عبدالإله الشاهدي فنان مغربي يعيد ترتيب شظايا الكون فوق القماشة

إن ما فرضته جائحة كورونا لم يكن سهل الاستيعاب ومازالت آثاره تتعاظم يوما فآخر، لا فقط لفداحة الموت والخوف من الحاضر والمستقبل، بل لمداركنا التي نحتناها على مر القرون وأفكارنا وتصوراتنا الجمالية والفكرية والعلمية، حيث تزعزعت مكانة الإنسان المعاصر، مبشرة بنهاية حقبة وولادة أخرى. الولادة الجديدة واكبها الكثير من المبدعين، من أدباء وموسيقيين ورسامين، وإن كان الظهور الأبرز للرسامين، الذين باتوا في صدارة المشهد الثقافي اليوم مستطلعين المآلات بريشاتهم.

ما الذي يعلّمنا الفن؟ إنه يعلمنا العزلة والانعتاق منها في الآن ذاته، نوع من التناقض الذي لا يمكن الانفلات منه، من حيث أن التناقض ليس عيبا في العالم، بل إنه جزء من عوالم تقدمه وتطوره، إنه حق من حقوق الإنسان كما يخبرنا بودلير، و”إن التناقض الظاهري هو مصدر انفعال المفكر” يقول كيركغارد، الذي يرى أن “المفكر بلا تناقض أشبه بعاشق بلا شعور”.

ونحن في هذه العزلة الإجبارية، عزلة الكائن الخفي في زمننا المعاصر وألفيتنا الجديدة، نجد أنفسنا إزاء العودة إلى الذات، العودة إلى الأعماق، والغوص بعيدا. بعيدا في عزلتنا السرية، مشدودين ومنذورين إلى الصراع القائم بين الداخل والخارج، بين الصمت والصخب، بين الأنا والنحن/الـ”هُم”. وهذا ما نقرأه في العمل الفني المعنون “الحرية المنتهكة؛ 2020″، للفنان التشكيلي المغربي عبدالإله الشاهدي.

الانعطاف والعزلة

 يجمع عبدالإله الشاهدي في عمله الأخير بين الواقعية المفرطة والسُريالية المتجددة، نوع من حساسيةٍ توضب فوضاها المبعثرة في كون القماشة، لتخبرنا بأننا صرنا سجناء هذا العالم المعاصر، الذي يصعب فهمه؛ عالم سائل وغازي، عصي على إدراك تفاصيله، عالم بقدر ما ينتقد الميتافيزيقا فهو يشيد ميتافيزيقاه الجديدة، لكننا غير قادرين على الهروب منه؛ كذلك العصفور الذي يفضل الموت على أن يُسجن في عزلة القفص.

هذا ما يخبرنا به الفنان التشكيلي المغربي المعاصر، المنتصر للصباغة دائما، جاعلا من نفسه طائرا سجين العزلة القسرية بفعل هذا الوباء الخفي، كأننا “نطارد شبحا يطاردنا”، لا حل لدينا، إما أن نواجهه أو نموت منعزلين غرباء.

 إننا إذن، ذلك الطائر؛ ونحن أيضا تلك الفتاة التي انقلب رأسها وباتت تنظر إلى العالم من الأسفل لعله يعتدل ويعدل عما آل إليه.

ونحن إزاء هذا العمل الفني نقف عند نقطة انعطاف مهمة في تجربة هذا الصباغي المتعلق بشدة بفن الرسم والصباغة المعاصريْن، إذ يُطور بشكل مستمر وبلا انقطاع آليات اشتغاله عبر استحداث تقنياته الخاصة أو تجريب أساليب ومواد خاصة يمزجها مع الأصباغ الطبيعية والمصطنعة.

الفنان يعيد تركيب نسيج هذا الكون عبر تلك المشاهد التي تضعنا أمام حالات إنسانية حق الوقوف عندها وتأملها مليا في ظل ما نعيشه الآن

وقد كان لهذا الحدث الإنساني غير المسبوق -الذي نعيشه- عامل كبير في هذا الانعطاف الجمالي في تجربة الفنان، حيث نجد له أثرا كبيرا في أعماله الأخيرة المشدودة إلى إبراز الجانب العميق في الذات البشرية المنعزلة إلى وحدتها القسرية، هاربة من موت خفي.

يعمل الشاهدي على مواضيع إنسانية تهتم في أغلبها بالمرأة ثيمةً واشتغالا، المرأة من حيث إنها الأم والزوجة والأخت وأيضا من حيث إنها نصف المجتمع الذي يقع على عاتقه تربية وتنشئة النصف الثاني.

كل هذا عبر أعمال تستند إلى واقعية مفرطة، لكنها تهرب إلى سريالية خاصة تزاوج بين الواقعي والحُلمي، لكنها تنتصر للإنساني -المتعلق بمعاناة المرأة بالخصوص. لهذا نجده في عمل صباغي (رمال الزمن، 2018)، يضع المتلقي أمام ساعة رملية حيث تتساقط رمال وجه فتاة شابة إلى أسفل قارورة الساعة لتُكوّن لنا وجه امرأة عجوز، بينما تسبح الساعة في بحر هائج، الذي يشير إلى تقلبات الزمن وصعوباته التي لا يمكن الهروب منها، فهو سائل وهارب يستعصي علينا دائما إدراكه أو اقتناص لحظاته المنفلتة، لهذا نحن محكمون بظروفه وبالشيخوخة والزوال.

إذن لا مفر من “الرحيل” كحق ثان إلى جانب التناقض الذي نسيته حقوق الإنسان كما يقول بودلير. فالشاهدي يقدم لنا سجله الزمني لهيئات وحالات نسائية متغيرة ومختلفة، اهتمامه هذا مردّه إلى ذلك التعلق الكبير الذي ربطه بالأم، وجعله يُكرّمها ويعلي من قدرها (صورتها تحضر في مجموعة من أعماله). متخذا منها، أي المرأة، مدخلا لمناقشة قيم الحرية والذاتية والاستقلالية.. لإنشاد مجتمع الحداثة والتقدم.

الدهشة والتجريب

 وجوه يكتبها الزمن
 وجوه يكتبها الزمن

نقف أمام أعمال هذا الفنان المشدود إلى الدهشة وإلى التجريب، كأننا نقف أمام أرض خصبة معطاء ولود، أرض عامرة بالدلالة والعلامات والبؤر البصرية الغنية التي لا تقف عن توليد دلالاتها ومعانيها في تضاعف وتكاثر.

إن كل صورة بصرية في العمل لديه تغدو أيقونة ما يجعل منها حاملة لقدسية خاصة. حيث تغيب نساؤه وسط الحمام والعصافير والرمال والمياه والفراشات وهيولى الصباغة (السديم). وكلها مرئيات لها ما لها من قدسية في تاريخ الفن الطويل.

هذا وتتداخل في أعماله ملامح فنية عدة تتشابك فيها التصويرية الصباغية المفرطة والسريالية، بالتقنية وأبعادها اللامرئية، إذ تتحول إلى إبداعية تتعلق بتحول أنطولوجي مرتبط بأفق ميتافيزيقي للتقنية، وأفق الفن المعاصر بكل ما يستدعي معه من تحكم بكل ما هو بصري.

كيميائي في المختبر

تحكم الفنان بمفاصل أعماله يعزى إلى سعيه لاستحداث تجربة خاصة تمزج بين المرئي وما فوقه، بين الواقعي وما فوق الواقعي، في محاولة لتصوير اللامرئي والغائب عن إدراكاتنا البصرية، تلك الميتافيزيقيات التي نتعايش معها ولا نستطيع أن نضعها إزاء مقياس محدد، كالحرية مثلا.

وليست أعمال الشاهدي الجديدة آثارا فنية تصويرية تتبع مآزق الكلاسيكية وهندسيتها وحساباتها الأولمبية، التي تجعل الفن حبيس حسابات دقيقة، لا تترك للفنان متسعا من اللهو واللعب والمرح، الذي يجعل العمل منبثقا من الذات الإنسانية الفنانة، باعتبارها منطلق الفن لا العالم الخارجي، فالفنان المعاصر لا يسعى إلى المحاكاة، بل إلى إعادة الصياغة والتشكيل والخلق. أي إعادة ترتيب الشظايا وفوضى هذا الكون فوق القماشة.

إن الأثر الفني كما يخبرنا جاك دريدا، هو “رأب للصدع والتشقق وضمد الجراح وعلاج للذات المتشظية”. وهذا ما نجح فيه هذا الفنان وهو يعرج نحو انعطافه الاستتيقي الجديد متأثرا، كما غيره من الفنانين المحدثين والمعاصرين المشدودين إلى رغبة التجديد والتجريب، بالظرفية العالمية والإنسانية الجديدة التي يتحكم فيها كائن “لامرئي” يستحيل “القبض عليه”.

 وككيميائي في مختبره، يجرب عبدالإله الشاهدي صباغاته المتجددة ليعيد تركيب نسيج هذا الكون عبر تلك المشاهد التي تضعنا أمام حالات إنسانية حق الوقوف عندها وتأملها مليا في ظل ما نعيشه الآن.

البشر في العزلة كالعصافير المسجونة
البشر في العزلة كالعصافير المسجونة

%d مدونون معجبون بهذه: