انتفاضة العراق تنهي الهالة الأسطورية لمقتدى الصدر

انتفاضة العراق تنهي الهالة الأسطورية لمقتدى الصدر

بغداد- يسير الشارع العراقي المنتفض منذ أربعة أشهر ضدّ نظام المحاصصة بقيادة الأحزاب الطائفية، نحو إنهاء الهالة “الأسطورية” التي نسجها لنفسه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بتسويق نفسه ثوريا ومصلحا ومنحازا لقضايا الطبقة الفقيرة.

ويكاد الصدر، بانخراطه بفعالية في جهود إخماد الانتفاضة، يستهلك كل رصيده من الشعبية الذي استمدّه أصلا من مكانة أسرته في مجال التديّن الشيعي، وأثراه طيلة السنوات السبع عشرة الماضية بعدم تورّطه بشكل مباشر في تجربة الحكم الفاشلة وذات النتائج الكارثية على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وبأدائه دور المعارض لشخصيات نافذة ذات سمعة سيئة لدى الشارع، وفي مقدّمتها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي كان قد استخدم سنة 2008 القوة العسكرية ضدّ ميليشيا جيش المهدي التابعة لزعيم التيار الصدري في العملية المعروفة بـ“صولة الفرسان”.

بلغ الصدر مرحلة الطلاق النهائي مع الشارع عندما تحوّل من اعتماد المناورة السياسية لإخماد الانتفاضة إلى المشاركة في قمعها

ومع استعصاء الاحتجاجات غير المسبوقة عن الإخماد بمختلف الطرق، من الإغراء بوعود الإصلاح والتغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتوفير مناصب الشغل للشبان، إلى قمع المتظاهرين بقتل بعضهم في ساحات الاحتجاج والتظاهر واغتيال البعض الآخر في مواطن الإقامة والعمل واختطاف آخرين وإخفائهم قسريا، حتّمت الحاجةُ إلى إنقاذ النظام الذي أصبح إسقاطه هدفا معلنا للمحتجّين، أن يتمّ اللجوء إلى مقتدى الصدر، ليس فقط من قبل أركان النظام لكن أيضا من قبل إيران المهتمّة بالحفاظ على النظام العراقي الموالي لها، رغم أنّها لم تكن في السابق تثق في كفاءة الصدر وتفضّل عليه قادة أحزاب وميليشيات آخرين، الأمر الذي منعه من النفاذ بشكل مباشر إلى مناصب قيادية في الدولة العراقية.

وحاول الصدر أن يستخدم تكتيكه المعهود وتجربته السابقة في إخماد احتجاجات سنة 2016 عندما انضمّ بصحبة أنصاره إلى صفوف المحتجين واخترق حراكهم وحوّل وجهته تدريجيا إلى قضايا مطلبية بعيدا عن شعارات التغيير الشامل التي رفعها المتظاهرون بادئ الأمر والتي تعني تغيير النظام القائم بكلّ أسسه وشخوصه.

وأواخر أكتوبر الماضي عاد الصدر من إيران وزجّ بنفسه مباشرة في الاحتجاجات وانضمّ إلى المتظاهرين في مدينة النجف الواقعة جنوبي بغداد وذات الرمزية الدينية الكبيرة لدى الشيعة، وذلك في محاولة لركوب موجة الغضب الشعبي والتحكّم فيها وتوجيهها بعيدا عن مطلب إسقاط النظام.

وراجت عند ذلك معلومات بأنّ الرجل قدّم في زيارته العاجلة تلك إلى إيران “أوراق اعتماده” للإيرانيين باعتباره الأقدر على إنهاء موجة الاحتجاجات، وأنّه ناقش في طهران خطّة عاجلة لتسلّم زمام قيادة الشارع.

ومنذ ذلك الحين تلقّى الصدر ومعه إيران وأركان النظام القائم في العراق سلسلة خيبات متتالية، حيث أظهر الشارع وعيا بمناورات الصدر ورفض الانقياد له رغم المشاركة الكثيفة لأنصاره في التظاهرات والاعتصامات.

مقتدى الصدر قدم أوراق اعتماده للإيرانيين باعتباره الأقدر على إنهاء موجة الاحتجاجات
مقتدى الصدر قدم أوراق اعتماده للإيرانيين باعتباره الأقدر على إنهاء موجة الاحتجاجات

وبلغ الصدر مرحلة الطلاق النهائي مع الشارع عندما تحوّل من أسلوب المناورة السياسية لإخماد الانتفاضة، إلى الانخراط بشكل مباشر في قمعها جنبا إلى جنب القوات الأمنية وباقي الميليشيات الشيعية التي كثيرا ما كان يهاجمها في أوقات سابقة واصفا إياها بـ“الميليشيات الوقحة”.

ووجّه زعيم التيار الصدري أمرا مفاجئا لأنصاره بالانسحاب من ساحات التظاهر والاعتصام مفسحا المجال أمام القوات الأمنية لقمع باقي المحتجّين، ثم أنشأ من ميليشيا سرايا السلام التي يقودها “جسما” أمنيا جديدا مخصصا لقمع المحتجين وإنهاء اعتصاماتهم تحت مسمى “القبعات الزرق”، نسبة للون القبعات التي يضعها رجال هذا
الجسم الأمني على رؤوسهم لتمييزهم عن باقي الفصائل المشاركة في قمع الانتفاضة.

وظهرت نقمة الشارع على مقتدى الصدر من خلال رفع شعارات مضادة له تنعته بالخيانة والتبعية لإيران التي كثيرا ما رفع شعار إنهاء تدخّلها في شؤون العراق وضمان استقلال قراره عن دائرة نفوذها.

وفي ظلّ حالة العناد والإصرار التي يبديها الشارع العراقي على مواصلة انتفاضته بدأ زعيم التيار الصدري يعاين الأضرار الجسيمة التي لحقت بشعبيته ونسفت مصداقيته لدى الأوساط الشيعية الأكثر فقرا والتي لطالما مثّلت خزانه الجماهيري الأهمّ. وحاول تدارك الأمر بمغازلة الشارع من جديد طالبا في تغريدة على تويتر من “قبّعاته الزرق” عدم الدفاع عنه وقمع المحتجين الذين يهتفون ضدّه، لكنّ العارفين بمزاج الشارع العراقي يؤكّدون أن هيبة الصدر انكسرت ولم يعد بالإمكان إصلاحها وأنّه بدد مشروعيته الشعبية في مغامرة التمترس إلى جانب إيران ونظام المحاصصة.

%d مدونون معجبون بهذه: