عودة العلاقات “الطبيعية” بين مصر والكويت: انتهاء زمن فضلي عليك وفضلك عليّ

القاهرة – ثلاثون عاما كافية للعودة إلى نقطة العلاقات “الطبيعية” بين مصر والكويت، حيث تتبادل الدولتان اللوم والتقريع بسبب قضايا ومسائل يومية خصوصا بعد أن أصبح واضحا أن الكويتيين بصدد استبعاد أعداد كبيرة من المصريين بعد اتهامات من نافذين ومن حلقات شعبية بأن المصريين “يستنزفون” حصص الكويتيين في مجال الصحة والخدمات، وتعلو الآن الأصوات المنادية بأن “الكويتي أولا”، وذلك بالتزامن مع تراجع الدخل النفطي وتضخم الإنفاق وضعف الاستثمار الداخلي.

واستدعت وزارة الخارجية الكويتية، الجمعة، السفير المصري في الكويت طارق القوني، ورفضت ما اعتبرته “ممارسات مشينة” من جانب محمد سعفان، معاون وزير القوى العاملة في مصر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على خلفية اعتداء مواطن كويتي على طبيبة مصرية.

وأعرب نائب وزير الخارجية خالد الجارالله عن “استنكار واستياء ورفض دولة الكويت الشديد للإساءات الصادرة من المسؤول المصري، والتي استهدفت الدولة ورموزها”، واعتبر أنها “تستوجب من القاهرة اتخاذ إجراءات قانونية بحقه”.

وأبلغ نائب وزير الخارجية الكويتي، السفير المصري، بأن بلاده “ستتابع ما ستتخذه السلطات المصرية من إجراءات، والتي على ضوئها ستحتفظ بحقها في اتخاذ ما يلزم من إجراءات، لردع الإساءات للكويت ورموزها”.

وتشير تصرفات الكويت، ومصر أيضا، إلى الاتجاه نحو طي مرحلة استثنائية في العلاقات المشتركة، امتدت ثلاثة عقود، قد ينتهي على إثرها حديث كل طرف عن فضله المادي والمعنوي في مساعدة الطرف الآخر، ما جعل أزمة العمالة المصرية في الكويت تحوّل من مشكلة عادية إلى منغص سياسي وشعبي.

ويفسر متابعون التغير الحاصل في هذه القضية بأن ملف الموقف المصري المناصر للكويت في العدوان العراقي عليها بدأ يفقد مفعوله السياسي والاقتصادي، فالكويت التي قبلت بتشغيل مئات الآلاف من المصريين بدلا من عمال الأردن وفلسطين عقابا لقيادتهما السياسية مضطرة إلى توظيف أعداد كبيرة من مواطنيها في سياق الأزمة الاقتصادية والمالية.

وكانت مصر قد وقفت ضد العراق في أزمة احتلال الكويت، في أغسطس 1990، وأرسلت جيشها لقتال القوات العراقية، واستضافت أعدادا كبيرة من المواطنين، وجرى تقديم كل الدعم لهم، إلى حين انتهاء حرب تحرير الكويت.

وتلقت وزارة القوى العاملة في مصر تقريرا من الملحق العمالي في الكويت أحمد إبراهيم، بشأن حادثة اعتداء مواطن كويتي على طبيبة مصرية بالسب والضرب، في مقر عملها بمستوصف مبارك الكبير الشرقي في الكويت منذ حوالي عشرة أيام.

وأكد وزير القوى العاملة المصري محمد سعفان، خلال اتصال هاتفي مع الطبيبة المصرية، الخميس، عن دعمه لها، وقال إن “حقوقها المادية والأدبية محفوظة”.

وشدد على أن الكويت بلد قانون ولن يظلم أحدا، وأن القيادة السياسية ممثلة في الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وجهت بضرورة وقوف الدولة والحكومة إلى جانب أي مواطن مصري ونُصرته، إذا وقع في مشكلة.

ويبدي مصريون تفاعلا حادا مع ما يقولون إنه تكرار لاعتداء كويتيين على عاملين مصريين، ويتهمون الحكومة الكويتية بأنها تصمت على هذه الاعتداءات، كما يلومون النظام المصري ويتهمونه بالتقاعس في ردع الإهانات التي يتعرض لها مواطنون في الخارج.

الأوضاع تغيرت الآن
الأوضاع تغيرت الآن

ويأتي هذا وسط تقارير تفيد بأن الكويت تعتزم ترحيل 70 في المئة من العمال الوافدين، بهدف إصلاح اختلال في التركيبة السكانية للبلاد، وفق إعلام محلي.

وسلطت الشعبوية الظاهرة على منصات التواصل الاجتماعي الضوء على قضية العمالة المصرية في الكويت، وأخرجتها من حظيرة الصمت إلى المواجهة، وأجبرت الحكومة على التعامل معها بجدية.

وتشير بعض المصادر إلى أن أزمة العمالة المصرية في الكويت خرجت عن سياقها الطبيعي الذي حكمها طوال السنوات الماضية، فلم تعد القاهرة تتقبل الممارسات السلبية بحق العاملين هناك، وترفض الكويت التلميحات التي تتهمها بالتواطؤ وعدم المحاسبة ورفض اتخاذ مواقف حاسمة بحق المعتدين دفاعا عن مصريين.

وتكررت المواقف الشعبوية الفترة الماضية، وابتعدت عن سياقاتها المعتادة في التطويق والاحتواء والكتمان، ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا في الشحن المتبادل بين مواطني البلدين، ورضخت حكومتا البلدين للتفاعل مع الأزمات، كلّ منهما بالطريقة التي ترضي غرور مواطنيها.

وتكشف الأدوات المستخدمة عن قدر من الغضب في طريقة التعاطي النهائي، ما يعني أن أزمة العمالة يمكن أن تتحول إلى تحد أمام أمير الكويت الجديد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، المطالب بتثبيت أركان حكمه في ظل حسابات وتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة، ولا يحتمل هذا الوضع أي تصدعات أو أزمات عميقة في هذه الفترة.

وتسير العلاقات في ملف العمالة بوتيرة معاكسة للتعاون الحاصل في ملف مكافحة الإرهاب، حيث سلمت السلطات الكويتية ثلاثة مصريين مقيمين لديها مؤخرا، إلى الإنتربول الدولي تمهيدا لتسليمهم إلى القاهرة، لتورطهم في الدعوة والتحريض على التظاهر ضد الحكومة المصرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وينتمي هؤلاء إلى جماعة الإخوان، ويقيمون في منطقة الفروانية، وحرضوا على الفوضى والتظاهر ضد الحكومة المصرية، وجاء ذلك ضمن التنسيق الأمني بين سلطات البلدين في إطار الاتفاقيات المشتركة لتبادل المجرمين.

%d مدونون معجبون بهذه: