تونس تراهن على استثمار حج الغريبة دبلوماسيا واقتصاديا – مصدر24

تونس تراهن على استثمار حج الغريبة دبلوماسيا واقتصاديا

تونس – تسعى السلطات التونسية لإنجاح حدث الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة بجزيرة جربة جنوب شرق البلاد، وسط توقّعات بحضور عدد كبير من الزائرين.

ويرى متابعون أن السلطات استعدت بشكل جيد لهذا الحدث لاسيما على الصعيدين الأمني واللوجستي، حيث ترغب السلطة في استثمار المناسبة لتحسين صورة البلاد التي تضررت بفعل غياب الاستقرار السياسي، وأيضا للترويج للموسم السياحي المقبل. وستشرع جزيرة جربة الأربعاء المقبل في استقبال وفود الحجيج اليهود من مختلف أنحاء العالم، لممارسة شعائرهم الدينية السنوية.

وينظَّم الحج إلى كنيس الغريبة كل عام في اليوم الثالث والثلاثين من عيد الفصح اليهودي. وهو في صميم تقاليد اليهود التونسيين الذين لا يزيد عددهم على 1500، معظمهم يعيشون في جزيرة جربة، مقابل مئة ألف قبل الاستقلال عام 1956.

ويأتي الحجاج أيضا من دول أوروبية والولايات المتحدة وإسرائيل، لكن تراجع عددهم بشكل كبير بعد هجوم انتحاري بشاحنة مفخخة استهدف كنيسا عام 2002 وأدى إلى مقتل 21 شخصا.

رافع الطبيب: الحج إلى الغريبة فاتحة للموسم السياحي في البلاد

وتوقع رئيس الطائفة اليهودية بيريز الطرابلسي وصول أكثر من خمسة آلاف زائر يهودي إلى تونس للمشاركة في هذا الحدث الديني السنوي، وهو رقم مرتفع مقارنة بالعام الماضي -حيث شارك في الحدث اليهود التونسيون وعدد قليل من الدول الأخرى- بسبب الإجراءات الصحيّة المشددة التي فرضتها السلطات في ظلّ تفشّي فايروس كورونا.

وأشار الطرابلسي في تصريح صحافي إلى تسجيل طلب كبير من الأجانب للسفر إلى تونس والمشاركة في مراسم الحج بالجزيرة، مؤكدا على الاستعدادات الأمنية الحثيثة لتأمين الحدث وحماية الزوّار.

وألغي الحج في العام 2020 وأغلق كنيس الغريبة -وهو الأقدم في أفريقيا- للحد من مخاطر تفشي الوباء.

وسبق أن قال وزير الداخلية توفيق شرف الدين خلال الزيارة التي قام بها إلى معبد الغريبة للاطلاع على جاهزية قوات الأمن لهذه المناسبة الدينية إن “الجزيرة آمنة وتونس آمنة وكل من سيدخلها سيكون آمنا”.

وأكد في تصريحات صحافية على أن “الجاهزية كاملة والاستعدادات الأمنية متميزة”، مشيرا إلى وجود “تمركز أمني هام وروح معنوية عالية من شأنها طمأنة كل زائر للبلاد وتوجّه رسالة بأن تونس بلد آمن، بلد التسامح والتعايش”.

وأوضح أن “جربة ستكون قبلة لأكثر من محطة هامة لها أبعاد كبرى سياحية وثقافية وأمنية، وهو ما يستوجب إيلاءها الأهمية التي تستحق، كما أنها تستعد لاحتضان هذه المحطات وفي مقدمتها زيارة الغريبة وصولا إلى القمة الفرانكفونية”.

ومن المنتظر أن تنتظم زيارة الغريبة هذا العام في الثامن عشر من مايو الجاري، إلى جانب انطلاق الموسم السياحي وقمة الفرانكفونية في شهر نوفمبر المقبل.

ويحظى معبد الغريبة بأهمية كبرى لدى اليهود المنتشرين في العالم، لأنه أحد أقدم المعابد اليهودية، إذ يعود تاريخه إلى 2500 عام، وفيه أقدم نسخة للتوراة.

ويقع معبد الغريبة في قرية صغيرة بجزيرة جربة، وتسمى “الحارة الصغيرة” حاليا، ويقطنها قرابة 1300 يهودي.

وتسعى تونس كل عام لاستغلال هذا الحدث الديني من أجل ترويج صورتها في الخارج قبل بدء الموسم السياحي الصيفي، بهدف جلب أكبر عدد من السياح الأجانب الذين تراجعت أعدادهم خلال السنوات الأخيرة بسبب الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد، فضلا عن تداعيات جائحة كورونا.

وشدّد مراقبون على وجود ارتباط وثيق بين حجّ الغريبة ونجاح الموسم السياحي في جربة التي تعدّ واحدة من أهم الوجهات السياحية في تونس، وسط دعوات إلى حسن استثمار المناسبة بأبعادها الاقتصادية والتجارية.

كريم شنيبة: من بين الجوانب التي يجب استثمارها إرساء قواعد السياحة الدينية

وقال الباحث في الشأن السياسي رافع الطبيب “تقليديا الحج إلى الغريبة يكون فاتحة للموسم السياحي، وإذا نجحت زيارة الغريبة يكون الموسم السياحي ناجحا، وهذه السنة هناك استعداد أمني ولوجستي جيد، خصوصا بعد تداعيات جائحة كورونا في السنتين الماضيتين، وتونس ستعمل على الاستثمار في هذه المناسبة”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “دبلوماسيا هناك حملة ضدّ الرئيس التونسي قيس سعيّد، والزيارة يمكن أن تبيّن من خلالها تونس كيفية الفصل بين الجانب الديني والمصالح السياسية، وهناك من يريد التشويش على هذه الزيارة ويسوّق كونها ذات مسار تطبيعي، لكن المسألة بعيدة جدا عن ذلك”.

وتابع الطبيب “جزيرة جربة منطقة آمنة وتم تصنيفها من بين ثماني مناطق يمكن زيارتها، لكن ما يثير القلق هو أن تونس قريبة من مناطق العنف والإرهاب في ليبيا، وجربة ليست بعيدة عن الحدود الليبية، وبالتالي هناك تخوّف من استهداف تونس من الخارج”.

واستطرد “إن هناك تصميما على إنجاح هذه الزيارة والبلاد تدرك جيّدا أنها في دائرة الاستهداف، كما أن الصراع في البلاد أصبح همجيّا”.

ويؤكّد متابعون على أن الحدث السنوي يعكس قيم التعايش المشترك وقبول الآخر. ويوضح في هذا السياق كريم شنيبة المتخصص في الحركات الدينية أن “حجّ الغريبة أصبح جزءا من الهوية التونسية، وهو حدث قائم منذ سنين طويلة، ولا يستفيد منه فقط اليهود، بل كل سكان الجزيرة وما جاورها”.

وقال في تصريحات لـ”العرب”، “من بين الجوانب التي يجب استثمارها بالنسبة إلى السلطات التونسية تثمين المعالم الدينية وإرساء قواعد السياحة الدينية، ونحن ندفع نحو ترسيخ قيم التعايش المشترك لأننا نحتكم إلى دولة قائمة على القانون والدستور والمواطنة”.

واعتبر شنيبة أن “الأقليات الدينية يمكن أن توظّف في الصراعات السياسية، وكلما امتزج الديني بالسياسي أحدث خلطا كبيرا، وتونس مطالبة اليوم باستثمار هذه المناسبة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية لأننا نتحدث عن زيارة مواطنين وسيّاح من كل أنحاء العالم، وهو ما يمكن أن يفتح آفاقا واسعة، فضلا عن تنظيم منتديات اقتصادية وفكرية وثقافية على هامش المناسبة”.

وتشهد جزيرة جربة تعزيزات أمنية هامة تجاوزت محيط معبد الغريبة، لتشمل المنطقة السياحية ومداخل الجزيرة، برا وبحرا وجوا، إلى جانب تركيز نقاط أمنية على الطرقات وبمفترقات الطرق، في إطار الاستعدادات الأمنية لهذا الحدث السنوي.

خالد هدوي

صحافي تونسي

'
%d مدونون معجبون بهذه: