تداعيات كورونا تزيد ضغوط رقمنة الإدارة في تونس

تداعيات كورونا تزيد ضغوط رقمنة الإدارة في تونس

تونس – كشفت الأزمة الصحية عن هشاشة المنظومة الإدارية حيث لم تتمكن المؤسسات من التكيف مع الإجراءات الاستثنائية نظرا للطابع التقليدي الغالب على التعاملات ما يقلص نجاعة التسيير ويفتح الباب للتجاوزات القانونية في ظل غياب تقنيات حديثة تكشف آثار الفساد.

ولم تكن متطلبات التحولات الرقمية وليدة ثورة يناير 2011 فقد كانت ضمن أجندات الحكومة خلال عام 2005 عند تنظيم أول قمة معلومات في البلاد، ورغم مرور كل هذه الأعوام فإن البلاد لا تزال ترزح تحت وطأة البدائية في التعاملات.

وسعت الحكومات المتعاقبة إثر ذلك إلى تسريع نسق التحول الرقمي وجعل تكنولوجيا المعلومات مصدرا للإنتاجية والقيمة ‏المضافة، وتجلى ذلك من خلال المخطط الاستراتيجي تونس الرقمية 2020 الذي تمت صياغته في إطار مقاربة تشاركية مع القطاع الخاص.

وتهدف تونس عبر هذا المخطط إلى جعل تكنولوجيات الاتصال قاطرة لتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية وخدمة تموقع البلاد كمركز إقليمي للتكنولوجيات خلال العام الجاري.

وبلورت الحكومة المجلة الرقمية كإطار قانوني شامل لتحقيق الانتقال الرقمي مع ضمان مراجعتها الدورية بالنظر إلى حركية المجال التكنولوجي وتطوره اليومي، غير أن هذه الأهداف بقيت قيد الانتظار واصطدمت بعواقب كثيرة.

وكشفت أزمة كورونا عن نقائص كبيرة يشكوها الجهاز الإداري ما جعل البلاد تسقط في دوامة الركود، والمؤسسات والمرافق العامة تتعطل بفعل غياب الوسائل الرقمية الحديثة الضامنة لاستمرارية التعاملات.

وقال سيف الدين الرابحي كاتب عام نقابة خريجي المدرسة الوطنية للإدارة لـ”العرب” إن “تأخر عملية الرقمنة سببه غياب إرادة سياسية حقيقية في تطوير وتحديث الإدارة حيث تقتصر هذه الخطط على مجرد شعارات خلال المحطات الانتخابية”.

وأضاف أن “السبب الثاني يتعلق بغياب جانب التحفيز والتجديد للكفاءات الشابة التي لها من الأفكار والإمكانيات العلمية ما يمكنها من المبادرة بتقديم حلول وبراءات اختراع جديدة تسهم في الدفع التكنولوجي”.

2 في المئة يمكن أن يضيفها الاقتصاد الرقمي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي سنويا

وأوضح أن هذه الأسباب هي ما يحكم بالفشل على هذه الخطط مقابل نجاحها في الخارج نظرا لتوفر كافة هذه العوامل والمناخ المشجع للابتكار.

وحاول خريجو المدرسة الوطنية للإدارة المختصة في تكوين وتأهيل الإطارات الإدارية للدولة تقديم العديد من الحلول من صميم اختصاصهم لدعم انتقال فعلي نحو ثورة رقمية حقيقية تدفع التنمية في البلد وتخرجه من مربع التخلف الإداري.

وأكد الرابحي ضرورة تشريك القطاعين العام والخاص والمنظمات المهنية في تقديم مقترحات عملية لتحقيق نقلة نوعية رقمية في الأجهزة الإدارية.

وشدد على أنه يمكن تحويل أزمة كورونا إلى فرصة لدعم هذه الخطط، إذ كشفت المرحلة أهمية الابتكارات الناشئة في مساعدة عمل السلطات بفضل اختراع تطبيقات ذكية سهلت الاتصال وتبادل المعلومات، وبالتالي توفير المعونة للمواطنين.

وتتفق العديد من التقارير وآراء الخبراء على أن السنوات الأخيرة في تونس تميزت بالاهتمام بالجانب السياسي فقط على حساب المسائل المتعلقة بالتكنولوجيا والرقمنة التي اقتصرت على بعض المؤسسات في القطاع الخاص.

وسبق وأكدت هيئة الخبراء المحاسبين التونسيين أن اعتماد استراتيجية رقمية للاقتصاد يمكن أن يزيد 2 في المئة في نسبة النمو.

وأشارت إلى أن التأخير الحاصل في مجال الرقمنة يكلف الاقتصاد خسائر كبيرة وأن تونس متأخرة 20 سنة في هذا المجال.

ويجمع خبراء على أن من بين أكبر المعضلات التي تحول أيضا دون تفعيل جدي للتحول الرقمي هي التناقضات القانونية، حيث إن إسراف السلطات في إعلان القوانين حمل في مجمله تناقضات عديدة.

وتتعارض أهداف الرقمنة مع بنود قانون المعطيات الشخصية الذي يمنع كل أشكال استغلال الهوية الشخصية ويضمن سرية المعاملات.

ودعا الرابحي إلى تشريك الهيئة الوطنية للمعطيات الشخصية في صياغة شروط الرقمنة وفق أسس تحترم الهوية والمعلومات المتعلقة بالأفراد.

وعلى سبيل المثال، كان مرسوم قانون المعرف الوحيد من ضمن هذه الأساليب الحديثة التي تم إقرارها في اتجاه رقمنة الإدارة غير أنها تناقضت مع مبادئ قانون حماية المعطيات الشخصية.

سيف الدين الرابحي: يجب تشجيع الاختراعات لدعم  الدفع التكنولوجي
سيف الدين الرابحي: يجب تشجيع الاختراعات لدعم  الدفع التكنولوجي

ويعد مشروع المعرف الوحيد ثورة في الإدارة في تونس، حيث إنه سيجمع قاعدة بيانات ومعلومات للأفراد في كل الإدارات العمومية وبالتالي يسهّل عملية تتبع الإخلالات وتضارب المعطيات وتتبع مسار كل العمليات الإدارية أو المالية.

وقلل الرابحي من فرص قضاء الرقمنة على الفساد بقوله “الرقمنة يمكن أن تقلص الفساد الإداري لكن لن تقضي عليه تماما، في المقابل يمكنها تضييق الخناق على المناوئين والمتجاوزين للقوانين”.

وأكد أنه في المقابل يمكن استثمار الرقمنة في تحقيق التنمية عبر توفير البنية التحتية الرقمية وتحفيز مشاركة القطاع الخاص في هذا المسار وتنمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص وحسن استغلال هذه المقاربة.

وأقر وزير الدولة المكلف بالوظيفة العمومية والإصلاح الإداري ومكافحة الفساد محمد عبو بتأخر تونس في رقمنة الإدارة مقارنة بما هو موجود في العالم.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن الوزير قوله “الظروف التي مرت بها تونس خلال مكافحة وباء كورونا حفزت الحكومة على تكريس رقمنة الإدارة”.

وأوضح أن مشروع رقمنة الإدارة رافقته خلال السنوات الماضية تعقيدات مرتبطة بالقوانين، قائلا “لا بد أن ندفع في هذا الاتجاه لتحسين مناخ الاستثمار، وبالتالي لا بد لنا أن ننجح أمام أكبر أزمة اجتماعية تمر بها تونس منذ تاريخها”.

وأشار إلى أن نسب النمو ستكون في حوالي 7 تحت الصفر، وهو ما يجعل، برأيه، كل الأطراف مطالبة بالدفع إلى تنقية المناخات لدعم المستثمرين، ملفتا إلى أن الإشكالات الإدارية كانت محددة في أكثر من مناسبة في السنوات الماضية.

وتحدث عبو عن الإخلالات التي تعرفها الموانئ بسبب غياب الرقمنة قائلا “هناك خلل كبير يواجه عمل البواخر، وقطاع الشحن يعرف العديد من التعطيلات في الوقت الذي يجب فيه أن نتجاوز ذلك لدعم الحركية الاقتصادية”.

كما أكد وزير المالية محمد نزار يعيش أنّ أزمة كوفيد – 19 أبرزت أهميّة الإجراءات الموضوعة على الخطّ مما يدعو اليوم إلى تسريع نسق رقمنة الإدارة وتعصير أدوات العمل، خاصة في ظل الاستجابة السريعة للإدارة لظروف الحجر.

%d مدونون معجبون بهذه: