطف والاغتيالات وإثارة الرعب بين الناس والذي تقف خلفه أياد آثمة تريد إثارة الفوضى وخلط الأوراق”، في محاولة واضحة لإبعاد التهم التي تلاحق فصيله.

وقال تحالف الفتح في بيان نشره الخميس، “نعلن رفضنا وإدانتنا لأي عمل يستهدف البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية”.

ومن جانبه حاول رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أن يشكل حضورا في التصعيد عبر رفضه لمسلسل الاختطافات والاغتيالات بحق النشطاء المدنيين الذين خرجوا في أكتوبر 2019 للتظاهر ضد فساد الحكومات المتعاقبة، التي مكنت أحزابا وميليشيات موالية لإيران من الهيمنة على المشهد السياسي منذ 2003.

وتخشى أحزاب وميليشيات موالية لإيران من وصول تحركات حكومة الكاظمي، التي تقود حملة واسعة ضد فوضى السلاح والخارجين على القانون، إلى الاحتكاك المباشر مع تلك الميليشيات، التي اتبعت أساليب الاغتيالات والاختطافات والتغييب القسرى بحق العشرات من النشطاء والصحافيين والمدونين والشبان في مناطق مختلفة من البلاد.

مقتدى الصدر: فصائل في الحشد وراء الهجمات الصاروخية والاغتيالات والاختطافات

وأقر الصدر في تغريدة على تويتر بمسؤولية فصائل من الحشد الشعبي في عمليات القصف الصاروخي والاغتيالات، لكنه لم يذكر أي فصيل من الحشد، المتكون من تيارات وأحزاب وفصائل مختلفة تبدي جميعها الولاء التام لإيران.

وقال زعيم التيار الصدري إن فصائل في الحشد الشعبي تقف خلف الهجمات الصاروخية المتكررة وعمليات الاختطاف والاغتيال، داعيا قادة الحشد إلى النأي بأنفسهم عن هذه الهجمات.

وتدفع الميليشيات منذ بداية حملة جهاز مكافحة الإرهاب، الذي يقوده عبدالوهاب الساعدي في مدينة الناصرية للبحث عن الناشط المدني سجاد العراقي، إلى رفع مستويات التوتر بين القوات الحكومية وقبيلة يتهم أحد أبنائها، وهو عنصر في ميليشيا منظمة بدر، بتنفيذ عملية الاختطاف.

كما تقود قوات أمنية حملة مفاجئة، انطلقت في حي الجادرية الراقي، الواقع قرب المنطقة الخضراء شديدة التحصين، للتفتيش عن مطلقي صواريخ الكاتيوشا التي تستهدف بشكل متزايد مبنى السفارة الأميركية.

ويملك معظم قادة الميليشيات منازل فخمة في حي الجادرية، الذي يسكنه أيضا مسؤولون بارزون. وسبق لجهاز مكافحة الإرهاب أن عثر في الحي على طائرة مسيرة، كانت معدة للهجوم على مقر السفارة الأميركية.

وقالت مصادر سياسية في بغداد إن حملة التفتيش انطلقت بسبب الزيادة الكبيرة في الهجمات الصاروخية، التي تستهدف المنطقة الخضراء ومطار بغداد الدولي.

وأوضحت المصادر أن السفارة الأميركية اشتكت مؤخرا من تزايد الهجمات التي تستهدفها في بغداد، فضلا عن استهداف موقع تنتشر فيه قوة أميركية صغيرة داخل المنطقة الأمنية الخاصة بمطار بغداد الدولي.

وكان الرؤساء الثلاثة وقادة الكتل السياسية في البرلمان قد اجتمعوا، يوم الاثنين، لبحث ملف استهداف المنطقة الخضراء بالصواريخ. لكن رئيس منظمة بدر هادي العامري، الذي يقود تحالف الفتح في البرلمان، قاطعه، وكذلك فعل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي العائد مؤخرا من طهران.

وقالت مصادر إنه عرضت خلال الاجتماع شكوى الولايات المتحدة من استهداف مقر سفارتها في بغداد، فيما طلب الحاضرون من رئيس الحكومة أخذ الإجراءات اللازمة بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة.

وأضافت المصادر أن بغداد وواشنطن ولندن تتواصل بشكل مكثف منذ أيام، لبحث سبل التعاون في مواجهة التهديدات الإيرانية، مشيرة إلى أن الحملات الأمنية في جنوب البلاد وعاصمتها تتمتع بدعم كبير من حلفاء العراق.

وسعت وسائل إعلام عراقية موالية لإيران إلى تصوير الحملة التي يقودها الكاظمي في الجنوب على أنها “تتحدى العشائر” التي تملك أسلحة متوسطة وثقيلة، ولدى أبنائها خبرات واسعة في المعارك، وذلك بسبب تكليف قوة من جهاز مكافحة الإرهاب بالبحث عن الناشط سجاد العراقي، الذي تؤكد التحقيقات أن ميليشيا منظمة بدر هي التي اختطفته واحتجزته في قرية “سيد دخيل” بالناصرية حيث تعامل التقاليد القبلية باحترام يقترب من القداسة.

حاول رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أن يشكل حضورا في التصعيد عبر رفضه لمسلسل الاختطافات والاغتيالات بحق النشطاء المدنيين

ويقول جهاز مكافحة الإرهاب إنه استأذن من رئيس إحدى القبائل لتفتيش مضيفه، وسط ترحيب منه، لكن الإعلام الموالي لإيران يؤكد أن عملية التفتيش تمت تحت تهديد السلاح.

وقال زعماء قبليون في المنطقة إن ميليشيا بدر وميليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي تحرضان عددا من عشائر الناصرية على التحرك ضد القوات العراقية، بدعوى أنها تتحدى العادات والتقاليد.

وتشير مصادر أمنية إلى أن التحقيقات حددت مكان اختباء المختطف سجاد ورصدت المنزل الذي يختبئ فيه خاطفوه، موضحة أن العمل مستمر لمعرفة ما إذا كانت لدى الخاطفين حماية عشائرية فعلا. وانتشرت معلومات غير مؤكدة تفيد بأن القبيلة التي ينتمي إليها الخاطفون تبرأت منهم فعلا، وأعلنت مساندتها لمهمة الأجهزة الأمنية. ونشرت وسائل الإعلام العراقية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني تسجيلات مصورة لما قالت إنه استعراضات مسلحة لعشائر الناصرية ضد “قوات الكاظمي”. وبمجرد تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي تبين أنها تسجيلات قديمة تعود إلى مواجهات عشائرية سابقة في الناصرية، حيث يظهر مسلحون يحملون قاذفات ورشاشات آلية ومدافع هاون وهم يرقصون مع الهتاف بتحدي عشيرة أخرى.

وتقول الأجهزة الأمنية العراقية إنها رصدت تحركات واسعة من قبل ميليشيا بدر والعصائب لحث عشائر الناصرية على التمرد ضد الحكومة، لكن تلك الجهود باءت بالفشل، فيما يواصل الإعلام العراقي الذي تديره إيران نقل أجواء ما يقول إنه توترات قبلية كبيرة في الجنوب، بسبب إجراءات الحكومة.

%d مدونون معجبون بهذه: