خدعة الطاقة القابلة للتجديد بين فرضيتي الصراع والتعاون

تشكل الرغبة في تجاوز أزمة الطاقة وسلبيات الاعتماد التام على النفط والغاز المحرّك لمعظم بلدان العالم نحو البحث عن استراتيجيات جديدة وبدائل طاقية أفضل. ومع أن هذا الاتجاه بدا سائدا خلال السنوات القليلة الماضية، لكنه بات محكوما بفرضيتين أساسيتين قوامهما: إما الدخول في صراع حتى لا تفقد الحكومات تحكمها في المصادر البديلة، وإما التعاون للخروج من أزمة محتملة قد تصبح كارثة مستقبلا.

جنيف – يرى مراقبون في مسار اعتماد الأسس الصديقة للبيئة أنه نتيجة لإدراك الحكومات حول العالم للمخاطر التي ينطوي عليها النظام الحالي في كيفية الحصول على الطاقة، والإمكانيات الاقتصادية التي توفرها قطاعات جديدة اتجهت للعمل بشكل كبير على الزيادة في الخطط، التي تؤكد على التحول باتجاه تحقيق الطاقة المستدامة.

وقد جرى الحديث عن تحول الطاقة لسنوات عديدة، غير أن فايروس كورونا المستجد أعطى العالم الآن فرصة لتحقيق ذلك بسرعة أكبر مما كان الجميع يتخيله في حال تم اتخاذ الخطوات الصحيحة.

ولئن حملت الاكتشافات المتتالية لموارد الطاقة في العديد من الأماكن، ولاسيما في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، بشائر خير لدول المنطقة، فقد أضحت تُنبئ في وجه آخر من وجوهها بإمكانية اندلاع صراع حول هذه الموارد، ما عزز  فرضية التعاون من أجل إيجاد مصادر جديدة. ولكن أي خدعة قد تفرزها الطاقة القابلة للتجديد في خضم ما يحصل اليوم؟

ثلاثة اتجاهات

حتى تستطيع الدول مواجهة مشكلة توفير الكهرباء من المصادر المتجددة، اعتمد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير حديث ثلاثة اتجاهات يمكن أن تسرّع من هذه العملية. ويقول خبراء أعدوا تقريرا نشره المنتدى على موقعه الإلكتروني إن المخاطر تكمن أساسا في أنه بمجرد السيطرة على الوباء، وهذا أمر غير مؤكد الآن، فإنه يمكن أن يرتد الطلب والانبعاثات ببساطة إلى مستويات ما قبل انتشار الفايروس. ومع ذلك، فهناك فرصة صغيرة فقط لمنع حدوث ذلك وتحديد المسار إلى المستقبل.

ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، فإن العالم بحاجة إلى التحرك بشكل أسرع قبل نهاية عام 2020. وبالنسبة لقطاع الطاقة، يعتقد المختصون أن هذا سيعني تسريع سلسلة من الاتجاهات الجارية بالفعل وهي إزالة الكربون واللامركزية والرقمنة.

ومن المرجّح أن يستمر الاتجاه الحالي نحو العمل عن بُعد وعمليات التجارة في النمو، ليس أقلها كوسيلة لإدارة مخاطر الاضطرابات المستقبلية. وبالتالي يمكن توقع انخفاض استهلاك الطاقة بدعم من تدابير الحفاظ على الطاقة المستدامة.

وإلى جانب ذلك، ستستمر عملية الكهربة والطاقة المتجددة في التوسع، في حين أن الاستثمارات في الوقود الأحفوري آخذة في الانخفاض بالفعل، وهذا جزئيّا يأتي استجابة لتغير المناخ، إلا أنه أيضا رد فعل على عائدات أصغر باستمرار، كما يتضح من الانخفاض المستمر في أسعار النفط.

الوباء يدفع باتجاه تسريع سلسلة من الاتجاهات الجارية بالفعل وهي إزالة الكربون واللامركزية والرقمنة

ومن وجهة نظر شركات صناعية عملاقة، فقد كشفت عن تحدّيَيْن رئيسيَيْن يواجهان عملية الكهربة، الأول هو أن الطاقة المتجددة متقطعة. ويتمثل أحد الأساليب في تطوير التخزين على نطاق واسع، مع أحد أكبر المخططات في العالم، وهو التخزين المتقدم للطاقة النظيفة، والذي هو قيد التنفيذ في ولاية يوتا بالولايات المتحدة، بينما يتم استكشاف أنواع مختلفة من التخزين للطاقة المتجددة الزائدة، بما في ذلك تشغيل عملية التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين.

ويُنظر أيضا إلى الهيدروجين على نطاق واسع على أنه حل للتحدي الثاني، والمتمثل في تسهيل مسار ما يسمّى بالقطاعات التي يصعب تخفيفها. وهذه هي الصناعات التي تجد صعوبة في كهربة عملياتها أو تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مثل النقل الثقيل والطيران وصناعة الصلب وإنتاج الإسمنت.

وثمة الكثير من الخطط السياسات الحكومية في طريقها للتنفيذ لدعم الانتقال إلى الهيدروجين. فمثلا أعلنت المفوضية الأوروبية عن استراتيجيتها الخاصة بالهيدروجين لتطوير ما يُعد حاليا سوقا متخصصا إلى المستوى المطلوب.

ولكن هذا المستوى يعني زيادة الطلب وهو ما لا يمكن تلبيته حاليا بواسطة الهيدروجين الأخضر، والذي لا يزال وليدا. وقد أقرت المفوضية الأوروبية بأنها ستحتاج إلى اتخاذ منعطف عبر إنتاج الهيدروجين “الأزرق”، والذي يعمل على إصلاح الهيدروجين من الغاز الطبيعي، ويلتقط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خلال عملية استخلاص الكربون وتخزينه.

ويؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن العنصر الأساسي في تسريع انتقال الطاقة هو اللامركزية، وهو تحول بعيدٌ عن النموذج التقليدي لعمل مرافق الطاقة، حيث تقوم شركات الطاقة الاحتكارية بتوزيع طاقتها من محطات الطاقة الكبيرة إلى المستخدم النهائي.

منظمة أوكسفام: عُشر أثرياء العالم مسؤولون عن نصف انبعاثات الكربون

منظمة أوكسفام: عُشر أثرياء العالم مسؤولون عن نصف انبعاثات الكربون

ويقول المختصون إن الذي يمكن أن يحل محل النموذج التقليدي هو إيجاد شبكة توزيع للطاقة تعمل بنموذج ديمقراطي يدير فيه مستهلكو الطاقة محفظة الطاقة الخاصة بهم ويمكن أن يشمل هذا الهيكل مصادر الطاقة البديلة والمنازل والمصانع، والبطاريات وخلايا الوقود. وفي النموذج المركزي، يتم توليد المزيد من الطاقة وتوزيعها عند ذروة الطلب، أما في النظام اللامركزي، تُستخدم استجابة الطلب لإدارة التوزيع واستقرار الشبكة، حيث يكون عدد مستهلكي الطاقة والمعدات وأنماط الطلب التي يجب تنسيقها  مهولا.

وقامت العديد من الدول وشركات الطاقة بتجربة آليات السوق الجديدة لإدارة هذه التحديات بطريقة تطرح حوافز جديدة للمستخدمين، منها على سبيل المثال سوق كورنوال للطاقة المحلية أو فيرمونت غرين.

وتعتبر الرقمنة شيئا أساسيا في هذه العملية برمتها باعتبارها عاملا حاسما لنجاح مثل هذه المخططات، والتي تلقى المزيد من الدعم في أعقاب الوباء، حيث أضحت الحاجة ملحة اليوم إلى درجة عالية من الأتمتة لإدارة نظام مدعوم من مجموعة متنوعة ومتزايدة من مصادر الطاقة.

وتعد تقنيات الدعم، مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وإنترنت الأشياء والبلوك تشين ضرورية لتحليل الطلب وتعديل مقدار الطاقة المستمدة من المكان عبر الشبكة الموزعة. وحتى الآن لم يتم استغلال هذه الأنواع من التطبيقات بالكامل في صناعة الطاقة ولتنسيق الأجزاء الفردية من أنظمة الطاقة الجديدة بشكل فعال.

ومن الأهمية اليوم أن تنتقل الرقمنة من مرحلة تكنولوجيا المعلومات غير الرسمية، إذ لا تزال العديد من الشركات الخاصة تقوم بمثل هذه التجارب بشكل أساسي، إلى مرحلة تكنولوجيا المعلومات الجادة، إذ تصبح التقنيات الرقمية ناضجة ومتكاملة تماما وحيوية لمواصلة الأعمال.

الطريق الصحيح

حتى يتجنب العالم انتكاسة كربونية محتملة، تصرّ المنظمات الدولية على أن يكون الدفع بهذه الاتجاهات الثلاثة أولوية فورية لشركات الطاقة والهيئات التنظيمية وصانعي السياسات مع تراجع جائحة كورونا وخروجنا منها.

ويعتقد المختصون أن التقدم الناجح في إزالة الكربون واللامركزية والرقمنة خطوة محورية ولكنها تحتاج إلى تعاون في كل المراحل وعدم حجب التكنولوجيا الخاصة بذلك لأنها تدخل في باب الصراعات الخفية التي قد تزيد من المشكلة في العقود القادمة.

ويرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن المجتمع عليه أن يتكاتف ويتقدم إلى الأمام ككتلة واحدة سواء عند القيام بـ”إعادة تركيب” البنية التحتية القديمة أو تصميم أنظمة الطاقة من الصفر، لأن ذلك يتطلب موازنة الأولويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

كما يمكن أن يساعد اعتماد مناهج الاقتصاد القياسي، مثل مؤشر كيو.أو.إي.أن لبنية الطاقة التحتية، المدن في جميع أنحاء العالم على تحقيق هذا التوازن الدقيق. وبهذه الطريقة، يمكن للحكومات ومخططي المدن التأكد من حصولنا على البنية التحتية للطاقة في المستقبل، سواء بالنسبة للاحتياجات الاقتصادية أو من أجل البيئة.

وأفادت منظمة أوكسفام قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن مجموعة من الأثرياء تمثل واحد في المئة وهي الأغنى في العالم مسؤولة عن أكثر من ضعف انبعاثات الكربون التي ينتجها نصف سكان العالم الأكثر فقرا. وقد دعت في ضوء ذلك إلى فرض قيود على انبعاثات الكربون بين الأثرياء، وإلى المزيد من الاستثمار في البنية التحتية العامة وإعادة هيكلة الاقتصاد من أجل المزيد من العدالة المناخية.

ويركز تقرير أوكسفام على البيانات التي تم جمعها خلال الفترة بين عامي 1990 و2015، وهي الفترة التي تضاعفت فيها الانبعاثات في جميع أنحاء العالم، حيث أن أغنى عشرة في المئة من الأثرياء، أي ما يعادل 630 مليون شخص، مسؤولون عن أكثر من نصف (52 في المئة) انبعاثات الكربون خلال تلك الفترة.

وبينما كان 63 مليون شخص مسؤول عن 15 في المئة من الانبعاثات العالمية خلال تلك الفترة، فإن نصف سكان كوكب الأرض الأكثر فقرا كانوا مسؤولين عن 7 في المئة فقط من الانبعاثات في نفس الفترة.

%d مدونون معجبون بهذه: