شيطنة الآخر.. قبل اشتعال حرب دينية في مصر

بعد فوز دونالد ترامب بولاية أولى وأخيرة في نوفمبر 2016، وقف مايكل مور أمام برج ترامب، حاملا لافتة “كلنا مسلمون”. كان المخرج الأميركي وحيدا، ضئيل الحجم أمام مبنى شاهق لرجل الأعمال، ولكنه أراد إعلان تضامنه مع المسلمين في بلاده، والرد على العنصرية.

في صيف 2016، قبل فوز ترامب بأربعة أشهر، كتب مور مقالا عن المزاج الأميركي العام الكفيل بإنجاح ترامب “السيكوباتي، البائس، الجاهل، الخطر، المهرج، شبه الفاشي الذي سيصبح القائد الأعلى لقواتنا المسلحة”، وقد دخل البيت الأبيض محمولا على 62.9 مليون صوت. وخسارته انتخابات 2020 أكثر قلقا من فوزه السابق، فوراءه 72.6 مليون، لسان حالهم يقول: ذهب ترامب وبقيت الترامبية.

لا شيء يختفي فجأة، ولا فكرة تموت بذهاب رمزها؛ فلم يكن ترامب من أبدع العنصرية، وإنما هو تعبير عنها، وتجسيد لطغيان حضورها. جاء إلى المشهد الدولي وسط احتقان عمومي يتصاعد منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001، سياق يشبه وإن اختلفت الأسباب أزمة 1929 التي أدت، بعد عشر سنوات، إلى حرب كبرى. في تلك الأجواء، لو لم يظهر أدولف هتلر لدفعت المرارة والاستعلاء زعيما ألمانيا آخر إلى إعلان “ألمانيا فوق الجميع”؛ فأيسر السبل إلى إلهاء شعب مأزوم هو اختلاق أعداء، وشيطنة الآخر. ولم يغب ذلك عن وعي جو بايدن، فقال في خطاب تجاهل فيه اسم ترامب إن “حقبة شيطنة الآخر قد انتهت”.

انتخاب بايدن ليس حلا للأزمة، لن يكون مانديلا أو جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا. ترامب عنوان، وغروبه لا ينهي القلق؛ ففي أميركا 72.6 مليون يؤمنون بالترامبية، قنبلة ستنفجر لاحقا، وتُخرج هتلر أو إيمانويل ماكرون. وربما تفرّخ مرتكبين لجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وقد ينالون جائزة نوبل للسلام، قبل الجريمة مثل أون سان سو تشي المسؤولة عن مجازر ضد مسلمي ميانمار، أو بعد الجرائم مثل مناحيم بيغن المطلوب للعدالة في قضية اغتيال اللورد برنادوت وسيط السلام بفلسطين عام 1948. بيغن بوصف بن غوريون “ينتمي دون شك إلى النمط الهتلري، فهو عنصري على استعداد لإبادة كل العرب؛ لتحقيق حلمه بتوحيد إسرائيل”.

ما علاقتنا في مصر بهذه الشيطنة للآخر؟ ربما تكون مشكلتنا هي توجّه الشيطنة ليس إلى الآخر، وإنما إلى مواطن تتبعه دائما صفة “مسيحي”، ويكفي سماع جملة تلقائية لمسلم حسن النية يصف جارا، أو موظفا حسن السيرة، بأنه “مسيحي لكنه كويس”، وكأن الأصل في المسيحي، ما دام مسيحيا، أنه سيء. التربية الطائفية الإخوانية التي أرساها حسن البنا دفعت مرشد تنظيم الإخوان مصطفى مشهور، عام 1997، إلى التصريح بعدم جواز إلحاق المسيحيين المصريين بالجيش؛ “لأنه سيكون مشكوكا في ولائهم.. بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية”. وفي عام 2009 قال المرشد مهدي عاكف “يحكمني مسلم ماليزي ولا يحكمني مصري غير مسلم”.

هذه نظرة تكاد تكون سلفية عامة، وتنتظر رجلا رشيدا، ليكن شيخ الأزهر، يضع حدّا لحرب العقائد القائمة في مصر. ومن الإنجازات الإنسانية أن يؤمر خطباء مصر بالكف عن ختم خطبة الجمعة بلعن اليهود والنصارى، ولكن ما في القلوب تعلنه الألسنة في لحظات المصارحة. وتشتعل وسائل التواصل الاجتماعي حاليا بحرب يتنابذ فيها المتراشقون بالعقائد، ينقّبون عما يرونه عيوبا في محاولة غبية لتقويض عقيدة “الآخر”. فعلها الوكيل السابق لوزارة الأوقاف سالم عبدالجليل مستشار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بإيقاد نار الفتنة، عام 2017 في أجواء متوترة بين المسلمين والمسيحيين في الصعيد، وقال في برنامجه التلفزيوني “المسلمون يتساءلون” إن عقيدة اليهود والنصارى فاسدة وضالة.

الرشد الإنساني ألا يمس أحد عقيدة غيره، فالاتهام السفيه يرتد إلى صاحبه، وينال من عقيدته. العقيدة عقيدة، لا تناقش ولا فساد فيها ولا ضلال، وإن وجد ضلال أو فساد فلا يضر أحدا. ماذا يضر المسلم إذا عبد غيره سحابة أو حجرا؟ قلوب المؤمنين بالديانات الإبراهيمية إذا اطمأنت بالإيمان، فكيف يخشون إلحاد الملحدين؟ لكل إنسان أن يعتقد ما يشاء، وحسابه على الله. ولا يقتصر الهوس على سلفيين مسلمين، ففي إحدى الفضائيات مذيع ذو لهجة مغربية، اسمه مسبوق بلقب “الأخ”، يعلن أن عناية السيد المسيح أنقذته من الإسلام، وبدلا من تبشيره بسماحة دينه، يتفرغ “الأخ” للانتقام، بتسفيه كل ما له علاقة بالإسلام.

عودٌ إلى التربية، إلى مناهج تعليمية يفترض أن ترسخ روح الأديان والإيمان بالإنسان، عبر تفاعل مباشر غير موجود حاليا في نظام التعليم المصري. التعليم في مراكز خاصة تدرّب الطالب على مهارة الحفظ، لاجتياز الامتحان. يذهب الطلاب إلى المدرسة يومين في الأسبوع، حضور صوري لا علاقة له بتربية أو تعليم.

يروي نجاتي صدقي في مذكراته أنه دعي ليلة عيد الميلاد لسنة 1927 إلى زيارة كنيسة بموسكو، ومعه زميله الزنجي الأميركي جونس، ومرت عجوز روسية تحمل شمعة وقع ضوؤها على وجه جونس، فارتدت ورسمت علامة الصليب، وصرخت “شيطان.. شيطان”. وأخبرهم “بعض المصلين أنهم لم يروا زنجيا في حياتهم”. هل نشبه حاملة الشمعة؟

%d مدونون معجبون بهذه: