ترسيخ الصورة النمطية عن زوجة الأب يصعّب التخلص من دلالاتها السلبية

يؤكد علماء الاجتماع أن الموروثات الثقافية رسخت في جميع الأذهان صورة سلبية عن زوجة الأب عاضدتها الدراما التلفزيونية وأفلام السينما ومسلسلات الكارتون، مما ساهم في تشكيل وعي طفولي ينظر إلى زوجة الأب على أنها امرأة شديدة القسوة جاءت لاختطاف الأب وتعذيب أبنائه.

لندن ـ أكد استشاريو العلاقات الأسرية أن الإعلام لعب دورا سلبيا في ترسيخ الصورة القاسية لزوجة الأب لدى العديد من الأجيال. ومازالت هذه الصورة تحتفظ إلى اليوم بأثر عميق في الوعي الطفولي، وفي تشكيل العلاقات الاجتماعية، على الرغم من التغير الطفيف في التركيز عليها في الإعلام.

وبيّن استشاريو العلاقات الأسرية أن القصص والأفلام رسخت صورة نمطية عن زوجة الأب، بوصفها امرأة تعذب أبناء زوجها وهي قاسية وظالمة وغيورة وأنانية وغيرها من الكثير من الصفات السيئة التي ارتبطت بشخصها.

بسمة الغريبي: زوجة الأب يمكن أن تكون أما ثانية وامرأة ودودا

وأكدت الدراسات الاجتماعية أنه على مر التاريخ، تم تصوير زوجة الأب على أنها دنيئة وشريرة، مشيرة إلى أنه من الصعب التخلص من هذه الصور النمطية، نظرا إلى الدلالات السلبية المرتبطة بزوجات الآباء والتي لا تساعدهن بأي شكل من الأشكال. وعلى الرغم من أن العديدات منهن يرعين أبناء أزواجهن كما لو كانوا أبناءهن، إلا أنه غالبا ما ينتهي الأمر بزوجات الآباء إلى عدم التقدير للأشياء التي يقمن بها بشكل جيد، بالإضافة إلى تحميلهن المسؤولية التامة عن سوء العلاقة بينهن وبين أبناء أزواجهن.

وتقول بسمة الغريبي إعلامية رياضية تونسية أن علاقتها بزوجة أبيها جيدة للغاية مشيرة إلى أنها امرأة طيبة وحنونة ساهمت في رعايتها منذ طفولتها.

وتؤكد الغريبي لـ”العرب” أنها لم تشعر يوما أن زوجة أبيها امرأة قاسية أو متسلطة بل هي كانت بمثابة أمها التي افتقدتها في سن مبكرة. وتضيف أنها تعتبرها أما ثانية مشيرة إلى أن زوجة الأب ليست بالضرورة قاسية أو متجبرة كما تصورها الأفلام.

وقال أحمد الابيض (المختص في علم النفس )إن أغلب الناس ميالون لاعتبار زوجة الأب امرأة معادية وشريرة، وغالبا ما تجد تحريضا ضدها من طرف الخالة أو العمة ما يجعلها تتشرب هذه الصورة فتقصي الآخرين.

وأشار الأبيض في تصريح لـ”العرب” إلى أن زوجة الأب الذكية لا تورط نفسها في خصومات مع أبناء زوجها ولا تجعل نفسها محل مقارنة مع أمهم لأن المقارنة لن تكون في صالحها، بل عليها أن تكون طيبة وكريمة.

وأكد الأبيض أن زوجة الأب إذا دخلت في صراع مع أهل زوجها ستحدث حربا تحوّل حياة الأسرة كلها إلى جحيم، داعيا زوجات الأب إلى الاستفادة من تاريخ الزوجة السابقة لهن بتجنب سيئاتها وإتيان حسناتها. وقال الأبيض إن المعاملة الإيجابية مع تكرارها تنهي المواقف السلبية. ناصحا زوجة الأب بإبراز الجوانب الإيجابية فيها حتى تنال حب أبناء زوجها.

بدورها تؤكد الدكتورة خولة السعايدة أخصائية علم النفس والاستشارية الأسرية، أن الصورة السلبية التي يتحدث عنها المجتمع عن زوجة الأب القاسية تسمى في علم النفس الصورة النمطية، والتي يأخذ المجتمع فيها الصورة السائدة وتعميمها على الجميع، مبيّنة أن هذه الأفكار تبنى استنادا إلى تجارب شخصية سابقة، بالإضافة إلى الدور الكبير للإعلام من خلال المسلسلات والأفلام التي تعرض زوجة الأب على أنها امرأة متسلطة، والتي لها كبير الأثر في عقول الأفراد وترسيخ الأفكار لديهم.

كما أكدت الخبيرة الأردنية أن الكثير من الحالات الإيجابية تجد فيها الزوجة التي ليس لديها أطفال، أن أبناء الزوج هم فرصة لتعويضها عن حرمانها من عاطفة الأمومة، لذلك تعمد إلى حبهم ورعايتهم ليكونوا عونا لها في كبرها.

وأوضح خبراء العلاقات الأسرية أن الصورة النمطية التي حملتها المجتمعات العربية عن زوجة الأب تحمل العديد من السلبيات من شدة القسوة وافتعال المشاكل وتأثيرها السلبي على الأب ضد أبنائه، لافتين إلى أن هناك جوانب إيجابية في الكثير من العلاقات بين زوجة الأب وأبناء زوجها لا يتم الحديث عنها.

كما نبهوا إلى أنه لا يمكن التطرق إلى هذه القضية دون ربطها بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للأسر التي تكون فيها زوجة الأب، والتي تكون في أحيان كثيرة سببا رئيسيا في التعامل السلبي مع الأطفال، وتؤدي في بعض الأحيان إلى كوارث في المجتمعات العربية.

ومن جانبه أكد اختصاصي علم الاجتماع في الجامعة الأردنية الدكتور سري ناصر، أن المجتمع قد تحكمه معتقدات وأفكار سائدة، وتسود الصورة النمطية بالفعل، وتُعمم على العينات كافة الموجودة من الفئة ذاتها، وبالتالي تعتبر صورة زوجة الأب القاسية نتاج مجتمع قد يحكم مسبقاً على الأمور من خلال تجارب وخبرات توارثها المجتمع جيلاً بعد جيل.

Thumbnail

ويرى ناصر أن الصورة العامة عادة ما تبقى وترسخ ولا تزول بسهولة، خاصة إذا كان المجتمع متأثرا بوسائل الإعلام التي تساهم في تأكيد الأفكار وتعميمها وترسيخها في الوقت ذاته، مبيناً أن المجتمع ما هو إلا مجموعة من الأفراد الذين يعيشون تجارب في حياتهم وتؤثر على معتقداتهم فيما بعد. وتابع موضحا “نحذّر من تلك السيدة باعتبارها جانية، من دون أن ندرك ملابسات حياتها ولا حتى الضغوط التي تخضع لها.

ولفت الخبراء إلى أن زوجة الأب تستحق المزيد من التعاطف نظرا إلى الصعوبات التي تعترضها في حياتها الجديدة صحبة أطفال يفترض أن تأسس معهم علاقة ودية تتسم بالتسامح والمصالحة، إلا أن أغلب الأطفال لا يتقبلونها ويرفضون وجودها كبديل عن أمهاتهم ويثير الكثير منهم المشكلات معها.

وأفادوا أن القسوة التي تتسم بها قد تكون نابعة من ردة فعل ناتجة عن عدم التقبل هذا، وما ينتج عنه من سلوكيات استفزازية يتبعها أبناء الزوج للتعبير عن رفضهم لوجودها بينهم، وهي بذلك تخاطر بترسيخ الصورة النمطية التي أرادت دائما تجنبها.

وتنصح عالمة النفس كاتارينا غرينه-فالد، المتخصصة في الشؤون العائلية، بضرورة التعامل مع هذا الوضع الجديد بوعي وجدية ومحاولة خلق نمط يربط ويقوي بين أفراد هذه العائلة الجديدة. مشيرة إلى أن هذا الأمر يصعب على الأطفال تقبله تماما، لاسيما وأنهم يحسون بأن هذه الزوجة الجديدة تسعى للاستيلاء على مكانة أمهم، أما ما يجهله كثيرون فهو أن زوجة الأب تحاول أن تبحث مع شريك حياتها الوضع بدقة، وتسعى غالبا إلى إرضاء أطفاله.

أحمد الأبيض: المعاملة الإيجابية -مع تكرارها- تنهي الموافق السلبية

وأكد استشاري الطب النفسي ناصر العنزي أن الصورة السلبية لزوجة الأب متوارثة مجتمعيا نتيجة تلك العادات والتقاليد والقصص المتداولة، ومازالت نظرة المجتمع لها على أنها المرأة الشريرة والتي جاءت لأخذ الأب من أبنائه، وتعذيب الأبناء و تشريدهم، وأيضا الأنانية التي ستستولي على مكانة الزوجة الأولى، بالرغم من أن هناك أمهات أشد قسوة من زوجة الأب، و قد تكون نوايا زوجة الأب حسنة وطيبة تجاه الأسرة ولكنها لا تعرف كيف تتصرف مع الأبناء بمثالية.

ونصح المرأة التي تقبل أن تكون زوجة أب أن تتحلى بالصبر والشجاعة، وأن تكون واعية لتصرفاتها وتصرفات أبناء زوجها وتسعى إلى تعديل السلوكيات التي تصدر من الأبناء، وعليها أن تبذل الكثير من الجهد لكسب ثقتهم، و تجعلهم يتقبلون وجودها ويبادلونها الحب والاحترام، لتعيد بذلك توازن الأسرة وتخلق جوا أسريا سعيدا بعيدا عن المشاكل النفسية و الأسرية.

وأوضح أنه لا يمكن التعميم والحكم على زوجات الآباء بأنهن ظالمات ومستبدات، ويجب التعامل مع كل حالة على حدة، وليس هناك شك على أن التعامل الإيجابي والحنان أو التصرفات السلبية والقسوة في شخصية الإنسان تعتمد على طبيعة تلك الشخصية والبيئة التي نشأ فيها، فقد يكون الأبناء هم سبب العدوانية والأنانية التي تصدر من زوجة الأب، وذلك من خلال معاداتها والتسلط عليها وعلى أبناءها أو التعامل معهم بعنف أو إساءة الأدب معها وإفقادها هويتها في المنزل.

وقالت نانسي ريكر أستاذ مساعد في جامعة ولاية أوهايو إن زوجات الآباء لديهن أصعب الأدوار في الأسرة، وأظهرت البحوث أن معظمهن يصورن بصورة سلبية، وعادة ينظر إليهن على أنهن غير محبات للخير وعديمات النزاهة والرحمة وقليلات العطف، محبات للنكد وغير محبوبات وقاسيات وغير عادلات.

function sb_ads_shortcode() { $ads_code = ' '; return $ads_code; } add_shortcode( 'ads_shortcode', 'sb_ads_shortcode' );
%d مدونون معجبون بهذه: