طرق تساعدك في اكتشاف قدراتك الإبداعية والاستفادة منها

ما هو العامل الرئيسي الذي يجعل من المرء مبدعا، وكيف يمكن أن يكون ذلك مفيدا لصحتنا العقلية؟ في السطور المقبلة تتحدث بيفرلي دي سيلفا إلى الكاتبة جوليا كاميرون مؤلفة كتاب “أسلوب الفنان” وكُتّاب آخرين، بشأن مفاهيم عدة من قبيل “تدفق الأفكار والرؤى الإبداعية” والخوف والفضول كذلك.

يبدو الإبداع، بحسب الكاتبة والشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو، أشبه بـ “حفرة لا قرار لها”، كلما “استخدمته، زاد نصيبك منه”.

أما عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين فتُنسب له في أغلب الأحيان، عبارة مفادها أن “الابداع ما هو إلا الحالة التي يصبح فيها الذكاء نوعا من المتعة”.

وتعامل قطب صناعة الإعلان الشهير ديفيد أوغلفي، مع الأمر من وجهة نظر عملية بحتة، حينما تحدث عن الإبداع قائلا: “ما لا يفضي إلى بيع (سلعة أو خدمة)، لا يعد من قبيل الإبداع”.

ورغم أننا نعلم جميعا أن الإبداع يوجد في شتى مناحي الحياة؛ من الطب إلى الزراعة وصولا إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارية، فإنه غالبا ما يُربط بين هذا المفهوم وبين الفنون والثقافة.

ولعل من طالعوا كتاب “أسلوب الفنان” للكاتبة جوليا كاميرون، يتذكرون أن أول المبادئ الأساسية العشرة، التي تتحدث عنها المؤلفة في عملها الذي حقق رواجا كبيرا، يتمثل في أن “الإبداع هو النظام الطبيعي للحياة. فالحياة هي الطاقة؛ الطاقة الإبداعية الخالصة”. واختارت كاميرون لكتابها عنوانا فرعيا يقول “الطريق الروحي للتحلي بقدر أكبر من الإبداع”.

وتعتبر كاميرون هذا العمل بمثابة دليل مرجعي بشأن القدرات الإبداعية. وفي تصريحاتها لبي بي سي، تقول الكاتبة إن اختيارها لهذا العنوان الفرعي، يرجع إلى أنها ترى أن “الإبداع يمثل تجربة روحية”، وأنه لا يقتصر على “نخبة” بعينها، لأن لدينا جميعا هذه المقدرة، وفقا لتعبيرها.

وقد استهلت هذه السيدة حياتها العملية ككاتبة سيناريو، ثم بدأت في كتابة الروايات والأشعار والأغاني. أما الآن، فتكرس جهودها لتدريس المبادئ الخاصة بالإبداع والابتكار لآلاف الأشخاص ممن يعملون في شتى المجالات ذات الطابع الإبداعي، ممن يأتون إليها، وبعضهم مسكونٌ بشياطين النقد الذاتي والشك في النفس، بينما يخامر البعض الآخر الإحساس بالافتقار للوقت أو حتى للموهبة.

جوليا كاميرون
التعليق على الصورة،يحمل الكتاب الجديد لجوليا كاميرون عنوان “درب الإصغاء” ويستكشف كيفية “إطلاق العنان للقدرات الإبداعية المكبوحة”

وتقول كاميرون إن “الكثير من الأشخاص، ممن يعانون من وجود كابح يمنع إطلاق قدراتهم الإبداعية، هم في حقيقة الأمر شخصيات شديدة الفاعلية ومبدعة للغاية، ممن دُفِعوا للشعور بالذنب حيال ما ينعمون به من مواهب ونقاط قوة”. وتتألف “الوصفة الأساسية” التي تقترحها هذه السيدة لـ “إنعاش القدرات الإبداعية”، من الانهماك عند الاستيقاظ في صباح كل يوم في كتابة ثلاث صفحات “تحوي دفق الأفكار الواعية” لدى المرء.

وتقول إن هذه هي اللحظات التي “يعبر فيها عقلنا الواعي عن نفسه، على نحو مُتحَكم فيه”، مُشيرة إلى أن تدوين تلك الصفحات، “يطور قدراتنا الإبداعية، ويعزز إيماننا بقدراتنا الكامنة”.

الوسيلة الثانية التي توصي بها كاميرون في هذا الصدد، تُعرف باسم “ضرب موعد مع فنان”. وتتمثل في انخراط المرء في تجربة أسبوعية يُفعم فيها نفسه بالحماسة، “ويتودد خلالها للفنان بداخله”، من خلال القيام مثلا بزيارة إلى حديقة الحيوان، أو حتى عبر شراء أقلام تلوين.

وفي كتابها الجديد “درب الإنصات: فن الانتباه على نحو مُبدع”، تتناول جوليا كاميرون هاتين الوسيلتين مرة أخرى. ويركز هذا الكتاب على ضرورة أن تنصت لنفسك وللآخرين وللبيئة المحيطة بك، وكذلك لأسلافك وحتى لصوت الصمت. وتقول الكاتبة: “كان الناس يسألونني دائما، كيف أستطيع أن أبقى غزيرة الإنتاج هكذا على الدوام، وكانت إجابتي تتمثل في أنني أنصت، وحينها `أستمع` إلى ما يتعين عليّ إنجازه تاليا”.

وقد أصبحت قدراتها في هذا المضمار، أكثر رهافة منذ أن انتقلت قبل 10 سنوات من الحياة وسط الصخب والضجيج في حي مانهاتن في نيويورك، إلى الإقامة في قرية جبلية تطل على مدينة سانتا فيه، عاصمة ولاية نيو مكسيكو. وهناك “يسود سكون مطبق، إلى حد يجعلني قادرة على أن أسمع صوت شاحنة تهدر على الطريق، على بُعد ربع ميل مني”.

ولا تخفي كاميرون معاناتها مع إدمان معاقرة الكحول، لكنها تقول إنها نجحت في التعافي من ذلك، منذ أن صارت في الـ 29 من العمر، وساعدها في ذلك “حدسها، والإرشاد والتوجيه” اللذان يأتيانها من الداخل. وتشير إلى أنه لولا نجاحها في التخلص من هذا النوع من الإدمان، لكانت قد “ودعت” قدراتها الإبداعية منذ أمد بعيد. ولذا ليس من قبيل المصادفة، أن نجد أن اتباع “نظام إنعاش القدرات الإبداعية”، الذي صاغته في كتابها “أسلوب الفنان”، يستغرق 12 أسبوعا، على غرار برنامج للتعافي من إدمان الكحوليات، يتألف من 12 خطوة، ويعالج ما يمكن أن يُعرف بـ “النقص الروحي”.

وتتحدث كاميرون عن “الوحي” الذي جاءها عندما أرسلتها مجلة “بلاي بوي”، وهي في العشرينيات من عمرها، لإجراء مقابلة مع المخرج الشاب والواعد آنذاك مارتن سكورسيزي، إذ تقول إنها شعرت آنذاك بأن صوتا يتردد بداخلها قائلا “هذا هو الرجل الذي ستتزوجينه”. وتضيف قائلة: “فكرت: هل يعلم هو بذلك؟”. وقد عَلِمَ على أي حال بعد ذلك، وتزوجا بالفعل وإن لفترة قصيرة، وصارت لديهما ابنة تُدعى دومينيكا. وتبلغ ابنتهما الآن 46 عاما من العمر، وتعمل مخرجة، وهي تدون بتفانٍ “الصفحات الثلاث الصباحية” منذ أن بلورت والدتها الفكرة الخاصة بذلك.

يمثل تحلي الفنان والمخترع الإيطالي ليوناردو دا فينشي بفضول لا نهاية، مفتاح ما ينعم به من عبقرية مبدعة
التعليق على الصورة،يمثل تحلي الفنان والمخترع الإيطالي ليوناردو دا فينشي بفضول لا نهائي، مفتاح ما ينعم به من عبقرية مبدعة

لكن هناك صوتا داخليا لا يريد المرء أن يلتفت إليه وهو صوت “النقد الداخلي”. وتعرف كاميرون تماما ذلك النوع من النقد، بل إنها تتصوره مُجسّدا في شخص تطلق عليه اسم نايغل، “لا يروق له أي شيء بقدر كافٍ على الإطلاق”. وللتغلب على “هذا الشخص الناقد”، نجحت في تأليف 40 كتابا ونشرها، وكذلك تأليف أغان ومسرحيات موسيقية أيضا، رغم أنها كانت تُعَد الشخص “غير الموسيقي” في أسرتها.

وفي معرض تفسيرها للسبب الذي يحدو بها لمواصلة الكتابة وتعليم الآخرين كيف يطلقون العنان لقدراتهم الإبداعية المكبوحة حتى بلوغها السبعين من العمر دون أن تفكر في التقاعد، تقول كاميرون إنها عندما تُعلّم من حولها سبل إطلاق تلك القدرات، فهي تحرر قدراتها هي نفسها أيضا.

وتقر الكاتبة إليزابيث غيلبرت، بالتأثير الذي خلّفته كاميرون عليها، قائلة: “دون قراءة كتاب `أسلوب الفنان` لم أكن لأكتب`آكل، أصلي، أحب`” في إشارة إلى مذكراتها التي صدرت عام 2006، وبيع منها نحو 12 مليون نسخة.

وقد تناولت غيلبرت بدورها مسألة الإبداع في كتابها “السحر الكبير: الحياة الإبداعية تتجاوز الخوف”، الذي صدر عام 2015. وتمثل دافعها لكتابة هذا العمل؛ في مقابلتها للكثيرين ممن شكوا بأنهم يشعرون بأن “قدراتهم الإبداعية مكبوحة”. وخَلُصَت إلى أن المشكلة الأساسية، التي تواجه هؤلاء الأشخاص ترتبط “دائما وفقط، بالخوف”.

وترى غيلبرت أن “من شأن الإبداع إثارة خوفك على الدوام”. وقد توصلت إلى طريقة للتعايش مع القلق الفني، الذي ينتابها عبر “الحديث مع (هذا الشعور بالقلق) بطريقة ودية. فأنا أعترف بأهميته، وأجعله مرافقا لي” بشكل دائم. ويحدو بنا ذلك إلى أن نتقبل أخطاءنا، وأن نحتفي بها كذلك. فلا غضاضة في أن يكون المرء غير كامل؛ إذ أن الكمال – برأي هذه السيدة – “قاتل لكل ما هو جيد”.

لتمضِ مع التيار

ويقول السير كين روبنسون، وهو من الشخصيات الرائدة في مجال التعليم الهادف للتثقيف وتعزيز القدرات الإبداعية، إن الاستمتاع بحرية ارتكاب الأخطاء، يشكل أمرا حيويا للإبداع. ولا تفوتنا هنا الإشارة، إلى أن المحاضرة التي ألقاها روبنسون في إطار محاضرات “مؤتمرات تيد” الشهيرة وحملت عنوان “هل تقتل المدرسة الإبداع”، هي الأكثر مشاهدة على الإطلاق في تاريخ هذه المؤتمرات.

ومن بين ما قاله هذا الرجل فيها: “نعلم أنك إذا لم تكن مستعدا، لأن تكون على خطأ، فلن يتفتق ذهنك أبدا عما هو مبتكر ومُبدع”. كما أبدى أسفه، لأننا غالبا ما نجعل التعليم “خاليا من الإبداع”، معتبرا ذلك فشلا يشوب النظام التعليمي.

ولعل الوقت قد حان، لكي نتعرف على أليكس أوزبورن، الذي سبق له العمل مديرا تنفيذيا في مجال الإعلان بولاية نيويورك الأمريكية، إذ يُشار إلى هذا الرجل في كثير من الأحيان، على أنه ممن لعبوا دورا رائدا في تعليم الناس كيف يمكنهم اكتشاف قدراتهم الإبداعية. ففي خمسينيات القرن الماضي وستينياته، شارك أوزبورن، المعروف بـ “أبي أسلوب العصف الفكري”، في إنشاء مؤسسة غير هادفة للربح تحمل اسم “كرياتيف إديوكاشين فاوندايشَن” (مؤسسة التعليم الإبداعي).

واعتمد النموذج الذي تبنته هذه المؤسسة في “الحل المُبدع للمشكلات”، على أربع خطوات أساسية هي: إيضاح الأمر موضع الإبهام أو الإشكال، وفهمه بكل أبعاده، وتطوير حل له، وتطبيق هذا الحل. ويُبنى هذا النموذج على افتراضين؛ أولهما أن كل منّا مبتكر ومبدع على نحو ما، أما الثاني فيتمثل في أن من الممكن تعلم كيفية التحلي بالقدرات الإبداعية وتعزيزها.

وتسير على الدرب نفسه، الخبيرة في مجال التفكير الإبداعي والابتكاري دورتي نيلسن، التي كرست حياتها لـ “مساعدة الآخرين” على أن يصبحوا قادرين على التفكير على هذه الشاكلة. فبعد أن عملت في مجال الإعلان في العاصمة البريطانية لندن في تسعينيات القرن الماضي، عادت نيلسن إلى مسقط رأسها في الدنمارك، حيث أسست مركزا للتفكير الإبداعي في عاصمتها كوبنهاغن، وأطلقت أيضا برنامجا يؤهل للحصول على درجة جامعية، في مجال إدارة الفنون والتفكير التحليلي للمواقف الافتراضية.

وفي تصريحات لبي بي سي، تقول نيلسن إن “إتقانك للتفكير على نحو إبداعي يزيد كلما مارسته، كما أي مهارة أخرى في الحياة”. وقد ألفت هذه السيدة الكثير من الكتب بشأن الابداع والابتكار، أحدثها اختارت له عنوان “سر الأشخاص القادرين على التفكير الإبداعي بشدة: كيف يمكنك إيجاد صلات وارتباطات يعجز الآخرون عن إقامتها”. ويبدو هذا الكتاب أشبه بـ “معسكر تدريب”، يستهدف تعزيز قدرتك على الابتكار والإبداع، إذ يتضمن تدريبات لتعزيز قدرتك على التفكير الإبداعي، وإيجاد صلات بين الأشياء المختلفة وبعضها بعضا.

كان بيكاسو بارعا في إيجاد صلات بين الأشياء، فقد استخدم مثلا مقعد دراجة ومقودها لتشكيل منحوتته "رأس الثور"
التعليق على الصورة،كان بيكاسو بارعا في إيجاد صلات بين الأشياء، فقد استخدم مثلا مقعد دراجة ومقودها لتشكيل منحوتته “رأس الثور”

وترى نيلسن أن “الأشخاص المبدعين بشدة، يتميزون بالقدرة على رؤية مثل هذه الصلات. ومن شأن تعزيزك لقدراتك في هذا الصدد، تدعيم مهاراتك الإبداعية كذلك”. وتضرب مثالا على ذلك بالرسام والنحات والفنان التشكيلي بيكاسو، الذي تخيل عندما رأى دراجة في ذات يوم، إمكانية إقامة صلات بشكل مختلف بين أجزائها، وهو ما تحقق بالفعل في عام 1942 عندما أنجز منحوتة باسم “رأس الثور”، مؤلفة من مقود دراجة ومقعدها. وقد وصف المؤرخ الفني رولاند بِنروز هذا العمل بأنه “تغيير كامل للملامح والشكل على نحو مذهل”.

لكن ما الدور الذي تلعبه ما تُعرف بـ “رَبة الإلهام” لدى كل منّا؟ بالنسبة لبيكاسو مثلا، ما من حاجة لانتظار ظهور مصدر الإلهام هذا، إذ يقول: “الإلهام موجود، لكن لا بد أن يأتيك ليجدك عاكفا على العمل”.

وقد تبنت الروائية إيزابيل الليندي رؤية مماثلة عبر نصيحة قالت فيها “عليك أن تتفوق ثم تتفوق ثم تتفوق”. أما الرسامة المكسيكية فريدا كالوا فتقول: “أنا ربة إلهامي، أنا موضوع (فني)، الذي أعرفه أفضل من أي شيء آخر”.

ويرى آخرون أن بوسعنا تشجيع نزعتنا للإبداع، عبر إحداث قدر من التواصل مع الأشياء المحيطة بنا، بما يكفي لإشعال شرارة الابتكار في داخل كل منّا، وهو ما تسميه جوليا كاميرون “الكهرباء الروحية”. أما الكاتب المجري ميهالي تشيكسينتميهايي، فقد أطلق على ذلك وصف “التدفق”، في كتاب أصدره عام 1990، لوصف كيف ينغمس الإنسان بالكامل في أي نشاط إبداعي.

ويؤمن الرسام الكولومبي دايرو فارغاس بهذا المفهوم. ويقول إنه يستفيد من أسلوب “التدفق” هذا، لرسم لوحاته التي تنتمي لمدرسة التعبيرية التجريدية. وقد عُرِضَ بعض من هذه الأعمال مؤخرا، في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن.

ويسعى فارغاس إلى التأكيد على ضرورة الاستفادة بالقدرة على الإبداع للتحلي بالصحة العقلية، ويقول إنه وجد في الرسم ملاذا له من الاكتئاب. ويشير إلى أن الأطفال ينعمون بهذا النوع من “التدفق الابداعي” بشكل طبيعي، في ضوء قدرتهم على الفن والإبداع دون عناء أو كوابح.

عُرِضَت أعمال للرسام الكولومبي دايرو فارغاس مؤخرا في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن
التعليق على الصورة،عُرِضَت أعمال للرسام الكولومبي دايرو فارغاس مؤخرا في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن

وقال فارغاس لبي بي سي: “نستطيع ونحن صغار، الرسم والإبداع بسعادة، لأننا نكون متحررين من القيود العاطفية. كما أن بوسع الأطفال سرد الكثير من القصص، اعتمادا على عدد محدود للغاية، من الخطوط العريضة لها”. أما عندما يتعاون هذا الرسام الكولومبي مع البالغين الراشدين، فإنه يرى أن “التأمل”، يساعد هؤلاء على الوصول إلى “قدر أعلى من الطاقة”.

كُتَاب آخرون يرون أن كون المرء مبدعا هو من قبيل الضرورات اليومية، مثل تنظيف الأسنان مثلا. فالروائي مارك هادون يقول في كتاب “الكتابة في ضوء الظلام: الكتابة عن الإبداع والإلهام والعملية الفنية” الذي حرره جو فاسلر، إن الأمر يشبه التعايش مع الإصابة بما يُعرف بـ “الهوس المرضي الحدي”، أي أنه نشاط “يتعين عليّ القيام به، لكي أشعر ببساطة بأنني إنسان”.

وتقول إيمي تان، مؤلفة رواية “نادي جوي لاك”، إن الإبداع والكتابة بالنسبة لها، هما عبارة عن أن يكون المرء “منفتحا على الأفكار الجديدة، وأُطر العمل الأخرى التي يمكن ألا يفهمها من الوهلة الأولى”.

وفي عام 2012، بلغت هذه السيدة 60 عاما من العمر. ووقتذاك قضت أسبوعا على جزيرة نائية، افتتنت خلاله بـ “عالم ما تحت الماء”. وتروي ذكرياتها عن تلك الفترة قائلة: “لقد تمكنت حتى من رؤية أسماك القرش. وتحول المحيط إلى ساحة للهو واللعب، وفكرت كيف يمكن أن يفوتني هذا العالم الشاسع؟” وتعتبر أن ذلك يشكل مثالا على كيفية ألا يلاحظ المرء “أن أمامه فرصا سانحة هائلة، سواء في حياته الشخصية أو العملية”.

على أي حال، يمكن القول إن الإبداع يتمثل في أشياء متعددة في آن واحد، من بينها تواصلك مع نفسك أو مع مصادر أخرى خارجية، بما يؤدي لتبلور أفكار جديدة لديك. كما قد يتمثل في احتفائك بخوفك وبالنقد الذاتي الذي توجهه إلى نفسك. كما أنه يتجسد في البقاء منفتحا على كل ما حولك.

لكن الذكاء الإبداعي قد لا يساوي شيئا، دون وجود عقل يدقق ويحقق ويستفسر دائما؛ هذا على الأقل ما يؤمن به الكاتب والتر آيزاكسون، الذي ألف في عام 2017 سيرة ذاتية للفنان والمخترع الإيطالي ليوناردو دا فينشي، استنادا إلى أكثر من 7000 من أوراق العمل الخاصة به.

وعندما سألته قناة “ناشيونال جيوغرافيك” الشهيرة، عن العوامل التي جعلت دا فينشي عبقريا، أشار إلى أن تحلي ذلك الرجل متعدد جوانب الثقافة، بمجموعة المهارات المتنوعة التي كان يتسم بها، شكلَّ أمرا ضروريا لتحقيقه إنجازاته المذهلة. فقد كان دا فينشي رساما ومهندسا معماريا ومنتجا مسرحيا.

ويضيف أن فضول دا فينشي، يمثل أبرز ما اتسم به من خصال. ويقول إن التحلي بالفضول، إزاء كل شيء شكلَّ “الأسلوب الذي شق دا فينشي به طريقه ليكون عبقريا، والطريقة التي علّم نفسه من خلالها، أن يصبح كذلك أيضا”. ويَخْلُص آيزاكسون للقول: “لن نتمكن أبدا من محاكاة القدرات الرياضية لأينشتاين. لكن بوسعنا جميعا أن نحاول أن نتعلم من فضول دا فينشي، وأن نقلد ذلك أيضا”.

%d مدونون معجبون بهذه: