جدل في لبنان حول المطالبة باستقالة الرئيس

جدل في لبنان حول المطالبة باستقالة الرئيس

بيروت- أثارت التصريحات التي أدلى بها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لـ “العرب” حول المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية ميشال عون جدلا سياسيا حول وجاهة ذلك وقدرة القوى السياسية على تسويق الأمر من ضمن تحالفات سياسية خلاقة لإخراج البلد من مأزقه الحقيقي.

ورأت أوساط مراقبة أنه يجب الاعتراف بأن المأزقين الاقتصادي والمالي هما نتيجة للمأزق السياسي، وأنه يجب البدء بتغيير سياسي جذري، وأن الانخراط في جهود تقنية تعالج الخلل المالي وتقارب استحقاق المديونية الذي تعد به الحكومة الحالية لا يمكن أن يكتب لها النجاح دون إعادة ترشيق القاعدة السياسية للبلد.

وكان جنبلاط قد دعا، الأربعاء، إلى اصطفاف وطني عريض يدفع باتجاه استقالة الرئيس اللبناني ميشال عون. وعبر جنبلاط في تصريح لـ “العرب” عن عدم قدرته على تحمل مسؤولية الدعوة إلى استقالة عون وحده، من دون اصطفاف وطني عريض لتحقيق ذلك، منبها إلى أن عهد الرئيس عون “وصل إلى أفق مسدود ولا بد من التغيير“.

وتمسّ دعوة جنبلاط جوهر المشكلة في لبنان المتمثلة بالعهد برمته الذي ينتهج مسالك تدميرية للبلد جعلته خاضعا لهيمنة حزب الله وأجندة النظام الحاكم في إيران. ويقول منتقدون إن إدارة البلاد شرّعت الفساد وجعلته وجهة نظر في خدمة منظومة سياسية تعمل على إرضاء حزب الله والاعتماد على شبكة زبائنية تحضّر البنى التحتية اللازمة تتيح لرئيس التيار الوطني الحر، صهر الرئيس عون، خلافة عمه في منصب رئاسة الجمهورية.

فارس سعيد: في استقالة رئيس الجمهورية ميشال عون إنقاذ وطني

وكانت تقارير تحدثت عن صحة عون وسلطت الضوء حول مدى إمكانية استمراره في شغل منصبه في بعبدا. فيما سرت معلومات عن أن صهره وزير الخارجية جبران باسيل قد أثار مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، في زيارته الأخيرة له إلى بكركي، مسألة استعداد عون للتنحي عن منصبه شرط أن تتأمن خلافته في هذا المنصب لباسيل، داعيا البطريرك إلى مساعدته في منحه “بركة” البطريركية وفي تسويق الأمر لدى البابوية في الفاتيكان.

ويرى باسيل أن موازين القوى داخل مجلس النواب الحالي تسمح بمنحه الأغلبية بضغوط مباشرة من حزب الله. في المقابل، لم ترد أي معلومات حول ما إذا كان الراعي قد أثار الموضوع مع البابا فرنسيس. غير أن غياب أي رد من البطريرك بشارة الراعي، لم يخفت من الجدل، خاصة بعد المواقف التي عبر عنها راعي أبرشية بيروت بولس عبدالساتر بمناسبة عيد مار مارون، وأثارت أسئلة حول ما إذا كانت العظة تعبر بشكل غير مباشر عن غضب البطريركية على العهد.

وشكلت عظة عبدالساتر صدمة سياسية هائلة بجرأتها وصراحتها. ورأى معلقون أن العظة كانت أشبه بـ”بيان ثوري”، يذكر بشجاعة البطريرك الراحل نصرالله بطرس صفير، وأنها كانت أشبه بالإدانة الشديدة لأقطاب السلطة إلى حد الدعوة الصريحة لهم بالاستقالة، بعدما وصمهم بالفشل وسوء الأداء.

وفي تعليق بقية الأطراف السياسية عما تردد بشأن عون وباسيل، نقل عن مصادر في حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع عدم التعويل كثيرا على إمكانية تقديم عون لاستقالته. ولمحت المصادر إلى عدم أهمية هذه الاستقالة طالما أن دستور الطائف عهد لمجلس الوزراء مجتمعا بالصلاحيات الكبرى لإدارة شؤون الدولة.

وتعتبر القوات أن موازين القوى الحالية لا تسمح بتغير سياسي كبير حتى في حال الاستقالة، وأن باسيل سيعمل وفق نفس موازين القوى التي أتت بعمّه عون رئيسا للجمهورية على تسويق نفسه لهذا المنصب، وأن أمر الاستقالة قد يتيح فراغا جديدا في سدة الرئاسة إذا لم يكن أمر البديل محسوما لدى حزب الله.

ويعتقد محللون أنه كان من السهل على حزب الله أن يسوق عون لرئاسة الجمهورية لدى حلفائه داخل تجمع 8 آذار كونه قاد تيارا مسيحيا عريضا وفّر للحزب من خلال “وثيقة التفاهم” التي وقعها مع أمين عام حزب الله حسن نصرالله في كنيسة ما مخايل في 6 فبراير 2006، غطاء مسيحيا ضروريا داخل المشهدين السياسيين اللبناني والدولي.

ولا شكّ أن مهمة حزب الله ستكون أكثر صعوبة هذه المرة في تأمين غالبية برلمانية حليفة، وهو بالكاد استطاع تأمين الثقة بحكومة حسان دياب في جلسة لم يكتمل نصابها إلا من خلال مشاركة كتل من خارج تحالفات حزب الله.

وعلى الرغم من تمسك حزب الله بالمرشح عون ومنع حصول انتخابات حتى يتم التأكد من فوزه، إلا أن الحزب لم يستطع فرضه إلا بعد أن دخل حزب القوات اللبنانية وتيار المستقبل بزعامة سعد الحريري في تسوية جرى بموجبها دعم ترشح عون في الانتخابات الرئاسية عام 2016.

لكن اليوم تجعل القطيعة الحالية بين القوات وباسيل كما القطيعة التي تتأكد ملامحها بين المستقبل وباسيل ناهيك عن الموقف السلبي لزعيم تيار المردة سليمان فرنجية (حليف حزب الله ودمشق) من الصعب تخيل تسويق الحزب لباسيل رئيسا.

وعلى الرغم من عدم صدور موقف رسمي من مطالبة جنبلاط باستقالة عون، إلا أن تقارير إعلامية في بيروت نقلت عن مصادر تيار المستقبل تأييدا لمطلب جنبلاط معتبرة أن رئيس الجمهورية بعد الانتخابات النيابية الأخيرة والفوز الملفت للتيار الوطني الحر بموجب القانون الانتخابي الغريب العجيب، لم يعد يفرّق بين موقعه كرئيس للبلاد وموقعه كرئيس للتيار الوطني الحر. لذلك فإن استقالته أفضل للمحافظة على ما تبقّى له من رصيد سياسي قبل أن يفقده بالكامل بسبب تعاطي صهره مع القوى السياسية بكيدية وفوقية؛ وتدخله في شؤون الرئاسة وطمعه وإصراره على استباحة كل شيء من خلال السيطرة على المرافق الإنتاجية أو السعي لخلافة عمّه في الرئاسة.

دعوة وليد جنبلاط تمس جوهر المشكلة في لبنان المتمثلة بالعهد برمته الذي ينتهج مسالك تدميرية للبلد
دعوة وليد جنبلاط تمس جوهر المشكلة في لبنان المتمثلة بالعهد برمته الذي ينتهج مسالك تدميرية للبلد

وفي هذا الإطار قال النائب السابق فارس سعيد، في تصريحات لـ “العرب، “بعد أن تحوّل الرئيس عون رمزا لوصاية إيران على لبنان، وبعد أن شعر الفرقاء أنه يوظّف علاقته مع حزب الله مشروع غلبة في الداخل، أرى تحت الرماد وميض جمر وأخشى أن يتحوّل هذا الواقع إلى مادة اعتراض وطني جامع يضاف إلى فشل العهد في كل المجالات: المالية والاقتصادية والمعيشية والسياسية”.

ورأى سعيد، الذي كان يشغل منصب منسق تحالف 14 آذار وهو عضو في “لقاء سيدة جبل”، أن في استقالة عون “إنقاذا وطنيا”.

مسألة استقالة رئيس الجمهورية لطالما تطرح أسئلة لدى المارونية السياسية حول ما يتهدد موقعها السياسي في البلد. ويتذكّر اللبنانيون كيف أن البطريرك الراحل نصرالله صفير، الذي كان خصما للوصاية السورية على لبنان وخصما لـ “رجلها” في بعبدا إميل لحود ما بين عامي 1998-2007، وقف ضد السعي للإطاحة به بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري عام 2005. ولا شكّ في أن استقالة عون، الماروني، بعد استقالة الحريري، السني، من موقعهما سيطرح مسألة استقالة نبيه بري (الشيعي) من موقعه في رئاسة مجلس النواب، وهو أمر ليس على أجندة الثنائية الشيعية هذه الأيام.

وفي خضم الغليان الذي يعيشه لبنان، تطرح أسئلة حول الموقفين الإقليمي والدولي، خاصة في ظل غياب أي مؤشر يوحي بتوجه إقليمي ودولي يتيح اصطفافا سياسيا جديدا على النحو الذي يلمح له جنبلاط، لكن لا تظهر بوادر للإفراج قريبا عن تسوية تتيح تبدلا في رأس السلطة في لبنان.

%d مدونون معجبون بهذه: