الولايات المتحدة تواجه برنامج إيران الباليستي منفردة

على الرغم من عرقلة الأوروبيين لسياسة الضغوط القصوى التي تتبعها الولايات المتحدة في مواجهة سلوك إيران المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، تبدو واشنطن عازمة على مواصلة نهجها المتشدد وحيدة. ويتفهم متابعون المرونة الأوروبية في التعامل مع إيران، لكنهم يؤكدون في المقابل على أن الموقف الأميركي لن يبقى معزولا في نهاية المطاف.

باريس – تواصل الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات منفردة لتحجيم قدرات إيران الصاروخية الباليستية، بعد أن عرقل حلفاء الجمهورية الإسلامية الأوروبيون مشروع قرار أميركي في مجلس الأمن يقضي بتمديد حظر السلاح على طهران، فيما تحذر تقارير عسكرية من تنامي ترسانة إيران الباليستية، ما يهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط.

وأكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الثلاثاء، أن الولايات المتحدة ستمنع إيران من حيازة أسلحة روسية وصينية، في حين تنتهي صلاحية حظر دولي للأسلحة على إيران في 18 أكتوبر.

وقال بومبيو لإذاعة “فرانس إنتر” إنه “لم يتمّ القيام بأي شيء حتى الآن للتمكن من تمديد هذا الحظر وبالتالي تحمّلت الولايات المتحدة مسؤولياتها”، في إشارة إلى الخلافات بين الأميركيين والأوروبيين في هذا الشأن.

وأضاف “سنتصرّف على هذا النحو: سنمنع إيران من حيازة دبابات صينية ومنظومات دفاعية جوية روسية”.

وانسحبت الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني وأعادت في أعقاب ذلك فرض عقوبات قاسية على إيران التي تتّهمها بأن لديها نزعة توسعية في الشرق الأوسط عبر دعمها ميليشيات محلية على غرار حزب الله النافذ في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن.

وفي 21 أغسطس فعّلت واشنطن في الأمم المتحدة آلية “سانب باك” المثيرة للجدل لإعادة فرض عقوبات دولية على إيران من بينها تمديد حظر الأسلحة.

واعتبارا من 20 سبتمبر موعد انتهاء مهلة الشهر التي تفرضها الآلية، يُفترض أن يتمّ تأكيد إعادة فرض هذه العقوبات.

لكنّ الأميركيين يصطدمون برفض قاطع من جانب حلفائهم الأوروبيين، فرنسا وألمانيا وبريطانيا وقوى عظمى أخرى هي الصين وروسيا. وهذه الدول مشاركة في اتفاق 2015 الذي يُفترض أن يمنع إيران من حيازة السلاح النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات التي تنهك اقتصادها.

مجيد رفيع زادة: سياسات الاسترضاء تعني الضعف بالنسبة لحكام إيران
مجيد رفيع زادة: سياسات الاسترضاء تعني الضعف بالنسبة لحكام إيران

ورفضت الغالبية الساحقة من أعضاء مجلس الأمن (13 من أصل 15) من بينها الدول المشاركة في الاتفاق حول النووي الإيراني في أغسطس، صلاحية الآلية التي فعّلتها الولايات المتحدة.

وبحسب هذه الدول، انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي منذ العام 2018 ولا تملك أساسا قانونيا لإطلاق آلية إعادة فرض العقوبات الدولية في الأمم المتحدة في هذا الإطار.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي إن “آلية ‘سناب باك’ لا تتسم بشرعية سياسية وصلاحية قانونية”. وأضاف “يجب أن يكون واضحا أنه لم تتم إعادة فرض العقوبات”، مع اقتراب موعد العشرين من سبتمبر.

ويسعى الأوروبيون من خلال رفضهم إعادة العقوبات الأممية على إيران إلى الفصل بين ملفها النووي وملفها الصاروخي الباليستي، فيما ترى واشنطن أن الملفين مرتبطان.

ويتساءل مراقبون عن مدى نجاعة الاستراتيجية الأوروبية في مواجهة التهديدات الإيرانية، في وقت تشارك فيه أوروبا مخاوف الولايات المتحدة من تنامي قدرات الجمهورية الإسلامية الصاروخية وتهديدها للأمن والسلم الإقليميين والعالميين.

ويرى الباحث والمحلل السياسي الأميركي الدكتور مجيد رفيع زادة في تقرير نشره معهد جيتستون الأميركي للأبحاث، أن أولئك الذين يطالبون باتباع سياسة استرضاء تجاه حكام إيران كوسيلة لتغيير تصرفات النظام الإيراني، لا يدركون أنه كلما زاد ما يقدمه المجتمع الدولي لحكام إيران، كلما أصبحت طهران أكثر عدوانية وجرأة.

وعلى سبيل المثال، فإنه بعد يوم واحد من تصويت مجلس الأمن الدولي على رفع الحظر على الأسلحة المفروض على إيران، كشف حكام طهران عن صاروخ باليستي تردد أنه يمكن أن يصل إلى الولايات المتحدة.

واختتم تقريره بقوله إن “سياسات التوافق والاسترضاء تعني الضعف بالنسبة لحكام إيران، وإنه كلما كثر عطاء المجتمع الدولي لحكام إيران، كلما بدا أن النظام يشعر أن لديه القدرة على مواصلة سلوكه الشرير”.

ويؤكد محللون عسكريون أن إيران تمتلك أكبر ترسانة صواريخ في الشرق الأوسط، وأكثرها تنوعا، وبينها صواريخ كروز فائقة القدرات القتالية، في وقت يرجّح فيه بقوة أن تصبح طهران أحد مصدري الصواريخ إلى السوق العالمية.

وفي يناير الماضي، وردا على اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، أطلقت إيران عددا من الصواريخ الباليستية على مواقع أميركية في العراق ولم تسفر الصواريخ عن خسائر كبيرة بالنسبة للأميركيين. وأشار الخبراء إلى أن إيران قصدت ذلك من أجل عدم تصعيد الأزمة مع الولايات المتحدة.

لكن في الوقت نفسه، استطاعت إيران بإطلاقها الصواريخ حفظ ماء الوجه بقيامها بالرد على اغتيال سليماني في هجوم بطائرة أميركية مسيّرة.

وحذّر عدد من الخبراء من أنه إذا ما تعرضت إيران لموقف مماثل في المستقبل، فإنها من الممكن أن تستخدم صواريخ كروز في ردها، وهي صواريخ ذات قدرة قتالية عالية، ومنها الصاروخ “مبين” الذي عرضته إيران في معرض ماكس الروسي للطيران صيف العام الماضي، والذي يتمتع بمدى يبلغ 280 ميلا، وسرعة 250 ميلا في الساعة، ويمكنه حمل رأس حربية يصل وزنها إلى 265 رطلا.

وقال ماثيو جورج، محلل شؤون الطيران والدفاع في شركة غلوبال داتا، وهي شركة رائدة في مجال البيانات والتحليل، إن إيران طورت قدراتها العسكرية محليا خلال السنوات العشر الماضية للالتفاف على حظر الأسلحة المفروض عليها، وقامت من حين لآخر بالإعلان عن أنواع مختلفة من الطائرات، وعن عمليات تطوير جديدة للأسلحة.

ولجأت إيران في ظل العقوبات الغربية والحظر المفروض على الأسلحة إلى تطوير طريقة محلية لإنتاج الأسلحة لملء الفراغ الناجم عن ذلك. وتمتلك إيران بالفعل الآن مجمعا عسكريا صناعيا حديثا للغاية.

%d مدونون معجبون بهذه: