“تردد” حمدوك يقود البرهان إلى الإمساك بزمام المبادرة في السياسة الخارجية للسودان

“تردد” حمدوك يقود البرهان إلى الإمساك بزمام المبادرة في السياسة الخارجية للسودان

بعد أيام قليلة من الإعلان عن توجيه واشنطن لدعوة رسمية للفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، جاء لقاء البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا ليسلط الضوء على الدور الصاعد لرئيس مجلس السيادة في مجال السياسة الخارجية، ويطرح أسئلة حول تمثيل السودان في الخارج وتقاسم الأدوار بين البرهان ورئيس الحكومة عبدالله حمدوك الذي مثل السلطة الانتقالية السودانية في غالبية الجولات الخارجية، والتغيرات الحاصلة في هذه المعادلة.

القاهرة – وجهت الولايات المتحدة دعوة إلى رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، للقيام بزيارة رسمية إلى واشنطن. جاءت الدعوة التي وجهها هاتفيا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، قبل أيام، لتضفي حضورا غير معهود لرئيس مجلس السيادة، وتسلط الضوء على إشكالية تمثيل السودان في الخارج بين البرهان وحمدوك.

منذ بداية تشكيل هياكل السلطة الانتقالية قبل نحو ستة أشهر، ظلّ البرهان في الظل وبعيدا عن الكثير من تطورات العلاقة مع واشنطن، والتي أسندت معظم تفاصيلها إلى عبدالله حمدوك، رئيس الحكومة السودانية، كوجه محبب للنخبة السياسية في الولايات المتحدة، بعد أن جاء محمولا على أكتاف قوى الحرية والتغيير التي أسقطت حكما بقي جاثما على صدور المواطنين لثلاثة عقود.

كان نجم البرهان على الصعيد السياسي في الداخل خافتا، ومقتصرا على الجوانب الإجرائية والإدارية، فضلا عن الملفات الأمنية، بوصفه ممثلا للجسم العسكري في السلطة الانتقالية، ورئيسا لها في فترتها الأولى ولمدة عشرين شهرا، وبدا حضوره الإقليمي غير ملموس تقريبا، باستثناء زيارات نوعية لكل من مصر والسعودية والإمارات.

تقدم الجسم المدني في السلطة الانتقالية السودانية في غالبية الجولات الخارجية، وتحول حمدوك إلى أيقونة يتم الترحيب بها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بهدف تكريس الشق المدني في السلطة، وتقويض الشق العسكري الذي تحول إلى عنوان يذكّر بزمن الانقلابات العسكرية التي عرفتها البلاد، وتدثرت بأردية سياسية مختلفة كي تصل إلى سدة الحكم.

توارى البرهان سياسيا، ولم يتعمد مزاحمة الحضور الواسع الذي حصل عليه حمدوك، وقرأ المشهد جيدا، مكتفيا بضبط الكثير من مفاصل الدولة لتصل البلاد لدرجة جيدة من الأمن والاستقرار، وتنجح في تقليص أذرع نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير في المؤسسات العسكرية والمدنية، وتجنب الاتهامات التي سيقت لوضعه في سلة واحدة مع الفلول والطامحين للعودة إلى الحكم بأي ثمن.

حمدوك أمضى وقتا طويلا في استكشاف العالم من حوله، ولم يتخذ مواقف حاسمة في بعض القضايا، وانفتح على قوى متنافسة

نجح الرجل، وأخفق أيضا، في هذه المهمة وبدرجات متفاوتة، وفضل الانكماش السياسي لتوسيع المجال أمام تحركات حمدوك، والتأكيد على أن السودان يتغير ويتطور.

بالفعل ذهب رئيس الحكومة إلى دول عديدة. وألقى خطاب بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019. وتحدث غالبية المسؤولين في دول غربية عدة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن حمدوك كوجه مشرق للحكم المدني الواعد في السودان.

أدار رئيس الحكومة مقاليد السياسة الخارجية بحكمة، وحاول تجنب الخلاف والصدام، لاستعادة مكانة بلاده، وتقديم صورة إيجابية عن الحكم الجديد الرشيد في الخرطوم، مستفيدا من غرام قوى دولية متعددة بفكرة تعزيز الحكم المدني. واجتهد ونجح في تحقيق تقدم معنوي، غير أنه لم يلفت الانتباه بإنجازات سياسية تؤكد طي الصفحة القاتمة السابقة.

أمضى حمدوك وقتا طويلا في استكشاف العالم من حوله، ولم يتخذ مواقف حاسمة في بعض القضايا، وانفتح على قوى متنافسة. ففي الوقت الذي امتدح علاقته بمصر والإمارات والسعودية، حافظ على دفء الروابط مع قطر وتركيا، حتى أوجد صورة وضعته في خانة “المتردد”.

لم يتمكن من جلب مساعدات اقتصادية كبيرة. وجاءت المساعدات الأبرز من حكومتي أبوظبي والرياض حتى الآن. وكانت العراقيل التي حالت دون رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب من المشكلات التي أثرت على مكانة الرجل السياسية، مع أن تعطيل الخطوة يكاد ينحصر في طبيعة التعقيدات والبيروقراطية الأميركية.

الحكم المدني

جذبت ثنائية المدني والعسكري في السودان الأنظار الغربية المعنية بالأفكار النظرية لترسيخ الديمقراطيات في العالم، بصرف النظر عن الخصوصية. وأسهمت الحالة السودانية المفعمة بالأحزاب والقوى المتباينة من شتى الاتجاهات والألوان والمشارب السياسية في هذه الجاذبية.

تماشت الرعاية الغربية التي حظي بها حمدوك مبكرا مع موجة كبيرة في أفريقيا، تساند الوجوه المدنية التي تؤمن بالحريات وتعظّم قيم حقوق الإنسان، باختصار تنسجم مع المعايير الدولية الصاعدة في المجال الديمقراطي. وارتفعت الثقة فيه لأنه يحمل تاريخا مشرفا في هذا الفضاء، ويبدو متسامحا لحد بعيد مع جميع القوى، بما منحه تعاطفا غير معتاد بالنسبة لعدد كبير من القيادات الأفريقية.

اهتزاز الأرض السياسية من تحت أقدام حكومة حمدوك، هدية كبيرة للبرهان
اهتزاز الأرض السياسية من تحت أقدام حكومة حمدوك هدية كبيرة للبرهان

كل هذه الخصال التي اصطحبت معها وئاما سياسيا نادرا للسودان، لم تكفل لحمدوك التقدم في المهمة الخارجية التي عمل طويلا من أجلها، وهي رفع اسم بلاده من على اللائحة الأميركية، وتطبيع العلاقات تماما مع واشنطن، لأنها تفتح للسودان الكثير من الأبواب المغلقة السياسية والاقتصادية، وتضمن حدوث تغير تنعكس تأثيراته إيجابيا على البلاد.

اكتفى رئيس الحكومة بالتهدئة السياسية الخارجية، وأخفق في الحصول على مكاسب جديدة، كما أن الوقت لم يسعفه في إنجاز إحدى المهام المركزية التي أسندت لحكومته في الستة أشهر الأولى، وهي التوصل إلى السلام الشامل في عموم البلاد. وبدأت تهتز الأرض من تحت أقدامه في الداخل مع صعوبة التخلص من روافد نظام البشير وتجذرها في الدولة العميقة.

الأخطر أن الجسم السياسي الذي يستند عليه، وهو تحالف الحرية والتغيير، أخذت تنخر فيه الصراعات والخلافات، بما جعل ظهيره الشعبي يبدأ في التآكل، وينذر بانفضاض الكثيرين عنه، للدرجة التي دفعت البعض للتشكيك في عدم استبعاد إقدامه على الحوار مع قوى إسلامية، بما يخلط الأوراق والمهام التي جاء من أجلها.

صبت ملامح الضعف وعدم القدرة على تحقيق اختراقات في ملفات حيوية، في صالح المكون العسكري في السلطة الانتقالية، وهدّأت من حدة الأصوات الغاضبة التي استعجلت رحيل أعضائه في مجلس السيادة، خاصة أن هذا المكون أصبح عنصر الأمان في ضبط الأوضاع الأمنية.

هدية للبرهان

قدم اهتزاز الأرض السياسية من تحت أقدام حكومة حمدوك، هدية كبيرة للبرهان، كضامن للأمن والاستقرار، بعد نجاحه في تفويت الفرصة على محاولات متفرقة للانقلاب العسكري، ويصبح صمام أمان للسلطة في مواجهة جشع الحركة الإسلامية وارتباطاتها الخارجية، وعدم تنصلها من المتشددين والإرهابيين الذين ملأوا أراضي السودان إبان حكم البشير.

تفتح هذه التحديات الباب لاستمرار المكوّن العسكري في سدة السلطة لفترة تتجاوز المدة المقررة في الوثيقة الدستورية، وتجعل من بعض القوى الخارجية التي راهنت على مساندة الحكومة الحالية لتهيئة البلاد لسلطة مدنية طويلة، تعيد النظر في رهانها، مع ارتفاع نسبة الخوف من الفوضى، وما تجلبه من انفلات في محيط السودان الإقليمي، وتخريب تقديرات استراتيجية رأت إمكانية أن يصبح السودان صاحب شعلة سياسية قوية في المنطقة.

من هذه الزاوية، يمكن فهم أحد أسرار التحول في علاقة واشنطن بالبرهان، ولو جاءت على حساب حمدوك، وتغيير في مفاهيم العسكري والمدني، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد القائد القوي، ومن يستطيع التفاهم معه بأريحية، لأن الإدارة بالصفقات لم تفارق عقل ترامب، ومن الطبيعي أن تتبدل أو تتراجع بعض الشعارات، فالمصالح التي تتحقق بوجود البرهان على رأس السلطة قابلة للحياة أكثر من حمدوك الذي يجد نفسه في مفترق طرق سياسية، تفرض عليه تحمل تبعات الصدام أو الابتعاد.

%d مدونون معجبون بهذه: