فشل الصدر في إخماد الانتفاضة يضع النظام العراقي في مأزق

فشل الصدر في إخماد الانتفاضة يضع النظام العراقي في مأزق

بغداد – وضع فشلُ رجلِ الدين الشيعي مقتدى الصدر في إخماد الحركة الاحتجاجية العراقية غير المسبوقة، النظامَ العراقي القائم على المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية بقيادة الأحزاب الشيعية، في مأزق كبير، وذلك بعد أن فشلت محاولات إنهاء الاحتجاجات بالقوة رغم ضراوة أساليب القمع التي اعتُمدت في مواجهة المحتجّين وتنوّعها بين القتل والاختطاف والاعتقال والتعذيب.

وظلّ الصدر طيلة السبع عشرة سنة الماضية في خلافات حادّة مع أركان النظام العراقي المدعوم من إيران حدّت من مشاركته في السلطة، لكنّ معضلة الانتفاضة الشعبية المتواصلة منذ أكتوبر الماضي حتّمت اللجوء إليه واستخدام الشعبية التي يحظى بها داخل الأوساط الشيعية الأكثر فقرا وتهميشا، عساه يفلح في الحدّ من حالة الغضب الشعبي التي باتت تهدّد النظام القائم بالانهيار.

وتجاوز زعيم التيار الصدري المحظور عندما انخرط في قمع المحتجّين وقتلهم عن طريق ميليشيا جديدة أطلق عليها اسم “القبعات الزرق”، وذلك بعد أن فشل في ضرب الحراك الشعبي وشق صفوفه بسحب أنصاره من ساحات التظاهر والاعتصام مراهنا على انهيار الحركة الاحتجاجية.

لكنّ النتيجة جاءت عكسية تماما عندما أظهر المحتجّون إصرارا على مواصلة انتفاضتهم، جاعلين الصدر نفسه هدفا لشعاراتهم الرافضة لجميع أركان النظام.

وألحق مقتدى الصدر ضررا آخر بسمعة رجال الدين الشيعة الذين كثيرا ما استند إليهم النظام القائم في العراق منذ سنة 2003 وعلى رأسهم المرجع الأعلى علي السيستاني الذي دخلت خطبه الأسبوعية التي تتناول عادة الأوضاع القائمة في البلاد دائرة التكرار والروتين وأصبحت قليلة الأهمية لدى المحتجين.

وجدّد السيستاني في خطبة الجمعة في النجف، التي ألقاها نيابة عنه ممثله أحمد الصافي النجفي، إدانته لقمع المحتجين وحثّه على الاستجابة للمطالب الشعبية ومن ضمنها إجراء انتخابات مبكّرة.

وتعكس الصعوبات الكبيرة في ملء الفراغ السياسي القائم بعد استقالة حكومة عادل عبدالمهدي والعجز عن تمرير محمّد توفيق علاّوي المكلّف بتشكيل حكومة جديدة بسبب الرفض الشعبي التام له، حالة الارتباك التي يعيشها النظام العراقي.

وتحدّى المحتجّون مناورات مقتدى الصدر والقمع الذي تشترك فيه الميليشيات التابعة له جنبا إلى جنب مع القوات الحكومية، وهدّدوا، الجمعة، بتصعيد الاحتجاجات في حال لم تجر السلطات المسؤولة استفتاء شعبيا لاختيار شخصية تكلف بمهمة تشكيل الحكومة المقبلة خلال فترة أسبوع واحد.

وقال معن الجابري، منسق احتجاجات محافظة ذي قار جنوبي البلاد، لوكالة الأناضول، إن “ساحة اعتصام الحبوبي في ذي قار اتفقت مع ساحات اعتصام محافظات الوسط والجنوب وساحة التحرير ببغداد، على أن يتم إجراء استفتاء شعبي على منصب رئيس الوزراء”.

وأوضح أنّ “ساحات الاعتصام اتفقت على منح الحكومة ومفوضية الانتخابات والقضاء أسبوعا واحدا للإعلان عن الآلية التي سيتم بها إجراء الاستفتاء للخروج بموقف موحد من رئيس الوزراء القادم”.

وتابع الجابري أنّ “ساحات الاعتصام ستتولى ترشيح شخصيات غير جدلية وغير حزبية، ومتماشية مع توجيهات المرجعية الدينية في النجف، وعليها إجماع وطني، وستقدم إلى الجهات الرسمية لغرض طرحها في الاستفتاء الشعبي”.

اتفاق بين المحتجين في بغداد ومدن الوسط والجنوب على المطالبة باستفتاء شعبي لاختيار رئيس للوزراء
اتفاق بين المحتجين في بغداد ومدن الوسط والجنوب على المطالبة باستفتاء شعبي لاختيار رئيس للوزراء

ويحتاج التحضير لاستفتاء شعبي وإجراؤه الكثير من الوقت وهو ما يجعله خيارا مستبعدا في الوقت الراهن، غير أن هذا المطلب يأتي، فيما يبدو، للضغط على القوى السياسية لطرح بديل لرئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي يحظى بدعم الحراك.

من جهته، قال منسق احتجاجات ديالى كامل الجبوري إنّ “اتصالات أجريت ليلة الخميس الجمعة بين ساحات الاعتصام في بغداد ومحافظات وسط وجنوب البلاد، وتم الاتفاق على استفتاء شعبي لإنهاء الأزمة بشأن مرشح رئاسة الوزراء”.

وأوضح الجبوري أنه “في حال لم تلتزم الحكومة والجهات المعنية بمطلب ساحات الاعتصام، سيكون هناك تصعيد كبير من المتظاهرين، بالتوجه من جميع المحافظات إلى المنطقة الخضراء ببغداد وتطويقها، وإرغام أصحاب القرار على تنفيذ توجهات ساحات الاعتصام باعتبارها المصدر الشرعي لأيّ عملية سياسية”.

ولأشهر طويلة، تظاهر مناصرو مقتدى الصدر ضد الحكومة العراقية، لكنهم انتقلوا فجأة وبأمر من زعيمهم الى المعسكر الآخر، متخلين عن رفاق الأمس في الساحات والشوارع الذين يشعرون بالمرارة والخيانة ويخشون خصما جديدا كان بالأمس حليفا حاميا لهم.

وتشارك منى في تنظيم التظاهرات المناهضة للسلطة والمنددة بالفساد منذ أكتوبر الماضي في العاصمة العراقية. وتقول الشابة التي تعمل مسعفة لوكالة فرانس برس “كنا نوزّع الطعام على خيمهم (أتباع الصدر) في الأيام الأولى من التظاهرات، فكيف يمكن أن يعاملونا هكذا”. وتضيف “قلت منذ الأيام الأولى إنهم سيتخلّون عنا”.

وقُتل الأربعاء الماضي أحد عشر متظاهرا وأصيب أكثر من مئة آخرين في هجوم ميليشيا القبعات الزرق على متظاهرين كانوا يعتصمون في ساحة الصدرين وسط مدينة النجف جنوبي العاصمة بغداد. فيما أصيب الخميس أحد عشر متظاهرا في هجوم شنه عناصر الميليشيا ذاتها على ساحة اعتصام كربلاء جنوبي البلاد.

وغيّر الزعيم الشيعي النافذ موقفه مؤخّرا معلنا دعمه لرئيس الوزراء المكلّف محمد علاوي. وكان ندّد في السابق بفساد السلطة، ودعا إلى التظاهر بكثافة ضدها.

ويرفض المتظاهرون المناهضون للسلطة تكليف علاوي الذي كان وزيرا مرتين في السابق، ويطالبون بتغييره.

وكان التحالف بين المحتجّين غير المعبّرين عن أيّ انتماء حزبي أو عرقي أو طائفي، مع آخرين منتمين لتيار الصدر مثيرا للجدل منذ البداية، إذ اعتبره البعض انتقاصا من الميزة الأساسية للانتفاضة العراقية المتمثلة بالابتعاد عن الفئوية والتحزّب.

السيستاني يجدد إدانته قمع المحتجين
السيستاني يجدد إدانته قمع المحتجين

وشارك مؤيدو الصدر في التظاهرات المناهضة للحكومة بقوة وهاجموا النخبة الحاكمة في العراق المتهمة بالفساد. وقاموا في بداية الاحتجاجات بتأمين عملية تدفّق الإمدادات الى ساحة التحرير من أغذية وأدوية ومواد إيواء وغيرها.

كما أن التيار الصدري الذي يملك أكبر كتلة نيابية في البرلمان، لعب دورا مهما في منح المتظاهرين غطاء سياسيا شكّل سدا أمام محاولات شن حملة قمع شاملة ضدهم.

وشعر بعض المتظاهرين بالريبة من التحالف مع تيار سياسي، على اعتبار أنّ احتجاجاتهم موجّهة ضد الطبقة السياسية برمّتها.

ويقول حكيم الذي يشارك في التظاهرات منذ بدايتها، وهو معارض شرس للتيار الصدري “أدرك أنّ الأمر عجيب لكن كان عليّ أن أشكرهم على مواقفهم”، في إشارة لتصدّي أنصار الصدر لهجوم من قبل ملثّمين تعرّض له موقع للمتظاهرين قرب ساحة التحرير ببغداد في ديسمبر الماضي وقتل فيه عشرون متظاهرا.

وقبل أسبوع من إعلان مقتدى الصدر تأييده لتكليف علاوي تشكيل الحكومة، نظّم تياره تظاهرة طالب فيها بخروج القوات الأميركية من العراق، قائلا إنّه لن يواصل دعم التظاهرات المناهضة للحكومة. لكنه دعا بعد أيام قليلة عبر تويتر مؤيّديه إلى التظاهر مجددا، قبل أن يعود ويطلب منهم مساندة قوات الأمن في عملية إعادة فتح المدارس والطرق التي أغلقتها الاحتجاجات. وتقول منى “تغريدة تأتي بهم إلى هنا، وتغريدة أخرى تجعلهم يغادرون”.

وفي تظاهرة طلابية جرت مؤخرا في بغداد، رفع متظاهرون لافتات تدين صراحة تقلبات الصدر وانخراطه في قمع المحتجّين.

ويروي علي، الذي يشارك في التظاهرات، أن مؤيدين للصدر ساروا في الأيام الأخيرة قرب ساحة التحرير وهم يحملون العصي ويهدّدون المحتجّين الذين رددوا شعارات رافضة لعلاوي.

ويقول رفيقه محمد من داخل خيمة اعتصام برفقة آخرين إنهم باتوا يقضون الليل بالقرب من خيمتهم “لضمان عدم التعرّض لهجوم من أحد”. ويقول مصطفى الطالب في قسم التاريخ “نحن محاصرون من كل جهة”، معدّدا الأطراف التي تقمع المحتجّين، بالقول “هناك الحكومة، والأحزاب السياسية، والآن هناك الصدريون”.

%d مدونون معجبون بهذه: