“ربيع عربي” أم أدوات إعلامية صنعت الاحتجاجات

شكّلت منصات الإنترنت جسرا مع وسائل الإعلام العالمية التقليدية لتغطية احتجاجات “الربيع العربي”، لكن هذا الجسر حمل معه إلى جانب مقاطع الفيديو وشهادات المواطن الصحافي، كمّا كبيرا من التضليل والأخبار الكاذبة التي قامت بدور أساسي في تحريك الناس والتأثير عليهم.

تونس – تأخرت عمليات تقصي الحقائق عن الأخبار التي انتشرت كالنار في الهشيم مع اندلاع “الربيع العربي” الذي بات الكثير ممن ساندوه في البداية، يتحدثون عن أكبر كذبة عاشوها صنعتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت عبارة “الربيع العربي” تعكس التوق الرومانسي إلى الحرية على غرار ربيع براغ عام 1968، فإنها انتهت بشكل مأساوي تماما كما حصل مع الانتفاضة قصيرة الأجل التي سحقتها الدبابات السوفييتية.

وساهم هذا التوق الرومانسي في إشاعة حالة من الرغبة في تصديق الروايات والأخبار عن حالة مثالية من البحث عن الحرية، فاستمدت الروايات المفبركة مصداقيتها من حماس الناس وعاطفتهم التي حالت دون التشكيك في الأخبار الكاذبة حتى لو كانت غير منطقية.

وتم تسخير السخط الذي كان يُطبَخ على نار هادئة منذ فترة طويلة في الأوساط الشعبية الفقيرة في تونس، بعد حادثة الانتحار المأساوية للبائع المتجوّل محمد البوعزيزي (26 عاما) الذي أضرم النار في جسده بعد أن تعرض للإذلال من قبل الشرطة.

وعرف الناشطون البارعون في مجال التكنولوجيا كيف يضاعفون هذا السخط لإظهار حركة جماهيرية لقيت انتشارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل صداه إلى عدة دول عربية، إذ لحقت مصر مباشرة بتونس وكانت حملة فيسبوك المسماة “كلنا خالد سعيد” أحد العوامل الرئيسية المحفّزة لحشد وتنظيم الاحتجاجات التي سلطت الضوء على عنف الشرطة وانتشار الفساد.

وتوفي سعيد (28 عاما) في مركز للشرطة في يونيو 2010. وانتشرت صور جثته التي بدت عليها آثار الضرب المبرح على الإنترنت، بينما زعمت السلطات بشكل غير مقنع أنه اختنق بسبب كيس مخدرات. وجذبت حملة “كلنا خالد سعيد” على الإنترنت المئات إلى جنازته، وتلتها سلسلة من الاحتجاجات الصامتة.

وشجعت صفحة “كلنا خالد سعيد” في ذلك الوقت ما بات يعرف بـ”المواطن الصحافي” من خلال فيديو تعليمي بعنوان “الكاميرا سلاحي”.

ثورة الهواتف الذكية

منصات الإنترنت شكلت جسرا مع وسائل الإعلام العالمية التقليدية
منصات الإنترنت شكلت جسرا مع وسائل الإعلام العالمية التقليدية

أصبحت الهواتف الذكية بكاميراتها سلاحا للمواطنين في حرب المعلومات التي سمحت للجميع تقريبا أن يكونوا شهودا وينظموا أنفسهم، في “تعبئة شاملة بالهواتف الذكية”، في كل الدول العربية التي شهدت احتجاجات.

وتمت مشاركة المقاطع المصورة بشكل خاص على موقع فيسبوك، وهو وسيلة خارجة عن سيطرة الأنظمة التي سيطرت بشدة على مدار عقود على وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية.

ويظهر واضحا الدور الذي لعبه فيسبوك بهذا الشأن من خلال رسم جداري في مدينة تونسية، كان في الإمكان رؤية عبارة “شكرا لك فيسبوك”، وذلك قبل وقت طويل من إثارة عملاق وسائل التواصل الاجتماعي الانتباه لتسببه ليس فقط بنشر دعوات الحرية ولكن أيضا الأخبار المزيفة وخطاب الكراهية.

وشكّلت منصات الإنترنت كذلك جسرا مع وسائل الإعلام العالمية التقليدية، وغطت وسائل الإعلام الدولية الانتفاضة مباشرة من فيسبوك، غير أنه كان من الصعب عليها التحقق من سيل الأخبار المنتشرة في وقت قياسي، ما أدى إلى تسارع حركات التمرد في المنطقة. وقام متطوعون بترجمة تغريدات عربية لوسائل إعلام دولية، في وقت انتقدت وسائل الإعلام الرسمية “المجرمين” و”الأعداء الأجانب” الذين اتهمتهم بالتحريض على الاحتجاجات.

كما تم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير من جهات غير حكومية مثل تنظيم الدولة الإسلامية الذي استعملها كسلاح قوي للدعاية والتجنيد. وجاء في مقال نشر في مجلة “وايرد” الأميركية “تعلمنا أن الأدوات التي حفزت الربيع العربي جيدة أو سيئة مثل أولئك الذين يستخدمونها”.

وأضاف “واتضح أن الأشخاص السيئين يجيدون كذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.

ومن أشهر الروايات المفبركة التي رافقت انطلاق “الربيع العربي” شخصيات أحدثت ضجة كبيرة في وسائل الإعلام العربية والدولية، اتضح لاحقا أنها وهمية ولا تمت للواقع بصلة، وأشهرها “فتاة دمشق المثلية” حيث كانت أمينة عبدالله عراف تقدم نفسها على أنها أميركية – سورية مثلية وناشطة شابة، وأنشأت مدونة خلال مطلع الاحتجاجات في العام 2011 بهذا المسمى تابعها الآلاف من الأشخاص. لكن أمينة اختفت فجأة بعد ذلك وتم تداول خبر “اختطافها” في دمشق، وأثار ذلك مخاوف كبيرة لدى متابعيها وتم إطلاق تعبئة دولية من منظمات غير حكومية لإنقاذها من بين أيدي نظام بشار الأسد، وفق ما يروي الباحث إيف غونزالس كيخانو.

تقصي الحقائق

الهواتف الذكية بكاميراتها أصبحت سلاحا للمواطنين في حرب المعلومات
الهواتف الذكية بكاميراتها أصبحت سلاحا للمواطنين في حرب المعلومات

وأماطت عمليات تقصي الحقائق عن الخبر، اللثام عن كذبة كبيرة. فقد تم اكتشاف أن المدونة التي أصبحت أيقونة الحراك الديمقراطي ليست سوى رجل أميركي (40 عاما) ملتح يدعى طوم ماكمستر كان طالبا حينها في أسكتلندا وينشر محاولات في الكتابة.

وأوضح كيخانو “تبدو المسألة مضحكة اليوم، لأننا اعتدنا ألا نصدق هذا النمط من الفبركة، لكن لم يكن التشكيك قائما في تلك الفترة كما هو اليوم”.

كما ظهرت شخصية أخرى مفبركة تدعى ليليان خليل، صحافية من أطلنطا تغطي أحداث “الربيع العربي”، قبل أن يتم كشف قصتها لاحقا.

وكانت خليل تنشر مواقف مؤيدة للأنظمة، وكان من الصعب تحديد مكانها والتواصل معها بالرغم من الكم الكبير من المعلومات المنشورة حولها.

وأكد كيخانو أن “أكاذيب” أمينة وليليان تمثل “الظهور الأول للتلاعب الرقمي الجليّ”.

وشوهت هذه الممارسات النظرة العامة التي كانت إيجابية إلى حد بعيد بالنسبة إلى استخدام الإنترنت كوسيلة للديمقراطية، والتي كانت تنظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي على أنها آمنة.

ويرى كيخانو أن الأخبار المضللة جعلت النشاط الإلكتروني يفقد مصداقيته. وأضاف “لم يتوقف توظيفها والتلاعب بها من قوى سياسية أكثر تنظيما من النشطاء في الميدان”.

وتحولت الأخبار الكاذبة إلى أداة بيد مختلف الأطراف من أنظمة أو معارضة للتأثير على الرأي العام، وفتح الفضاء الافتراضي مجالا واسعا للصراع بين نشطاء المعارضة عبر الإنترنت وأنظمة الحكم، ما ساهم في ظهور “تضليل إعلامي” ألقى بظلاله على “الحراك الثوري” في المنطقة.

ففي ليلة هروب الرئيس التونسي الأسبق الراحل زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، تصف الناشطة هويدة أنور أنها “كانت ليلة مروعة ومؤلمة” مع انتشار الشائعات وأخبار كاذبة عن اغتصابات وقتل جماعي و“خلق كل هذا حالة من الهلع والهستيريا” على شبكات التواصل الاجتماعي.

وضع ملائم للأخبار الكاذبة

حكيم باللطيفة: الأخبار المضللة تتغذى من غياب الثقة إزاء وسائل الإعلام التقليدية التي تخضع لرقابة الدول العربية
حكيم باللطيفة: الأخبار المضللة تتغذى من غياب الثقة إزاء وسائل الإعلام التقليدية التي تخضع لرقابة الدول العربية

ولجأ الناس إلى الإنترنت هروبا من الأخبار الرسمية التي تبثها وسائل الإعلام تحت ضغط رقابة الحكومات، لكن مواقع التواصل الاجتماعي على غرار فيسبوك وتويتر بدأت تشهد ظهور التضليل الرقمي عبر نشر أخبار زائفة أو غير دقيقة.

واعتبر الصحافي والباحث حكيم باللطيفة، أن الوضع الدولي “كان ملائما لانتشار الأخبار الزائفة”.

وعلّل ذلك في مقال نشره في مجلة “ذي كونفرسيشن” بأن “الأخبار المضللة تتغذى من غياب الثقة” إزاء وسائل الإعلام التقليدية التي تخضع لرقابة الدول العربية” التي “تخفي الحقيقة وتبقي الشعوب داخل العتمة والجهل”.

ومثال على ذلك اتهام التلفزيون الحكومي المصري شركة مطاعم الأكلات الخفيفة الأميركية “كاي.أف.سي” بتوزيع أكل مجاني على المتظاهرين في ساحة التحرير بالقاهرة في العام 2011.

وأضيفت في حينه مزاعم تدخل القوى الأجنبية إلى شائعات حول تسلّل أجانب بين المتظاهرين. وفندت وسائل الإعلام وناشطون آنذاك قصة مطاعم “كاي.أف.سي” فيما كان المحتجون يقتاتون على طبق “الكشري” الشعبي في الشارع.

وأفاد الباحث رومان لوكونت أن “رجال السلطة تسلّلوا إلى مختلف حلقات النقاش” بوسائلهم وإمكاناتهم الضخمة للتصدي للمعلومات التي لا تخدم مصالحهم “ونشروا المغالطات والتضليل”.

وأضاف لوكونت أنه بالإضافة إلى رد فعل الأنظمة، دفع “الاستعمال السياسي المكثف للانترنت” بعض أصحاب النشاط المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى التشكيك بقوة الشبكة العنكبوتية كوسيلة لبسط الديمقراطية.

وأُنشئت منصات افتراضية للحوار والنقاش على غرار موقع “بنية تونسية” الذي أدارته المدونة التونسية الراحلة لينا بن مهني لتقديم أخبار تحرج السلطة ما ساهم في تغذية الحراك الشعبي في تونس والدفاع عن أطروحات مناهضة للنظام.

وبعد عشر سنوات على الربيع العربي، زادت طفرة المعلومات والصور من تضخيم الأخبار الكاذبة.

وأطلقت في مواجهتها حملات توعية، وأُنشئت منصات لتقصي صحة الأخبار، وذلك بهدف الحد من هذه الظاهرة. كما وضعت قوانين وتشريعات في عدد من الدول تعاقب التجاوزات.

ويقول نشطاء الإنترنت العرب اليوم، إن السلطات في الدول العربية فقدت جزءا من قدرتها على التحكم بما يمكن للمواطنين رؤيته ومعرفته وقوله، كما اتضح من خلال الموجة الثانية من الاحتجاجات التي هزت الجزائر والسودان والعراق ولبنان في 2019 و2020.

وفي المؤشر العالمي لحرية الصحافة الذي تعده منظمة “مراسلون بلا حدود”، لا تزال معظم الدول العربية اليوم قريبة من القاع، والمكان الوحيد الذي يقدم بصيص أمل هو تونس.

function sb_ads_shortcode() { $ads_code = ' '; return $ads_code; } add_shortcode( 'ads_shortcode', 'sb_ads_shortcode' );
%d مدونون معجبون بهذه: