سنة على انتفاضة 17 تشرين

كان يوما استثنائيا بكل المقاييس في حياة اللبنانيين ذلك السابع عشر من أكتوبر 2019 حين اندفع ألوف من المنتفضين والمنتفضات من الشباب والصبايا اللبنانيين إلى الساحات في العاصمة بيروت، وفي مختلف المدن والقرى على مساحة الوطن، هاتفين بإسقاط منظومة الفساد والنهب والتبعية، تحت شعار موحد “كلن يعني كلن”، ووسم موحد “لبنان ينتفض”، وتحت راية واحدة، العلم اللبناني.

لم يقتصر اندفاع مئات الألوف من المنتفضين على احتلال الساحات والشوارع، بل امتد ليحاصر مكاتب ومنازل النواب والوزراء وزعماء الأحزاب المسيطرة في البلاد، حيث بادروا إلى تمزيق صورهم التي تلوث المساحات العامة وإحراقها، دون أن يستثنوا في ذلك شخصية أو رمزا من رموز سيطرة هذا النظام.

وعلى مدى ثلاثة أيام من تاريخ 17 – 10 – 2019، ساد صمت القبور وسيطر على أجواء زعماء القوى المسيطرة وأزلامهم ووزرائهم ونوابهم. لم يجرؤ أي مسؤول على مواجهة الجماهير الغاضبة، التي انفجر سخطها دفعة واحدة، لا مباشرة ولا حتى في وسائل الإعلام. الجيش والقوى الأمنية نفسها التزمت الحياد التام حيال تحركات الثوار، الذين بادروا إلى تقطيع أوصال البلاد، عبر قطع كافة الطرقات في كافة المناطق، ما أدى إلى شلل تام في البلاد.

أول من تصدى لهذه الحركة الشعبية الشاملة كان زعيم حزب الله حسن نصر الله، الذي بادر متحديا الإرادة الشعبية بصلف صريح: لا لإسقاط الحكومة، لا لإسقاط العهد (رئيس الجمهورية)، لا لإسقاط مجلس النواب! هذه اللاءات الثلاث لخصت رد المنظومة المسيطرة بزعامة حسن نصر الله على انتفاضة الشعب اللبناني التي نادت بإسقاط جميع من يحتل مؤسسات الدولة باعتبارهم مسؤولين بشكل أو بآخر عن الانهيار التام، اقتصاديا وماليا واجتماعيا وبيئيا وخدميا.

أعطى حسن نصر الله الضوء الأخضر لمجموعات البلطجية والشبيحة لمهاجمة تجمعات المنتفضين في بيروت، وخصوصا في الجنوب والبقاع، والاعتداء عليهم بكل ما هو دون استخدام السلاح الناري. وهكذا كان. فاجتاحت جحافل الشبيحة التابعة لحزب الله وحركة أمل ميادين التظاهر والاعتصام تردد الشعارات المذهبية في وجه الشعارات الوطنية التي يرددها المتظاهرون وترفع الأعلام الحزبية والطائفية في مقابل العلم الوطني، الذي يرفعه المتظاهرون، وتمارس الاعتداءات بالعصي والحجارة على جموع المتظاهرين السلميين، بينما كانت أجهزة الأمن والجيش تقف موقف المتفرج.

تكرار هجمات شبيحة حزب الله وحركة أمل شجع القوى السلطوية الأخرى لتقوم بالأمر نفسه في مناطق تواجدها، إذ لم يتردد أي من أحزاب السلطة الطائفية في مهاجمة المتظاهرين والاعتداء عليهم وتحطيم وحرق خيم الاعتصام في مختلف المناطق اللبنانية.

هنا لعب الإعلام دورا خبيثا في القول إن الشارع اللبناني منقسم على ذاته، فهناك من يثور على منظومة السلطة وهناك من لا يزال يؤيدها. وهذا تضليل وتزوير وقح، أما الواقع الواضح لكل ذي بصر فهو سلطة مافيات مسيطرة في مواجهة شارع منتفض. ولا تعدم أية قوة مسيطرة مجموعات من الشبيحة والبلطجية المنتفعين. أما انتفاضة تشرين فقد أقامت فرزا واضحا بين جماهير شعبية سحقتها سياسات اقتصادية واجتماعية، اتسمت بالفساد والصفقات والنهب وتدمير القطاعات المنتجة وتدمير القطاعات الخدماتية والسيطرة على النقابات وتدجينها، وبين قوى مارست كل تلك الموبقات وحكمت بنظام زبائني دعائمه الفساد والمحاصصة والطائفية.

سنة مرت على انتفاضة 17 تشرين، شهدت على تفكك المنظومة المسيطرة وعلى خواء أحزابها، بعد أن أحدثت تلك الانتفاضة نزيفا حادا في قواعدها الشعبية وكتل مناصريها، بعد افتضاح فسادها وعدائها واحتقارها للمواطنين ومن ضمنهم أنصارها. سنة مرت أُسقطت فيها حكومتان، ونزعت الشرعية عن برلمان النظام المترهل. سنة مرت أخرج فيها نظام ائتلاف المافيات المسيطرة بقيادة حزب الله كل عفنه إلى العلن، سنة مرت شهدت أكبر جريمة عرفها لبنان عبر تاريخه تمثلت في تفجير مئات الأطنان من نترات الأمونيا في مرفأ بيروت، ما أسفر عن تدميره بالكامل وتدمير ثلث العاصمة بيروت، وسقوط أكثر من مئتي قتيل وستة آلاف جريح، وتشريد مئات الآلاف وتدمير آلاف الوحدات السكنية والمدارس والمستشفيات والمصالح.. إضافة الى ما لحق جميع اللبنانيين من أذى نفسي خلفه هذا الانفجار.

سنة مرت ولا يزال اللبنانيون يعيشون انتفاضتهم بالرغم من انتشار وباء كورونا الذي أسهمت المنظومة نفسها في نشره.

واليوم تحاول المنظومة نفسها إعادة إنتاج نظام سيطرتها، لكن ما أصابها من تفكك وتناحر وخضوعها لمتطلبات الخارج المهيمن على سياساتها وخصوصا ايران التي تعد نفسها بتراجع العقوبات وتخفيف الحصار بعد الانتخابات الأميركية، وبالتالي متطلبات حزب الله، تعيق ذلك بإعاقة تشكيل حكومة جديدة.

ربما كان البعض يتوقع من انتفاضة 17 تشرين أن تسقط النظام بالضربة القاضية، وهذا نتيجة عدم فهم طبيعة هذا النظام وطبيعة القوى المسيطرة فيه، وتحديدا حزب الله الذي لا يمكنه حكم البلاد إلا من خلال رموز الفساد وقواه الطائفية، وبالتالي لن يسمح حزب الله أن يمس تغيير جوهري بنية النظام وتركيبته الطائفية الزبائنية التي سمحت له بتخزين آلاف الأطنان من المتفجرات في قلب العاصمة اللبنانية، وتهريب الكميات الأكبر منها إلى سوريا لاستخدامها في البراميل المتفجرة لسحق السوريين ومدنهم وقراهم.

هذا الحزب المسلح بالأيديولوجيا المذهبية وبالعتاد الحربي رغم كل شيء هو أداة من أدوات نظام ملالي طهران، وبالتالي يخضع لموجبات السياسات الإيرانية في لبنان والمنطقة. ولن يهتم بأي شكل بما يحتاجه اللبنانيون ليستعيدوا ما نهب منهم أو ليستعيدوا مؤسساتهم ودولتهم وينهضون بها.

هل انتهت انتفاضة 17 تشرين؟ نعم. ولكنها لم تذهب هباء. لقد تركت نظام ائتلاف مافيات الطوائف مفككا عاجزا عن تشكيل حكومة، فاقدا للثقة الشعبية وللثقة الخارجية إلى درجة أن المؤسسات والدول التي أرادت تقديم مساعدات للبنانيين، بعد جريمة تفجير مرفأ بيروت، لم تقبل أن تقدم مساعداتها عبر مؤسسات الدولة لأنها تدرك أنها سوف تنهب، لذلك بادرت إلى تقديم تلك المساعدات مباشرة إلى المواطنين أو عبر مؤسسات المجتمع المدني والجيش اللبناني.

سنة مرت على انتفاضة 17 تشرين إنما لوحاتها الأكثر إشراقا وتفانيا وجرأة والتي هشّمت هالات القداسة عن زعماء مافيا الطوائف وميليشياتها أضافت إلى نضالات الشعب اللبناني مداميك لا بد أن يكون لها دور كبير في مستقبل هذا البلد.

%d مدونون معجبون بهذه: