بوذيون متهمون بالخيانة لدعمهم قضية الروهينغا

بوذيون متهمون بالخيانة لدعمهم قضية الروهينغا

سرّعت الاحتجاجات الأخيرة التي عمّت جل عواصم العالم للتهديد بالعنصرية على خلفية مقتل جورج فلويد صاحب البشرة السوداء في الولايات المتحدة من عمل المنظمات الحقوقية لإنهاء موجات الاضطهاد التي تتعرض لها أقلية الروهينغا في ميانمار. ومن بين الناشطين الذين يدافعون باستماتة عن هذه القضية العادلة، الباحث البوذي ماونغ زارني الذي أجبر على الهجرة إلى بريطانيا بعد نعته بالخائن وتهديده بالقتل.

لندن – حركت في الأسابيع الأخيرة قضية مقتل جورج فلويد صاحب البشرة السوداء على يد رجل شرطة أبيض البشرة في الولايات المتحدة، كل الملفات المتعلقة بالعنصرية لا فقط في الأوساط الأميركية بل في العالم بأسره.

ومن بين القضايا الشائكة منذ عقود والحاملة لطابع عنصري ليس على أساس اللون، بل على أساس ديني، هي قضية أقلية الروهينغا المسلمة التي تعرضت في أكثر من مرة إلى جرائم إبادة جماعية في ميانمار.

تقر المنظمات الحقوقية والإنسانية بأن ملف الروهينغا يمثل فصلا جديدا من مأساة أقلية لا ذنب لها سوى أنها تعتنق الدين الإسلامي ولذلك تتعرض للاضطهاد والمجازر بشكل متواصل من قبل البوذيين في ميانمار.

لكن البعض من الناشطين من حاملي الديانة البوذية يدافعون عن قضية الأقلية المسلمة ويطالبون برفع المظلمة عنهم كما يحاولون إيصال أصواتهم التي تقول إن الملف أعقد من أن يكون صراعا دينيا بين المسلمين والبوذيين بل هو أعمق من ذلك بكثير ويحمل في طياته صراعات سياسية تتقاطع فيها الكثير من المصالح.

خدمة قضية عادلة

ماونغ زارني باحث بوذي شارك بتأسيس تحالف الروهينغا الحر أجبر على الهجرة إلى بريطانيا بعد نعته بالخائن
ماونغ زارني باحث بوذي شارك بتأسيس تحالف الروهينغا الحر أجبر على الهجرة إلى بريطانيا بعد نعته بالخائن

يقول ماونغ زارني، وهو باحث بوذي شارك بتأسيس “تحالف الروهينغا الحر” (منظمة أهلية)، إن “قضية أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار ليست صراعا بين المسلمين مقابل البوذيين وإن جرائم الإبادة الجماعية ضد الروهينغا ترجع إلى ترويج حملة كراهية مؤسسية قائمة على الجهل”.

ويضيف زارني (56 عاما)، أنه “تم تأسيس حملة من الجهل في البلاد (ميانمار)، من خلال المدارس ووسائل الإعلام والمنظمات البوذية ضد مسلمي الروهينغا، لتبلغ ذروتها في الإبادة الجماعية”.

ويتابع زارني، وهو ناشط من عائلة بورمية بوذية وداعم لحقوق الروهينغا “جعلوا شعب ميانمار جاهلا بالحقائق عن الإسلام والمسلمين”.

تثير هذه القضية المتشعبة الكثير من الأسئلة بشأن تعنت حكومة ميانمار وتشبثها لمواصلة حملة التطهير العرقي لأقلية الروهينغا رغم الحملات الدولية المنددة بهذه المجازر.

ويقول زارني في هذا الصدد “لا يوجد سبب لاستهداف حكومة ميانمار للروهينغا، فهم لا يطالبون بالانفصال أو الاستقلال أو حتى الحكم الذاتي الإقليمي، بل يريدون العيش بسلام في ميانمار، مثل أي شخص آخر”.

ويوضح أن “البوذيين في إقليم أراكان غربي البلاد، هم من يقاتلون الحكومة المركزية من العرق البورمي، لاستعادة سيادتهم التي فقدوها منذ 200 عام، ليصبح الروهينغا محاصرين بين الحزبين البوذيين المتحاربين”.

ويشدد على أن “هذا هو الصراع الوحيد هناك، والعالم لا يعرف هذه الحقائق، ويميل إلى التركيز على نموذج المسلمين مقابل البوذيين”، لاستغلال أسطورة “الصراع الديني أو صراع الحضارات” لصالح “الإسلاموفوبيا”.

ناشطون بوذيون يدافعون عن قضية الأقلية المسلمة ويطالبون برفع المظلمة وعدم تحويل الملف إلى صراع ديني

ويضيف بأن “جيش ميانمار يستغل أيضا التنافس الاستراتيجي بين الصين والهند، فهو يلاعب الهند والصين ضد بعضهما البعض، للحفاظ على منافع تحالفه مع كليهما” بحسب قوله.

وحول الاحتجاجات العالمية ضد العنصرية، يعتبر زارني أنها “أكثر من مجرد انتفاضة؛ لأنها أثارت وعيًا عالميًا جديدًا بين غير السود، بأن هناك خطئًا جوهريا يجب إصلاحه”.

ويرى أن “الخوف والكراهية، المؤديان إلى العنصرية، متجذران في الجهل، الذي يتم تلقينه في المدارس، ويروج له السياسيون الديماغوجيون والقادة الدينيون، وتضخمه وسائل الإعلام”.

وكنتيجة لحملات الجهل والإسلاموفوبيا، أصبح شعب ميانمار يؤيد اضطهاد والتخلص من مسلمي الروهينغا، وهو ما يصب لصالح السلطات التي تستولي على الأراضي المهجورة والمستودعات وغيرها، التابعة للمسلمين.

ويقول زارني “رغم سيطرة منظمات إثنية مسلحة، أغلبها بوذية، على قرابة ربع البلاد، فإن الحكومة تنتهج التمييز ضد الروهينغا، خشية أن يكونوا وكلاء لبنغلاديش المجاورة، أحد أكبر الدول المسلمة في العالم، بهدف السيطرة على أراكان”.

ويشير إلى أن “العسكريين السابقين في ميانمار كانوا يرون مسلمي الروهينغا جزءًا من الشعب، إلا أنه منذ منتصف الستينات من القرن الماضي قرر الجنرال ني وين التخلص منهم، لكيلا يصبحوا وكلاء لبنغلاديش، المعروفة آنذاك باسم ‘باكستان الشرقية’، لتكون تلك بداية سياسة الإبادة العرقية”.

ويتساءل المراقبون عن سبب استهداف الروهينغا وجعلهم الفئة الوحيدة التي تتعرض للاضطهاد. من قبل ميانمار رغم أنه يوجد 16 نوعا مختلفا من مجتمعات المسلمين في البلاد.

ويستنكر زارني ممارسات جيش ميانمار بحق الروهينغا، والتي أسفرت عن طرد مليون لاجئ في السنوات العشر الماضية. وينتقد بعض المواقف الدولية من مأساة الروهينغا بقوله “يجب علينا الحديث هنا عن التنافس الرأسمالي، فأنا لا أرى الفضيلة في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي عندما تعرب عن قلقها إزاء سلامة شعب الروهينغا أو الأزمة الإنسانية للاجئين”.

وبشأن حكم محكمة العدل الدولية بضرورة اتخاذ ميانمار تدابير مؤقتة لحماية الروهينغا من الإبادة الجماعية، يرى زارني أنه “يثبت أحقيتهم للحماية بموجب القانون الدولي، كما أنه يجبر ميانمار على المثول للقانون، ويمنع عمليات القتل الجماعي في المستقبل”.

ويتابع “هذه التدابير المؤقتة تهدف للحفاظ على مسرح الجريمة والأدلة، وكذلك حماية مسلمي الروهينغا الموجودين هناك، الذين يقدر عددهم بنحو نصف مليون”.

تهديدات بالقتل

معاناة طويلة وحلول بعيدة
معاناة طويلة وحلول بعيدة

فيما تجمع الكثير من التقارير على حقيقة أن المعركة في عمقها تحمل أبعادا دينية وعرقية، فإن الكثير من المصادر الحقوقية أشارت في أكثر من مرة إلى وجود الكثير من المتعاطفين من البوذيين مع الأقلية المسلمة.

ويكشف زارني عن “وجود عدد متزايد من الشباب البوذيين، وحتى الرهبان، في ميانمار، الداعمين للروهينغا، لكن بعضهم خائف من استهداف العنصريين العنيفين لهم، كما أن الدولة والجيش يعملان على تكميم أصوات هؤلاء الناشطين”.

ويستطرد الباحث البوذي، وهو مقيم حاليا في المملكة المتحدة، بالقول “بدأت الكتابة عن قضية الروهينغا، في نوفمبر 2011، أي قبل حوالي ستة أشهر من أول موجة من العنف الجماعي المنظم ضد مسلمي الروهينغا في أراكان”.

ويشرح قائلًا “كنت أراقب تصاعد خطابات العنف لدى الميانماريين في غرف الدردشة ووسائل التواصل الاجتماعي”.

ويفيد بتلقيه ردود أفعال سلبية وتهديدات من المؤسسات الميانمارية، أدت إلى تقديمه استقالته من جامعة “بروني دار السلام”، في يناير 2013، عندما طلبت منه إدارة الجامعة ألا يتحدث إلى وسائل الإعلام في سنغافورة أو في أماكن أخرى.

ورغم انتقاله إلى ماليزيا، التي أشار إلى أنها بلد داعم، إلا أنه تعرض لتهديد بالقتل ممن وصفهم بـ”البلطجية” الميانماريين هناك، مضيفا لقد أجبرت على الهجرة إلى بريطانيا بعد نعتي بالخائن للوطن وللدولة.

بشأن النهج الصحيح الذي يمكن أن تضغط به الأمم المتحدة على حكومة ميانمار، يقول زارني إن الضغط الحقيقي، الذي سيشعر به جيش ميانمار، هو تفعيل الفصل السابع -من ميثاق المنظمة الدولية – التهديد باستخدام التدخل السياسي والعسكري، في وضع يمكن اعتباره “عدم استقرار”.

ويضيف أن “مجلس الأمن وحده هو الذي يستطيع ممارسة ضغط حقيقي على جيش ميانمار الواثق بالضمانات التي تلقاها من الصين، وبدرجة أقل من روسيا”.

وقد استخدمت الصين حق النقض (الفيتو- لمنع أي إدانة لميانمار في مجلس الأمن)، لذلك تتمتع ميانمار بحماية مزدوجة “صينية- روسية” في المؤسسة الدولية الوحيدة التي يمكنها إنهاء الإبادة الجماعية، بحسب زارني.

ويشير إلى أن موسكو تعتبر اضطهاد حكومة ميانمار لمسلمي الروهينغا عملية لمكافحة الإرهاب، فيما تراه بكين شأنا داخليا.

من حيث حجم التمويل، فإن الولايات المتحدة وكندا هما المساهمان الأول والثاني لمعالجة الوضع الإنساني للروهينغا، سواء داخل ميانمار أو في مخيمات اللاجئين الروهينغا بمنطقة “كوكس بازار” البنغالية. كما قدمت بريطانيا مساهمة مالية كبيرة.

يشار إلى أن تحالف “تحالف الروهينغا الحر” هو شبكة دولية من اللاجئين الروهينغا والأصدقاء الدوليين، يعملون معًا لإنهاء الإبادة الجماعية في ميانمار، وبناء مستقبل مستدام للناجين من الاضطهاد، وفق الموقع الإلكتروني للتحالف.

%d مدونون معجبون بهذه: