ترتيبات جديدة في طرابلس لشرعنة تصورات السراج وسلامة والإخوان

ترتيبات جديدة في طرابلس لشرعنة تصورات السراج وسلامة والإخوان

تحالف قائم على أنقاض ميليشيا اللواء السابع في نسختها الثالثة، والعاصمة الليبية مقبلة على موجة جديدة من العنف.

لم تتوقف عملية التغيير والتبديل والتشبيك في ليبيا يوما منذ اندلاع أزمتها السياسية والأمنية، فكل مرحلة لها طبيعة خاصة، ويكمن العنصر المشترك على مدار السنوات الماضية في رعاية واحتضان التيار الإسلامي ومساعدته رضاء وعنوة ليكون جزءا من المشهد العام، وربما في مقدمته.

كلما خفت نجم هذا التيار، بفعل الممارسات العنيفة والإرهابية للمحسوبين عليه، تدثّر برداء آخر للبحث عن وسيلة تعيده إلى الواجهة، ونجح الجناح السياسي لهؤلاء في استغلال الليونة والتعاطف والتوظيف من قبل بعض الجهات الخارجية لضمان مكان مؤثر في المعادلة الليبية.

تخدم السيولة الشديدة التي تتمتع بها الأزمة والمرونة الطاغية على الكثير من تفاصيلها، حسابات التيار المؤدلج ومن يجتهدون في توفير سبل الدعم والتأييد له، ويرون جميعا أن الساحة مهيأة لتكريس النفوذ، لأن الخروج منها خالي الوفاض يهز المشروع الذي جرى ضخ أموال كبيرة للاستثمار فيه، من جانب تركيا وقطر، ودوائر غربية لا تزال مقتنعة بأهميته في خدمة مصالحها بالمنطقة، وتقاوم التصدي له من قبل مصر والسعودية والإمارات.

يثبت التفجير الذي تعرض له مقر وزارة الخارجية في طرابلس، الثلاثاء، أن العاصمة مقبلة على موجة جديدة من العنف، ربما تفوق ما واجهته من موجات على مدار السنوات الماضية، لأن من رتبوا وخططوا واتخذوا قرار التعجيل بحسم معركة طرابلس، والمرجح أن تبدأ في الثلث الأول من شهر يناير المقبل، يريدون تحقيق مجموعة من الأهداف السريعة.

يأتي في مقدمة هذه الأهداف قطع الطريق على المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، الذي تسرّبت معلومات قوية بشأن عزمه التجهيز والتحشيد لدخول طرابلس قريبا، وتلقيه إشارات فرنسية داعمة لهذا التحرّك، وهو ما تتحفظ عليه بعض القوى الإقليمية، خشية الوقوع في فخاخ أمنية تؤثر على ما وصل إلى المؤسسة العسكرية من تماسك، لأن الطريق إلى العاصمة لن يكون مفروشا بالورود.

توافق المشروعات

Thumbnail

يسعى الفريق المقابل لحفتر إلى حسم معركة طرابلس مبكرا، عبر تكوين تحالف جديد ومتماسك، يحمل أجندة إسلامية خفية للسيطرة على مفاصل العاصمة ومؤسسات الدولة فيها، ويتم منحه صبغة عسكرية نظامية، تخفف الضغوط المتداولة حول تعاظم اعتماد جهات رسمية على الكتائب المسلحة وتسخيرها في عمليات قذرة تابعة للحكومة.

المفاجأة أن التحالف الجديد يقوم على أنقاض اللواء السابع- مشاة، والذي دخل طرابلس في 26 أغسطس الماضي، قادما من ترهونة، ولعب دورا ظاهرا في تغيير المعادلة الأمنية، ووقتها شاعت معلومات بأنه يتكون من نحو 4 آلاف عنصر، بعضهم من العسكريين القدامى الذين ينتمون إلى النظام السابق، ونسبة تبلغ نحو 15 بالمئة، عبارة عن خليط من الإخوان والسلفيين، ونسبة مثلها من أبناء ترهونة المتطوعين.

دخل اللواء السابع طرابلس من جهة الجنوب في حينه، وسيطر على أماكن تحوّلت إلى منطقة نفوذ له، وأصبح لغزا محيّرا، وقتها لم يدخل في معارك واسعة مع الكثير من الكتائب المسلحة، وبدا أن بعثة الأمم المتحدة وقوى إقليمية ودولية فاعلة تتعامل معه كرقم في المعادلة دون التصدي له، وانتقل خطاب حكومة الوفاق من الغضب إلى الحذر ثم التريّث ثم تعمّد تجاهله، ما جعل بعض الأوساط تحتار في توصيفه، والجهة أو الجهات التابع لها.

حدثت تطورات كثيرة خلال الأشهر الماضية، أبرزها أن المطالب التي وضعتها قيادة اللواء السابع بشأن خروج الميليشيات وحتمية استعادة الأمن في العاصمة، ولم يتم الاستجابة لها، اختفت تقريبا، وظلت قيادته مجهولة ولا أحد يعرف هويتها بالضبط، وقيل إنها تتشكل من الكانيات، نسبة إلى محمد الكاني في ترهونة.

الفريق المقابل لحفتر يسعى إلى حسم معركة طرابلس مبكرا، عبر تكوين تحالف جديد ومتماسك، يحمل أجندة إسلامية خفية للسيطرة على مفاصل العاصمة ومؤسسات الدولة فيها، ويتم منحه صبغة عسكرية نظامية، تخفف الضغوط حول تعاظم اعتماد جهات رسمية على الكتائب المسلحة

تدفقت المياه العسكرية والسياسية بغزارة، وجرفت معها التحذير الحاسم بتنفيذ المطالب خلال مدة أسبوع من تاريخ إعلانها في نهاية أغسطس، وانهمكت قوى سياسية وعسكرية في أمور وتفاصيل عديدة، لم يكن من بينها النقاش حول طبيعة الدور الحيوي الذي يقوم به اللواء السابع- مشاة في جنوب طرابلس، وظل بعيدا عن الاشتباكات التي تندلع من وقت لآخر.

لم يعد المراقبون والسياسيون يتحدثون عنه أو فلوله وأين تلاشت، وما هي خططه للتعامل مع الترتيبات الأمنية التي يشرف عليها غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا؟

تفرّقت العناصر العسكرية القديمة، ولم يبق منها سوى نحو 400 عنصر، وأعيد تكوين اللواء السابع مؤخرا على أسس حديثة وأطياف مختلفة وأجندة مغايرة عما ظهر عليه في أغسطس الماضي، لكنه لا يزال يحتفظ بالمسمى الأصلي، الذي تحول إلى مطيّة للكثيرين.

تمت صياغة الطبعة الثالثة من اللواء السابع مؤخرا، لأن الطبعة الأولى تم حلها بقرار من حكومة فايز السراج، وأصدره المهدي البرغوثي وزير الدفاع في 9 أبريل الماضي، على ضوء تحقيقات مذبحة قاعدة براك الشاطئ. وراح ضحية هذه العملية عدد من جنود اللواء 12 وعشرات المدنيين في 18 مايو 2017، وبدأت الطبعة الثانية مع التحرك من ترهونة صوب طرابلس قبل نهاية أغسطس الماضي.

تتشكل النسخة الجديدة من عدد كبير من العناصر التابعة لميليشيا “النواصي” التي يقودها صلاح بادي الذي تعرض لعقوبات دولية مؤخرا، ويقيم في تركيا حاليا، ومعها قوات أسامة الجويلي آمر المنطقة الغربية، الذي يعروف بميوله الإسلامية، وبرفقتهما عماد الطرابلسي قائد كتيبة “الصواعق” التابعة لحكومة الوفاق. وينحدر الجويلي والطرابلسي من الزنتان، التي خففت الضغط عن فايز السراج في الفترة الماضية عقب توغلها في العاصمة.

الحصان الأسود

يأتي مع كل هؤلاء شخص غامض من الزنتان، اسمه بوبكر الجرو، ربما يلمع اسمه في الفترة المقبلة ويكون بمثابة الحصان الأسود في المعادلة الأمنية، يملك نحو 350 آلية عسكرية ومجنزرة وعددا من العناصر المدربة.

ويسيطر الجرو على منطقة الكريمة وحي الأندلس في طرابلس، وقد يكون الورقة الرابحة لهذا التحالف. أدى دخول الزنتان بكثافة إلى حدوث ترهّل في الأجسام العسكرية لميليشيا هيثم التاجوري قائد ما يسمّى “ثوار طرابلس”، وأخرى تابعة لكل من رؤوف كارا وغنيوة وبادي وغيرهم.

تقدم اللواء السابع في طبعته الثالثة، جاء بالتنسيق والتعاون بين ثلاث جهات محورية، أولها السراج، الذي رسخ في الأذهان أن أمنه أصبح مرتبطا بالكتائب المسلحة، ولعب دورا كبيرا في انتشارها داخل المؤسسات الحكومية، بل منحها طابعا رسميا، ويكاد يكون مستقبله السياسي تحطّم على أشلائها، ما لم يُعد ترتيب أوراقه جيّدا بما يمنحه بارقة أمل في المستقبل.

الجهة الثانية غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة، الذي يثمّن دور الميليشيات ويبالغ في دورها الأمني، ويقيس على تجربتها في كل من العراق ولبنان، ويسعى إلى عدم استبعادها، وتلاحقه تهمة مساعدتها في أن تكون جزءا من جسم الحكومة، لأنه كان يبارك دورها ويهادنها حتى وقت قريب، ولم يوجه عبارات حاسمة لقياداتها إلا بعد تعرضه لانتقادات واسعة، ما دعاه إلى وضع عدد محدود من قادتها على لائحة عقوبات دولية، والتلويح بوضع أسماء أخرى.

الجهة الثالثة جماعة الإخوان المسلمين، المعروفة أن الكثير من تفوقها في ليبيا يرجع إلى حسن إدارتها للكتائب المسلحة، وقدرتها على نسج خيوط مع الكثير منها الفترة الماضية، وبعد الالتفات إلى دور الميليشيات وتكثيف الأضواء عليها أصبحت عبئا سياسيا، قد يكون مكلفا، في وقت تطمح فيه قيادات الجماعة إلى ترسيخ وجودها بسلاسة والهيمنة على الملتقى الجامع، وتمرير الاستفتاء على الدستور، وصولا إلى خطف الانتخابات.

يفضي التحالف الثلاثي (السراج وسلامة والإخوان) ودعم عملية تقدم اللواء السابع للسيطرة على مقاليد الأمور في طرابلس، إلى تشكيل نواة لقوة عسكرية نظامية، لأن غالبية العناصر المنخرطة في اللعبة ذات صبغة عسكرية، بمعنى تكوين جيش مواز للجيش الوطني الذي يقوده حفتر، يضاف إلى عملية إعادة هيكلة جهاز الشرطة التي يقوم بها فتحي باشأغا وزير الداخلية.

ترمي هذه التحركات إلى سدّ المنافذ على استعداد المشير خليفة حفتر لاقتحام طرابلس، ويتم تعزيزها بمحاولة شغل قواته بالتركيز على الشرق، في إشارة إلى هز موقفه في منطقة نفوذه التقليدي، فحاليا تقوم سرايا الدفاع عن بنغازي، وبقايا العصابات التابعة للميليشياوي إبراهيم الجضران، المطلوب دوليا، بتجميع قوات عسكرية في منطقة وادي دينار، استعدادا للغارة على منطقة الهلال النفطي مرة أخرى.

تمكنت قوات الجيش الوطني، منذ حوالي أسبوع، من مهاجمة قوات تنتمي لهذه المجموعات في القلعة القديمة بمنطقة السدادة، وقتلت عددا منها، واستحوذت على حوالي 26 آلية مسلحة، ما يشير إلى أن التسخين من الممكن أن يعود إلى الشرق، ليتفرق تحالف طرابلس لحسم معركته بأقل قدر من المنغّصات.

يعتقد أصحاب الخطة الأمنية الجديدة في طرابلس أنها ستنهي أزمة الميليشيات وإشكالية الازدواجية التي تعاني منها القوى السياسية الداعمة لها، وتخفف الأعباء على من يقفون خلفها، وتمنح الإخوان فرصة للسيطرة على الكثير من مفاتيح الدولة، بما يضمن لها على الأقل تفشيل الخطط الساعية لتهميشها، وربما الحصول على مركز كبير في السلطة في المرحلة المقبلة، يعيد لها الزهو الذي امتلكته عقب سقوط نظام العقيد معمر القذافي.

مقدمة لفوضى أم استقرار

Thumbnail

يستند سيناريو تغليب الوصول إلى الاستقرار بدلا من الفوضى، على الضعف الذي منيت به بعض الكتائب المسلحة نتيجة تصفيات جسدية واسعة، كانت كافية لمعرفة ملامح المصير الذي ينتظر قادتها، لذلك حرّضت قواعدها للتحرك والاستعداد للقيام بعمليات عنف واسعة، من بينها استهداف وزارة الخارجية، لتعطيل الخطة التي سيقوم بتنفيذها اللواء السابع قريبا.

تثير الدهشة في المعطيات السابقة بعض الأمور الدقيقة، أبرزها الدوران داخل حلقات متشابكة، تحمل عنوانا عريضا، هو عدم الالتزام بثوابت محددة، فالمرونة البادية على تحركات قوى كثيرة تنم عن سرعة كبيرة تتغير بموجبها التحالفات، بناء على المصالح التي تتحكم في أصحابها.

وهناك قوى لا يضيرها التعامل مع جماعات متنافسة، وقد تصل إلى حد التباين في الأهداف، وتحاول البحث عن ثغرة للتوافق كفيلة بتخفيف أوجاع ما يبدو تناقضا في المواقف والحسابات، وربما تكون بدعة سائدة في معظم الصراعات المنتشرة في المنطقة، وتكشف عن درجة كبيرة من الانفلات للحد الذي تتبدّل فيه المواقع بين لحظة وأخرى.

تكشف المشاهد التي تمر بها العاصمة طرابلس عن تشبث لافت من جانب قوى عديدة بأن يكون تيار الإسلام السياسي في مقدمة اللعبة السياسية، والكثير من المقاطع التي جرت في ليبيا، بوجوهها المختلفة، تعمل لحساب تجنب تهميشه، لأن عدم تمكين الإخوان في ليبيا، قد يكون كارثة على عمومهم في دول المنطقة.

ويمثل نجاحهم في هذه الدولة حلقة مهمة تدل على استمرار تأثيرهم في كل من الجزائر والمغرب وتونس، وبوابة لإجبار مصر على القبول بتسوية مع الجماعة الأم في القاهرة.

تتطور الآليات حسب طبيعة كل مرحلة، وتصب في النهاية في مربع تقنين الأوضاع بدقة والتماشي مع الواقع على الأرض، بما يخفف الضغوط على أطراف المعادلة، التي تعمل عن قصد أو دونه، لرعاية واحتضان الإخوان، وهو ما يستوجب درجة عالية من اليقظة لما تقوم به في العلن أو الخفاء قوى إقليمية (قطر وتركيا) داعمة للإخوان، تستغل جهل قوى دولية بتعقيدات الأزمة الليبية، وأحيانا رغبتها في تكريس نفوذ الإسلام السياسي في المنطقة.

%d مدونون معجبون بهذه: