كارتيلات الإتاوات تحرج الأردن

عمان – أماطت جريمة الزرقاء البشعة، التي راح ضحيتها فتى في السادسة عشرة من عمره، اللثام عن المسكوت عنه سياسيا واجتماعيا في الأردن؛ بدءًا بتفشّي ظواهر الجريمة والعنف، وصولا إلى بروز “كارتيلات” تمتهن فرض الإتاوات أو “ضريبة الخوف” مستغلة تساهل الدولة وانشغالها بالشأن السياسي والاقتصادي والصحي.

ووقعت الحادثة التي سببت صدمة في المملكة، الثلاثاء الماضي عندما قام أشخاص بخطف الفتى صالح حمدان في محافظة الزرقاء (23 كلم شمال شرق عمان)، وقاموا ببتر يديه وفقء عينيه بأدوات حادة، ثأرا من والده المسجون حاليا، على خلفية قتله لأحد أقاربهم خلال اشتباك بينهما بعد رفض الوالد ابتزاز القتيل ومطالبته بدفع إتاوة.

وأحرجت جريمة الزرقاء، التي تناقلتها وسائل إعلام أجنبية على نطاق واسع، الدولة الأردنية التي طالما تباهت بقدرتها على ضبط الأمن وبتماسك نسيجها الاجتماعي.

وطالب النائب العام في محكمة الجنايات الأردنية بوقف النشر في القضية، بالتوازي مع إطلاق حملة على المنحرفين، وخاصة فارضي الإتاوات على وقع غضب شعبي متنام من سطوة هؤلاء ونفوذهم لاسيما في المحافظات الهشة.

اللواء حسين الحواتمة: لا بد من إجراء تغييرات على التشريعات كي تكون العقوبات رادعة
اللواء حسين الحواتمة: لا بد من إجراء تغييرات على التشريعات كي تكون العقوبات رادعة

وبدا من خلال الحملة المعلنة على المجرمين وفارضي الإتاوات أن الدولة تحاول إيصال رسالة للمواطن تفيد بأنها قادرة على الضرب بيد من حديد على كل من يحاول هز الثقة في الأجهزة الأمنية بالتزامن مع تساؤلات شعبية عن دور الدولة في الحد من تعاظم خطر الجريمة، وقدرتها على التصدي لها بشكل حازم.

ويتهم ناشطون أردنيون الدولة بأن إجراءاتها الأخيرة جاءت كمحاولة تسكينية لاحتواء الغضب الشعبي وأن الأمر سيعود إلى ما كان عليه.

وانتشرت ظاهرة “الإتاوة” أو “ضريبة الخوف” بقوة في السنوات الأخيرة في عدة محافظات بالأردن على غرار محافظة الزرقاء، ولم تعد تستهدف أصحاب المحلات فقط، بل طالت حتى أصحاب “البسطات” المنتشرة على جوانب الطرق، في ظل صمت “مشبوه” للسلطات الأمنية يطرح فرضيتين: إما أنه ناجم عن خوف، أو أن بعض تلك الكارتيلات لها صلات بشخصيات أمنية متنفذة.

ويعمد فارضو الإتاوات إلى ترهيب أصحاب المحال وابتزازهم ماليا مستغلين خوف هؤلاء من إمكانية تعرضهم للانتقام وخسارة موارد رزقهم في حال رفضوا الاستجابة لمطالب فارضي الإتاوات.

وذكرت مصادر أردنية أن فارضي الإتاوات ينتظمون في شكل مجموعات أو كارتيلات على شاكلة مروجي المخدرات، ويتمتعون بسطوة ظاهرة إلى درجة أن القوى الأمنية تخشى التعرض لهم.

ويُجبَر معظم أصحاب المحلات على الخضوع لابتزازهم في ظل إدراكهم أن اللجوء إلى الأجهزة الأمنية لن يحقق لهم أي حماية بل قد يجرّ عليهم ردود فعل انتقامية، وهو ما عبر عنه بشكل غير مباشر أحد الضحايا خلال برنامج وثائقي عرضته قناة “المملكة” حيث قال إنه اضطر إلى طلب الحماية من شخص له نفوذ في منطقته لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها، وإثر سؤاله عن سبب عدم توجهه إلى رجال الأمن تحفظ على  الرد.

ويقول مختصون في علم الاجتماع إن تنامي ظاهرة دفع الإتاوات في السنوات الأخيرة يرتبط بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتفشي الفساد بشكل مقلق داخل المملكة، في مقابل تعاطٍ رخو من قبل السلطات حيث أن هناك أحياء اليوم في بعض المحافظات تقريبا خارجة عن السيطرة وتعدّ مرتعا لأصحاب الجريمة.

ويشير المختصون إلى أن معدلات الجريمة في الأردن شهدت إثر التحولات الاجتماعية خلال العقود الأخيرة ارتفاعا مطردا، لاسيما في المناطق الفقيرة التي اتسع نطاقها في المملكة جراء تدهور الوضع الاقتصادي.

وشكّلت الأزمة في العراق، على خلفية التدخل الأميركي عام 2003، ثم الأزمة السورية، بالنسبة إلى السلطة الأردنية، أحد أوجه التنفيس؛ حيث غضت الطرف عن تسرب الشباب من أصحاب السوابق إلى هاتين الساحتين وتحولهم من الجريمة إلى “الجهاد”.

Thumbnail

واختلف الوضع اليوم وعاد المئات منهم بعقلية انتحارية وشكلوا عصابات أنهكت المواطنين وروعتهم، فيما تبدو الدولة تائهة لا تعرف كيف تجابه هذه الظاهرة، وكثيرا ما يتم الإعلان عن إصابات في صفوف رجال الأمن خلال حملات مداهمة تستهدف بعض الأحياء. 

وطالب مدير الأمن العام اللواء الركن حسين الحواتمة، الأحد، بإجراء تغييرات على التشريعات والقوانين كي تكون العقوبات رادعة.

ودعا الحواتمة، خلال حملة أمنية في منطقة وسط البلد بالعاصمة عمان بدأت السبت، المواطنين إلى الإبلاغ عن فارضي الإتاوات عبر الرقم المخصص لذلك، مؤكدا أن التعامل مع الشكاوى يتم بسرية تامة، في ما بدا محاولة لطمأنة الناس وكسر حاجز الخوف. وذكر أن الحملة الأمنية مستمرة حتى انتهاء الظاهرة، مضيفا “سنضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن والمواطن”.

وكان مصدر أمني أردني أعلن في وقت سابق عن إلقاء القبض على نحو مئة شخص من مطلوبين ومشتبه بهم في قضايا ترويع مواطنين وفرض إتاوات.

وقال ناطق إعلامي باسم مديرية الأمن العام في بيان إن “الحملات الأمنية المشتركة لمديرية الأمن العام أسفرت السبت عن القبض على 97 مطلوبا ومشتبهًا به في قضايا فرض الإتاوات وترويع المواطنين، من بينهم خمسة من المصنفين خطرين جدا”.

وأوضح أن “الحملات الأمنية للقبض على المطلوبين الخطرين والمشبوهين مستمرة لحين ضبطهم جميعا وتخليص المجتمع من أفعالهم”. وأكد “وفاة أحد المطلوبين لدى محاولة رجال الأمن القبض عليه في منطقة صويلح في عمان بعد قيامه بإلقاء نفسه من شرفة المنزل”.

%d مدونون معجبون بهذه: