لماذا يخشى الناتو الإقبال الكثيف على العمل عن بُعد

بروكسل- لم تخرج روسيا والصين من دائرة الاتهامات الغربية التي باتت عنوان الصراعات في السنوات الأخيرة، ويبدو أن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على وجه التحديد، على موعد مع جولة جديدة من “حرب باردة ثانية” باتت أسلحتها تعمل خلف الكواليس من خلال منصات رقمية باتت مجهولة بالنسبة للدول الأوروبية والولايات المتحدة.

وعندما صرحت كاي بيلي هتشيسون السفيرة الأميركية لدى حلف شمال الأطلسي خلال مؤتمر صحافي في فبراير الماضي، بأن “جميع دول الناتو دون استثناء، تعرضت لهجمات إلكترونية متنوعة من روسيا والصين”، بات يفهم أن المعسكرين على شفا مواجهة من نوع جديد تزداد حدتها يوميا ولا يمكن لأحد التنبؤ كيف ستنتهي.

واللافت أن الأمر بات جديا، حيث يحذر خبراء إلكترونيون في الحلف من أن التزايد في عدد العاملين عن بعد في كل أنحاء العالم على خلفية تفشي جائحة كوفيد – 19، يضاعف من مخاطر التعرض لهجمات إلكترونية.

الناتو

ويحتفظ حلف الناتو في إستونيا بخليتين إلكترونيتين استحدثهما قبل أكثر من عقد في أعقاب سلسلة من الهجمات الإلكترونية كان مصدرها روسيا المجاورة، وذلك بعد أن أظهر استطلاع على مستوى أوروبا في شهر سبتمبر الماضي، أن نحو ثلث الموظفين يعملون من المنزل.

ولم يخف مدير مركز التميز للدفاع الإلكتروني التعاوني التابع للحلف، جاك تارين، مخاوفه من ذلك، حيث قال لوكالة الصحافة الفرنسية إن “الإقبال واسع النطاق على العمل عن بُعد اجتذب جواسيس ولصوصاً ومجرمين”. ولاحظ أن زيادة كمية المعلومات المتدفقة بين خوادم المؤسسات والشبكات المنزلية تتسبب بتحديات جديدة لأصحاب العمل.

ويبدو أن الحلف أمام حتمية اعتماد نهج مختلف للتصدي للهجمات الإلكترونية المحتملة، لأن مواجهة التحديات الجديدة أمر معقد ويتطلب الكثير من الإمكانات، إذ لا يمكن رؤية سوى جزء بسيط من المشكلة، بحسب تارين، في ظل المساعي إلى تقييم مدى النشاط الخبيث في الفضاء الإلكتروني المزدحم في عصر كوفيد – 19.

ويلعب حلف شمال الأطلسي بصفتيه الدبلوماسية والعسكرية منذ نشأته أدوارا هامة ومحورية في الكثير من القضايا ومنها دفعه لترسيخ الديمقراطيات الحديثة في أوروبا، سواء كانت تلك التي في البلطيق أو البلقان، مما منح تلك الدول مزيدا من الثقة بالنفس ووضعها في نطاق أمني حصين.

ويقول المحلل البريطاني في شؤون الدفاع مايكل كلارك، إنه ما من شك أن حلف الناتو هو الحلف الأكبر الذي شهده العالم، لكنه اليوم مع أعضائه الثلاثين قد خسر تقريبا نصف القوة التي كانت لديه عندما كان عدد أعضائه نصف ما هو عليه الآن.

ويبذل العاملون في مركز سايبر راينج التابع لحلف شمال الأطلسي في تالين جهوداً في مواجهة هذه التحديات. وتتولى قوات الدفاع الإستونية الإشراف على مبنى هذا المركز الذي سُيّجَ بالأسلاك الشائكة وفرضت حوله حراسة مشددة. وتوفر غرف الخوادم في هذا المركز منصة لدورات حلف الأطلسي التدريبية في مجال الأمن السيبراني.

ويقول رئيس قسم السياسة السيبرانية في وزارة الدفاع الإستونية ميكل تيك، إن الخبراء أعدّوا بنية تحتية للعمل، ولكن ليس في إمكانهم التحكم بكيفية استخدام الناس للإنترنت في المنزل ولا بدرجة الأمان. وكشف أن أحدث الهجمات الإلكترونية استهدفت قطاع الرعاية الصحية الإستوني ونظام التعريف الرقمي للهواتف المحمولة.

وأثرت الجائحة أيضاً على عمل المراكز الإلكترونية نفسه، إذ تسببت بإلغاء دورات تدريبية ميدانية. إلاّ أن مركز الدفاع الإلكتروني التابع للحلف الأطلسي مرتاح إلى الإقبال المتزايد على دورات الأمن السيبراني التي ينظمها عبر الإنترنت.

ومن بين هذه الدورات مكافحة هجوم من الروبوتات والموارد التشغيلية في مواجهة التهديد السيبراني وكيفية درء الهجمات والدفاع عن أنظمة تكنولوجيا المعلومات، ويسعى المركز إلى بلوغ عتبة العشرة آلاف دورة تدريبية بحلول نهاية عام 2020.

الناتو

واجه الناتو في قمته السبعين بلندن في ديسمبر الماضي، والتي حضرها 29 من قادة الدول الأعضاء، الكثير من التحديات الهادفة لرأب الصدع بين مجموعة من الدول الأعضاء نتيجة التراشق الكلامي خاصة بين الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا، خاصة بعدما انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وضع الحلف بوصفه أنه في وضع “موت سريري”.

كما طرحت أيضا ملفات شائكة أخرى يبقى أهمها المتعلق بالتوزيع غير العادل لأعباء الإنفاق الدفاعي داخل الحلف، علاوة على خروج القمة ببيان أجمع في سابقة على وجوب تصنيف الصين عدوا جديدا.

وكانت قمة لندن بمثابة المنعرج الحاسم الذي كشف مدى صلابة حلف الناتو وتمسك الدول الأعضاء به بوحدتها وسط أجواء متشنجة لاح أفقها حتى قبل أشهر عديدة من تجمع القادة في العاصمة البريطانية، حيث تساءل متابعو القمة عن مدى قدرته على إنقاذه من “الموت السريري” الذي تحدث عنه ماكرون.

%d مدونون معجبون بهذه: