حسابات سياسية واقتصادية تدفع السودان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل

حسابات سياسية واقتصادية تدفع السودان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل

الخرطوم – أثار اللقاء الذي جمع الاثنين في أوغندا رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضجّة واسعة في السودان حيث تباينت المواقف بشأن هذا اللقاء، ولعل النقطة الأبرز التي أخذت حيّزا كبيرا في النقاش هو إعلان الحكومة التي يرأسها عبدالله حمدوك عدم علمها مسبقا به.

وعقد البرهان الثلاثاء اجتماعا مع المجلس السيادي لاطلاعه على ما جرى في اجتماعه مع نتنياهو الذي أكد في وقت سابق أن اللقاء تناول تطبيع العلاقات بين البلدين.

ويعكس تباين المواقف السودانية حيال هذا اللقاء أن هناك شقا لا بأس به يتبنّى نهجا براغماتيا في التعاطي مع هذا التطور، ويراهن على أن تكون الخطوة بادرة لتخفيف حدة الأزمات في السودان، لما تملكه إسرائيل من علاقات متشابكة مع جهات دولية كبرى، قادرة على أن تسهم في تجاوز جزء من أزمات السودان المتراكمة، خاصة على الصعيد الاقتصادي.

ويمرّ السودان بوضع انتقالي حساس في ظل تحديات كبرى لعل من بينها الأزمة الاقتصادية التي يتخبّط فيها، ويعجز حتى اللحظة عن جلب دعم دولي لحلها بسبب وجوده خصوصا في القائمة الأميركية للدول الداعمة للإرهاب.

ويراهن جزء من السلطة في السودان ومن بينه البرهان على إقناع إسرائيل الولايات المتحدة بضرورة شطبه من هذه القائمة التي تحجب عنه المساعدات الدولية وتنفر المستثمرين الأجانب.

وكانت الأزمة الاقتصادية السبب الرئيسي في انتفاض الشعب السوداني على نظام حكم الرئيس عمر البشير، ولئن يبدي الشارع تحملا لاستمرار وطأة هذه الأزمة إلا أن هناك خشية لدى مؤثثي السلطة الحالية بأن هذا الوضع لن يطول وبالتالي ضرورة التحرّك وطرق الأبواب لمعالجة هذه الأزمة.

مبارك الفاضل المهدي: خطوة جريئة وشجاعة تخدم المصلحة السودانية

وفي الوقت الذي انشغلت فيه الحكومة وقوى الحرية والتغيير والشارع في السودان بفرز سلبيات وإيجابيات هذا اللقاء، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن مناقشته الكثير من الملفات والقضايا الحيوية، بينها أمن البحر الأحمر، ووقف تهريب الأسلحة إلى غزة، والتحالف الإقليمي ضد المد الإيراني، وتسهيل خطة توطيد علاقات إسرائيل مع الدول العربية والأفريقية.

علاوة على تسوية أزمة اللاجئين السودانيين، وعددهم نحو 7 آلاف شخص، حيث تسعى إسرائيل إلى ترحيلهم وسط رفض من المجتمع الدولي، والاتفاق على فتح المجال الجوي السوداني أمام الطيران الإسرائيلي المتجه لغرب ووسط أفريقيا، وضمان مصالح الخرطوم المائية، حيث تتمتع إسرائيل بعلاقات قوية مع دول حوض النيل.

وقال مكتب نتنياهو، إنه تم الاتفاق على “بدء التعاون للوصول إلى التطبيع الكامل في علاقة البلدين”، وأن السودان يسير في “اتجاه إيجابي جديد”.

وتأتي هذه التفاصيل في ظل تحوّل إسرائيل إلى عنصر مؤثر في عمق قارة أفريقيا، وباتت تمتلك شبكة قوية من العلاقات مع عدد كبير من دولها.

وعقد اللقاء في عنتيبي بأوغندا، بعد إعلان السودان أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وجه دعوة إلى البرهان لزيارة واشنطن قريبا لبحث العلاقات الثنائية. وكتب بومبيو، عبر حسابه على موقع تويتر، الثلاثاء، “مشاورات بنّاءة جرت مع الجنرال البرهان، لقد أكدنا على رغبتنا المشتركة في تحسين المشاركة الفاعلة للسودان في المنطقة والمجتمع الدولي والعمل باتجاه علاقات أميركية – سودانية أقوى وأكثر ازدهارا”.

وتم الإعداد جيّدا للقاء، وعلمت به دول قليلة، ووافق عليه البرهان لمساهمته في تسريع خطوات رفع اسم بلاده من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، مع متانة العلاقات بين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب.

ولم تستبعد مصادر سودانية، وجود علاقة بين تطوير علاقات الخرطوم مع تل أبيب وتلقّي مساعدات اقتصادية سخية من الولايات المتحدة ودول غربية عدّة لاحقا.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة بجري بالخرطوم، أبوالقاسم إبراهيم آدم، أن اختيار رأس الجسم العسكري لهذا اللقاء يبرهن على الثقة التي يحظى بها هذا المكوّن لدى دوائر أميركية محسوبة على الحزب الجمهوري.

ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى أن البرهان يتوقع دورا ما لنتنياهو في مسألة رفع اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، حال قدّم الرجل ما يثبت جديته في التعاون مع إسرائيل عبر مجالات عدة تضمن حضورا قويا لإسرائيل في أفريقيا، خاصة أن الظروف الاقتصادية الضاغطة على السلطة الانتقالية يمكن أن تسهّل تمرير علاقة علنية بين الخرطوم وتل أبيب. وتكمن الخطورة في أن تسفر نتائج اللقاء عن عدم الوصول إلى الهدف المرجو، سياسيا واقتصاديا، لأنها قد تزيد من الضغوط الأميركية على الخرطوم للحصول على تنازلات نوعية لتطوير العلاقات مع إسرائيل، وإجبارها على عقد اتفاقيات استراتيجية تمكّن واشنطن من حصد مكاسب في مواجهة المنافسة الضارية مع الصين في أفريقيا.

ومن الواضح أن لنتنياهو أغراضا انتخابية خلف هذا اللقاء الذي يأتي قبل شهر فقط من الانتخابات التشريعية في إسرائيل والتي تكتسي أهمية كبرى بالنسبة لـ”بيبي” خاصة وأنه يواجه اتهامات بالفساد، وأراد على ما يبدو توصيل رسالة للداخل الإسرائيلي توحي بأنه يحقق تقدّما في العلاقات مع الدول العربية والأفريقية، وأنه نجح في اختراق إحدى دول الممانعة.

وتفاوتت ردّات الفعل السياسية بين القوى المختلفة في السودان، ففي الوقت الذي تعاملت فيه قوى الوسط بهدوء وواقعية مع اللقاء، اعتبرته قوى اليسار في السودان “ردة على مبادئ الثورة”.

ووصف رئيس حزب الأمة السوداني، مبارك الفاضل المهدي، اللقاء بأنه “خطوة جريئة وشجاعة، تخدم المصلحة السودانية في رفع العقوبات الأميركية، وفي مقدمتها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب”.

وقال القيادي بتحالف الحرية والتغيير، نورالدين صلاح الدين، لـ”العرب”، إن التحالف ينظر إلى اللقاء كعنصر يؤثر سلبا على المرحلة الانتقالية التي قد تشهد المزيد من المشكلات لتنامي الشعور بعدم ثقة الشارع في السلطة، وتراجع التناغم بين المكوّن العسكري والمدني فيها.

البحث عن جلب دعم دولي
البحث عن جلب دعم دولي
%d مدونون معجبون بهذه: