ليبيا.. ما حُجب في مؤتمر برلين كُشف في مشروع لندن

ليبيا.. ما حُجب في مؤتمر برلين كُشف في مشروع لندن

للمرة الرابعة تم تعطيل مشروع قرار بريطاني بشأن الأزمة الليبية بعدما كان مقررا التصويت عليه في مجلس الأمن الخميس الماضي. مشروع قرار أعاد فتح أبواب الخلافات الدولية حول ليبيا خاصة أنه قوبل باعتراضات دول كروسيا والصين وجنوب أفريقيا التي تشبثت بوجوب استبدال عبارة “المرتزقة” بالإرهابيين. فيما فسرّت أوساط ليبية في المقابل المشروع البريطاني بأنه جاء لخدمة مصلحة حكومة فايز السراج والمرتزقة الأتراك.

القاهرة – حاولت القوى الدولية التظاهر بالتعاون والتنسيق لوضع حد للتصعيد المستمر في الأزمة الليبية، وتركت خلال مؤتمر برلين خلافاتها جانبا، وخرج الجميع بنتيجة فضفاضة حقق منها كل طرف الحد الأدنى مما يصبو إليه، انتظارا لمعركة سياسية حامية تظهر تجلياتها في مجلس الأمن، حيث رأت ألمانيا ضرورة منح مخرجات مؤتمرها صيغة دولية إلزامية.

من هنا بدأت تتكشف ملامح العقدة التي أشار إليها المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، وهي أن الخلافات بين القوى الكبرى السبب الرئيسي في تعطيل حل الأزمة الليبية.

عندما قدمت بريطانيا مشروع قرارها إلى مجلس الأمن قبل أيام، بالتنسيق مع ألمانيا، بدأت تتوالى الكثير من مكونات الخلاف بين القوى الكبرى حول ليبيا، خاصة أن اللقاءات والاجتماعات التي جرت في موسكو وبرلين وأخيرا جنيف، ناقشت الكثير من العناوين العريضة، ولم تتطرق إلى التفاصيل الدقيقة.

كشفت “العرب” في تقرير نشرته في 2 نوفمبر الماضي بعنوان “مصير المبادرة الألمانية لحل الأزمة في ليبيا في يد دول الفيتو”، عن وجود تباين كبير في الاجتماعات التي استضافتها برلين بين وفود القوى الخمس الكبرى.

وأشارت إلى عدم التفاعل الكبير في المناقشات في ذلك الوقت، من قبل كل من روسيا والصين، على أساس أن الكرة ستكون في النهاية في ملعب مجلس الأمن، وهنا تستطيع الدولتين فرض إرادتهما السياسية، ولو باستخدام الفيتو.

عندما أخذت التجليات تظهر على الأرض، احتدمت الخلافات علانية، وخرجت من إطارها الدبلوماسي الهادىء، إلى مجال دبلوماسي آخر يتسم بقدر من الخشونة في الحوار والنقاش، لأن عملية الموافقة على صدور قرار من مجلس تعكس حسابات كل دولة، ومعنى الموافقة أو الاعتراض أو حتى التحفظ، أن هناك خللا ما يؤذي مصالحها.

جمال شلوف: بريطانيا تصر على إدراج مشروع قرار يلائم مصالح طرف على حساب طرف آخر

ربما توافق دولة كبرى على قرارات تصدر من مجلس الأمن من دون أن تحقق مصالحها كاملة، لكن هذه الموافقة تكون غالبا مشروطة أو مرتبطة بالحصول على مزايا في قضية أخرى شائكة ولا تقل أهمية، وتتطلب الحصول فيها على تنازلات معينة.

تلك واحدة من إشكاليات الأزمة الليبية، والتي جعلت الكثير من العواصم تتقاذفها سياسيا ولم تتحرك عمليا لتسويتها، فالوصول إلى هذه النتيجة لم ينضج بعد، وأظهر البعض جدية كبيرة، غير أن النتيجة النهائية جاءت مخيبة، ولذلك استمرت الأزمة طوال تسع سنوات، لأن توجسات بعض الأطراف لعبت دورا مهما في بقاء الأزمة معلقة.

قالت مصادر ليبية، إن توجس بريطانيا من مواقف بعض القوى الكبرى، دفعها إلى توزيع ورقة مشروع قرارها بشأن ليبيا في مجلس الأمن بلغة بسيطة للحصول على موافقة مبدئية على القرار، وبعد أن وصلت إلى هذا الغرض صاغت المسودة النهائية التي عرضت على أعضاء المجلس بالطريقة المعتادة، وفوجئت بعض الدول أنها مختلفة عن الصيغة الأولى.

وبدلا من أن تؤدي الصيغة النهائية إلى تمرير المشروع البريطاني، فجرت الخلافات حوله، وأوحت أن هناك مناورات تقوم بها بعض الدول لتحقيق أغراض معينة، وهي الطريقة التي أفضت إلى انسداد الأزمة الليبية، ومنعت التوصل إلى تفاهمات حاسمة للحل، وقامت بعض الدول بالمتاجرة فيها، وتسببت الازدواجية في وقف كل المحاولات الجادة والراغبة في حلها.

قدمت روسيا والصين، وكذلك جنوب أفريقيا، تعديلات على مشروع القرار في مجلس الأمن، لكن بريطانيا تجاهلت الكثير منها، لذلك كانت ردّة فعل هذه الدول عنيفة لفظيا، بما يعني أن موقف المجتمع الدولي غير موضوعي وغير متحد حول آليات التعامل مع الأزمة الليبية والطرق اللازمة لتنفيذ نتائج مؤتمر برلين.

شددت موسكو على أهمية مراعاة ملاحظاتها، ولوحت باستخدام الفيتو، وأبرزها حذف الإشارة المتصلة بالفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، أي الفقرة التي تذكر “وباعتبار أن ليبيا لا تزال تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين”، وإضافة كلمة يحيط “علما” بعقد مؤتمر برلين بدلا من الترحيب به ووضع مصطلح “والتطلع” إلى تنفيذ مخرجاته بدلا من “اعتمادها”.

علاوة على استبدال مصطلح المرتزقة بـ”المقاتلين الإرهابيين الأجانب”، وحذف الإشارة إلى إمكانية مساهمة المنظمات الإقليمية في مراقبة وقف إطلاق النار.

في المقابل، رأت الصين ضرورة وضع لغة واضحة وقوية حول جهود مكافحة الإرهاب في ليبيا، ودعم مقترح إضافة مصطلح “المقاتلين الإرهابيين الأجانب”، خوفا من قيام النظام التركي أو غيره بتسفير أعداد هامة من الإيغور إلى ليبيا، وعودتها إليها كقنابل موقوتة.

قال المحلل السياسي الليبي، جمال شلوف، إن بريطانيا تصر على إدراج مشروع قرار يلائم مصالح طرف على حساب طرف آخر، حيث تدعم المسودة التي قدمت أخيرا دور حكومة الوفاق والميليشيات والتنظيمات الإرهابية المتحالفة معها.

وأضاف لـ”العرب”، أن لندن حاملة القلم في ما يخص ليبيا أمام مجلس الأمن منذ عام 2011، وحامل القلم هو إجراء متبع في مجلس الأمن ويمنح للدولة التي تبدي اهتماما أكبر ودراية أكثر بقضية دولة أو شأن دولي.

وأوضح أن ذلك يتيح لبريطانيا أن تطرح مشروعها بطريقة الإجراء الصامت، عكس باقي الدول التي إذا أرادت طرح مشروع يخص ليبيا عليها اللجوء إلى التصويت العلني والمباشر.

تشير هذه المعطيات إلى حجم التعقيد وربما استبعاد صدور قرار حازم من مجلس الأمن يعبر عن مؤتمر برلين ومضامينه الجادة، لتترك الأزمة على حالها، بعد أن حركت التصرفات والتوجهات العسكرية التركية المياه الراكدة وعجلت بعقد مؤتمر ألمانيا الذي كاد يندثر.

المعارضون لمشروع القرار البريطاني يقرون بأنه يخدم مصالح حكومة السراج  على حساب الأطراف الأخرى
المعارضون لمشروع القرار البريطاني يقرون بأنه يخدم مصالح حكومة السراج  على حساب الأطراف الأخرى

لكن شلوف، أكد أن الإرادة الدولية أصبحت الآن مهيأة أكثر من أي وقت مضى لاتخاذ طريق مغاير نسبيا، وقد تنجح في استصدار قرار يحد من إرسال الإرهابيين إلى ليبيا، ما يعزز الدور الذي يقوم به الجيش الوطني الليبي في طرابلس، وهو محاربة الإرهاب وداعميه وحلفائهم في الداخل والخارج للوصول إلى البيئة المناسبة للمسار الدستوري.

ويؤدي صدود قرار يعزف على وتر التوازنات الدولية المعقدة، إلى الاستغراق في تفاصيل الأزمة ولجانها العسكرية والسياسية، والبحث عن أطر محلية للحل، لن تستطيع التقدم ما لم تكن هناك إرادة دولية وقوة دفع كبيرة تجبر جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، على التقيد بالالتزامات التي تضع الأزمة على بداية طريق التسوية، لأن الاستغراق في التفاصيل والتكتيكات لن يغني عن وضع استراتيجية واضحة.

وتستضيف ميونيخ في 16 فبراير الجاري، الاجتماع الأول للجنة متابعة تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين بشأن ليبيا، وتواصل ألمانيا التعاون مع الأمم المتحدة، واستصدار قرار من مجلس الأمن بالتنسيق مع بريطانيا، يتوعد بعقوبات وخيمة على الدول التي تخرق حظر تصدير السلاح.

ومن المرجح أن يعقد وزراء خارجية الدول الـ12 التي شاركت في مؤتمر برلين 19 يناير الماضي، اجتماعا في ألمانيا منتصف مارس المقبل، للحفاظ على حيوية التحركات على المستويين الإقليمي والدولي، ومحورية الدور الذي تقوم به برلين مع شركائها في الأزمة الليبية التي تشهد تطورات على مسارات متوازية، لا أحد يعرف نهايتها بالضبط.

يظل الرهان على قدرة المجتمع الدولي على التفاهم هو الخطوة الأولى التي تجبر القوى المحلية على وقف الاقتتال والالتقاء عند قواسم مشتركة، فطالما بقيت الإمدادات العسكرية الخارجية من تركيا مستمرة، من الصعوبة التوصل إلى حلول داخلية.

%d مدونون معجبون بهذه: