رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي فرصة أمام ماكرون لتمديد ولايته

باريس – ستتولى فرنسا السبت الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في ظل أوضاع صعبة تتراوح بين تفشي المتحور أوميكرون عن فايروس كورونا والحشد العسكري الروسي على أبواب أوكرانيا، في خطوة قد تعطي دفعا للرئيس إيمانويل ماكرون مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ورأت كلير دوميمي، الباحثة في مركز مارك بلوك الفرنسي — الألماني في برلين، أن “هذه الرئاسة تمنحه منصة مواتية لإبراز حصيلته الأوروبية والتمايز عن بعض منافسيه وطرح مطالب جديدة وأفكار جديدة”.

وستتسلم فرنسا اعتبارا من الأول من يناير رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي الممثل لمصالح الدول الأعضاء الـ27 أمام المفوضية والبرلمان الأوروبيين، خلفا لسلوفينيا.

وسيتحتم على فرنسا استخدام نفوذها لدفع بعض المواضيع قدما والتوصل إلى تسويات بين الأعضاء الـ27 حتى لو منعها دور “الوسيط النزيه” هذا الخاضع لضوابط شديدة من أن تكون حكما وطرفا في آن واحد.

وسيترأس الوزراء الفرنسيون اجتماعات نظرائهم الأوروبيين كلّ في مجال اختصاصه مثل الزراعة والصحة والشؤون الداخلية وغيرها.

وهذه المرة الثالثة عشرة منذ 1958 التي تتولى فيها فرنسا رئاسة التكتل لنصف سنة، وكانت آخر مرة في 2008.

سيباستيان مايار: استعراض ماكرون لزعامته الأوروبية قد يعزز موقعه

وستتداخل الرئاسة الأوروبية مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العاشر والرابع والعشرين من أبريل، ومع الانتخابات التشريعية في يونيو.

وهو سيناريو سبق أن حصل عام 1995، بفارق أن فرنسوا ميتران كان في ذلك الحين يشارف على نهاية رئاسته بعد ولايتين متتاليتين وخلفه جاك شيراك في مايو، في حين أن ماكرون سيكون على الأرجح مرشحا لولاية جديدة.

وقالت دوميمي “ستكون أمام فرنسا (بحكم الأمر الواقع) فترة قصيرة جدا للرئاسة، وأجندة طموحة جدا. ثلاثة أشهر مدة قصيرة جدا جدا، سيتعين التحرك بسرعة كبيرة”.

وبعدما انتخب ماكرون عام 2017 بناء على برنامج مؤيد لأوروبا رفع شعار “أوروبا قوية في العالم” هدفا للرئاسة الفرنسية للاتحاد.

ورأى سيباستيان مايار مدير معهد جاك دولور في باريس أنه “لا يمكنه الوصول إلى الدورة الأولى في العاشر من أبريل دون أن يكون قد حقق بعض النتائج في رئاسته الأوروبية. هذه هي الصعوبة التي يواجهها، لكنها قد تشكل أيضا فرصة حقيقية”.

وحدد ماكرون ثلاث أولويات للرئاسة الفرنسية، هي تحديد حد أدنى للأجور في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي، وضبط عمالقة الإنترنت، وفرض ضريبة كربون على الحدود، وهي أهداف يمكن لفرنسا أن تأمل في تحقيق نتائج بشأنها.

ولفت مايار إلى أن القمة غير الرسمية لرؤساء الدول والحكومات في العاشر والحادي عشر من مارس في فرنسا لبحث إصلاح ميثاق الاستقرار والنمو لمنطقة اليورو، هي موضوع يهمّ فرنسا وقد يشكل “إنجازا سياسيا ملفتا”.

وأوضح أن “استعراض زعامته الأوروبية وهو محاط بنظرائه قبل شهر من الدورة الأولى قد يعزز موقعه”.

وتوفر الأزمات للرؤساء أيضا منبرا من الطراز الأول. ففي 2008 طرح نيكولا ساركوزي نفسه في موقع زعيم أوروبا خلال الأزمة المالية التي نجمت عن إفلاس بنك ليمان براذرز والهجوم العسكري الروسي في جورجيا.

أما ماكرون فيمكنه رفع صوت أوروبا في المفاوضات الروسية – الأميركية المرتقبة حول أوكرانيا والأمن الأوروبي.

وكتب ميشال دوكلو السفير السابق في مقال نشرته صحيفة “لوبينيون” الفرنسية “ربما يمنحه التاريخ فرصة لبلورة رؤية أوروبية” حيال هذه التحديات.

وقد لا يخلو هذا الرهان على أوروبا من مخاطر في بلد يعتبر من الأكثر تشكيكا في جدوى الاتحاد، ولا يزال ينظر إلى التكتل على أنه بعيد عن الناس العاديين وشديد البيروقراطية.

وأظهرت دراسة أجراها معهد “يوروبا نوفا” لحساب صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” أن 29 في المئة فقط من الفرنسيين يودون المزيد من الاندماج الأوروبي، مقابل 50 في المئة من الإيطاليين و43 في المئة من الألمان.

غير أن بيار سلال الممثل الفرنسي سابقا لدى الاتحاد الأوروبي رأى أن “رئاسة الاتحاد الأوروبي يمكن أن تساهم في تصحيح هذا الانطباع إذ تتيح تجسيد أوروبا في شخص إيمانويل ماكرون ولصالحه”.

باريس ستتولى الرئاسة الدورية للاتحاد في ظل أوضاع صعبة لكنها قد تعطي دفعا للرئيس ماكرون مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية

وأضاف “كما أن الفرنسيين شديدو التمسك بصورة أو فكرة فرنسا ‘في موقع القيادة’، فرنسا تلهم وتقود وتترأس”.

لكن الموجة الجديدة من الإصابات بكوفيد – 19 التي تجتاح أوروبا قد تلقي بظلالها على الاجتماعات والفعاليات الأربع مئة تقريبا المقررة في جميع أنحاء فرنسا.

وحذر سلال من أنه سيتحتم على ماكرون التصرف بتأنّ حيال شركاء قد يظهرون “صرامة” إن لمسوا “محاولات لاستغلال الرئاسة لأهداف انتخابية”.

وقد تشعر ألمانيا، حيث تسلم المستشار الجديد أولاف شولتس مهامه للتوّ خلفا لأنجيلا ميركل، بأنها تحت الضغط عند أي تحرّك غير مدروس، في الوقت الذي ستتولى فيه بنفسها رئاسة مجموعة السبع في 2022.

وأوردت صحيفة “سودويتشه تسايتونغ” الألمانية “في 2017 وضع (ماكرون)، الذي كان انتخب للتو رئيسا، جاره الألماني تحت الضغط بعد يومين فقط من الانتخابات التشريعية في ألمانيا، بخطابه في السوربون واقتراحاته الطموحة جدا بشأن أوروبا. واليوم ماكرون يضع الحكومة الألمانية الجديدة التي تشكلت للتو أمام الأمر الواقع”.

'
%d مدونون معجبون بهذه: