لماذا تفتح سلطنة عُمان أبوابها للاستثمارات الإيرانية

لماذا تفتح سلطنة عُمان أبوابها للاستثمارات الإيرانية

تثير سلطنة عُمان منذ سنوات ضجة حول مواقفها غير المتناغمة مع مواقف الدول الخليجية تجاه العلاقات مع إيران، العدو الأول للسعودية، وخاصة في ما يتعلق بالتجارة والاستثمار، والتي عززتها مسقط بشكل أكبر خلال الفترة الماضية، غير مكترثة بالحظر الاقتصادي الأميركي المشدد المفروض على طهران بسبب سياساتها العدائية تجاه جيرانها.

لندن – تثبت الكثير من المؤشرات أن 2013 كان منعرجا حاسما لتعزيز التقارب بين سلطنة عُمان وإيران حيث قامت مسقط بتوطيد شراكاتها الاستثمارية والتجارية والاقتصادية مع طهران بشكل كبير.

ومن المؤكد أن مسقط لا تجد حرجا في التعامل مع طهران تجاريا واستثماريا باعتباره امتدادا للتقارب السياسي، كما أنها لا تأبه بما قد تكلفه هذه العلاقة مع جيرانها في منطقة الخليج وخاصة السعودية أو حتى إذا سلطت الولايات المتحدة عقوبات عليها لاختراقها الحظر المفروض على إيران.

وهناك خلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي وعُمان ناتج عن طريقة التعامل مع إيران، فبينما اتخذت السعودية والبحرين والإمارات والكويت موقفا واضحا تجاه التدخل الإيراني في شؤون المنطقة، تركت مسقط النافذة مفتوحة تجاه طهران في موقف وسطي مطالبة بالتحاور معها وعدم خلق المزيد من الأعداء.

وبحكم الموقع الجغرافي للبلدين وسيطرتهما على أهم معبر بحري دولي في المنطقة، وهو مضيق هرمز، فإن العلاقات اتسمت بالتقارب منذ زمن بعيد، وهو ما أعاد الجدل مرة أخرى للبحث عن الدافع حول هذا الإصرار.

هذا الأسبوع، كرست مسقط سياساتها الاقتصادية مع طهران عبر عقد اللقاء التجاري العماني الإيراني، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة عُمان بالتعاون مع غرفة تجارة كيرمان الإيرانية وغرفة التجارة العمانية الإيرانية.

وبحسب المعلومات الواردة من هناك، فقد شارك 31 رجلا وسيدة أعمال من إيران يمثلون عددا من القطاعات الاقتصادية مثل الزراعة والطاقة والصناعة والمقاولات والإنشاءات ومواد البناء وقطاع الخدمات.

سيد علوي: نسعى إلى إيجاد فرص تعاون تجاري واستثماري مع إيران
سيد علوي: نسعى إلى إيجاد فرص تعاون تجاري واستثماري مع إيران

في المقابل، لم تكشف التقارير الإخبارية المحلية عن عدد رجال الأعمال العمانيين، الذين شاركوا في هذا الاجتماع، لكن البعض أشار إلى أنهم بالعشرات.

ويرى عضو مجلس إدارة غرفة التجارة العمانية الإيرانية سيد علوي أن بلاده تعد واحدة من أفضل بلدان منطقة الخليج من حيث مناخ الاستثمار ولذلك تسعى إلى إيجاد شراكات وفرص تعاون تجاري واستثماري بها بما فيها إيران.

وتعاني الدولة الخليجية من متاعب اقتصادية بسبب تراجع عائداتها من صادرات الطاقة، على قلتها قياسا بجيرانها، كما أن سياساتها الإصلاحية تسير ببطء شديد.

ونسبت وكالة الأنباء العمانية الرسمية لعلوي تأكيده خلال اللقاء الذي احتضنته العاصمة العمانية على مدار يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، أن بلاده يمكن أن تُتخذ كنقطة عبور للوصول إلى العديد من أسواق العالم منها الأسواق الخليجية والأفريقية والأوروبية، وحتى الأميركية.

ولدى السلطات العمانية قناعة بجدوى التقارب التجاري مع إيران، فهناك خطوط ربط كثيرة بين البلدين سواء عن طريق رحلات الطيران المباشرة مع مدن إيرانية مثل طهران وشيراز وقشم وكيش ومشهد، أو عن طريق الموانئ البحرية مثل بندر عباس وشاهبهار وخوران شاه والأحواز وغيرها.

وتقول شركة المنصوري للتجارة والعاملة في مجال تصدير الزعفران والفستق من إيران إلى ألمانيا، إن ما يميز عُمان هو موقعها الجغرافي المتوسط للعالم على خليج عُمان وهو ما جعلها عند ملتقى خطوط الملاحة العالمية.

وشهدت الفترة الماضية توجه الكثير من رجال الأعمال الإيرانيين بجزء من استثماراتهم وتجارتهم إلى سلطنة عمان، كما أن هناك الكثير يرغبون في ذلك ولكن ينتظرون لحظة الحصول على الفرصة الملائمة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة بهارستان ريان، محسن ترك زادة إنه شخصيا فعل ذلك ونقل جزءا من استثماراته وأعماله قبل نحو عامين إلى السلطنة.

وتعمل هذه الشركة في مجال الإلكترونيات وتنتج تحديدا الشاشات الإلكترونية الذكية بأحجامها المختلفة وبتقنية وتطبيقات إيرانية خالصة تعمل في عُمان تحت اسم شركة إنتاج مسقط كشركة مساهمة محدودة.

وقالت الأمينة العامة لغرفة التجارة العمانية الإيرانية أريزو نظري إنه نظرا للإقبال الكبير من رجال الأعمال الإيرانيين على التعاون التجاري والاستثمار في عُمان “فإننا كغرفة تجارة مشتركة نحرص على تبادل الوفود وعقد لقاءات بين رجال أعمال البلدين”.

وقالت إن “سلطنة عمان دولة لها سياستها الواضحة وتحظى بالأمن والأمان والسلام والاستقرار وكلها عوامل جذب للاستثمارات ولرجال الأعمال”.

وأضافت، “كما يمكن أن تكون محطة للوصول إلى كثير من الأسواق في المنطقة، فهناك كثير من رجال الأعمال الإيرانيين يسعون للتعاون والشراكة مع رجال أعمال عمانيين”.

ووفق السفارة الإيرانية لدى مسقط فإن عدد الجالية الإيرانية في السلطنة قد تزايد خلال الأعوام القليلة الماضية عدة أضعاف وأنه وصل بنهاية العام الماضي إلى أكثر من خمسة آلاف شخص.

تقارب تجاري مع إيران
تقارب تجاري مع إيران

ولطالما حذر محللون من أن طهران تخطط لإبعاد مسقط عن عمقها الخليجي، وليس استغلال دورها كوسيط لإصلاح العلاقة المتوترة مع دول الخليج.

ورغم العلاقات الودية الظاهرية وما تبديه المواقف وتصريحات المسؤولين الإيرانيين من حرص على تقوية الأواصر مع سلطنة عمان، إلا أنه أصبح ينظر إلى هذه العلاقة كمصلحة لطهران لاستغلال حياد مسقط وضمان عدم تدخلها في أزمات المنطقة.

وقد انعكس ذلك الأمر على العلاقات الاقتصادية بشكل كبير، حيث هناك العشرات من الشواهد منذ تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد الحكم في عُمان عام 1970 على أن العلاقات في تطور مطرد.

ويقول اقتصاديون إن إيران تعمل منذ سيطرة الخميني على السلطة في نهاية سبعينات القرن الماضي على إثارة مخاوف المسؤولين العمانيين من السعودية على وجه التحديد وتصويرها على أنها عدوة لهم بهدف تسهيل إبرام العلاقات الاقتصادية معهم.

وفعليا، استغلت طهران بعد الاتفاق النووي مع دول 5+1 في يوليو 2015 ومن خلال إبرام اتفاقيات مع الحكومة العمانية، كافة الموانئ العمانية وحولتها إلى مراكز للشركات الإيرانية حتى يسهل تصدير منتجاتها إلى الأسواق الآسيوية والعربية.

وطيلة العقود الماضية، أبرمت الحكومة العمانية دون ضجيج العديد من الشراكات المحفزة للتجارة والاستثمار ولاسيما تلك المتعلقة بالإعفاء الضريبي والوصول إلى صفر ضرائب مع 16 دولة منها إيران.

وبحسب بيانات غرفة تجارة وصناعة عُمان، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الربع الأول من العام الماضي بلغ ما يقارب 116 مليون ريال (301.7 مليون دولار)، وذلك مقارنة مع 388 مليون ريال (أكثر من مليار دولار) خلال كامل 2018.

وتظهر عدة دراسات وخاصة التقارير الدورية الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن سلطنة عُمان تأتي في المركز العاشر بين البلدان التي تورّد المنتجات الإيرانية.

ولا تقتصر الشراكات على الجوانب التجارية والاستثمارية فقط، بل تصل إلى التعاملات المالية أيضا، فسلطنة عمان تعتبر من الدول القلائل، التي لا تكترث لمسألة العقوبات الاقتصادية، التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على طهران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

وسبق أن أخرجت مسقط المصارف الإيرانية من عزلتها إثر توقيع البنك المركزي العماني مذكرة تفاهم في مارس 2017 مع نظيره الإيراني لتعزيز التعاون المالي والاقتصادي بين البلدين.

ولم يكشف المركزي العماني حينها تفاصيل ذلك التعاون، ولكنه ذكر في بيان أن “الاتفاق سيعزز التجارة الثنائية ويشمل تدريب العاملين في البنك المركزي الإيراني”.

وتحجم معظم البنوك المركزية حول العالم فضلا عن البنوك العالمية الكبرى عن توطيد العلاقات مع إيران خشية تهديدات أميركية بأخذ إجراءات قانونية ضد إيران بسبب اتهامات بغسل أموال.

وفي عام 2016 وافق صندوق ثروة سيادي عُماني على دراسة مقترح لبناء مصنع سيارات في عُمان باستثمارات إيرانية.

وتأثرت عُمان من تراجع التجارة البينية مع إيران بعد أن رفعت الأمم المتحدة والغرب عقوبات اقتصادية عن طهران إثر تسوية سياسية للملف النووي الإيراني.

وكانت إيران قد أعلنت منذ خمس سنوات عن رغبتها باستعادة المليارات من الدولارات من السلطنة من دون أن تفصح عن السبب الذي جعل مسقط تحتفظ بهذه الأموال الإيرانية.

%d مدونون معجبون بهذه: