مؤتمر ميونخ: أوروبا حائرة وواشنطن تضغط لتطبيق أجندة ترامب

مؤتمر ميونخ: أوروبا حائرة وواشنطن تضغط لتطبيق أجندة ترامب

على مدى السنوات الثلاث الماضية، تحولت قاعات مؤتمر ميونخ للأمن إلى ساحة صراع وتبادل اتهامات، ودبلوماسية شعبوية ترسم ملامح نظام عالمي تتلاشى فيه صورة القوى الدولية العظمى وهي مجتمعة على طاولة حوار واحدة، لحساب سياسات اندفاعية وتتخذ من ضوضاء الشعبوية محركا أساسيا لدفاعاتها. وستوضّح الدورة الجديدة، التي تنعقد الجمعة، إن عاد النظام العالمي إلى طبيعته أم ترسّخت معالمه الجديدة وتخلص من دبلوماسيته المرنة التي ساهمت في بعض الأوقات في تجاوز أزمات كبرى وحل خلافات معقّدة.

لندن- تبدأ الجمعة (اليوم) في مدينة ميونخ الألمانية أعمال مؤتمر الأمن في دورته الـ56. سيمثّل الحدث فرصة لقاء مجموعة واسعة من الدبلوماسيين ومسؤولي الأمن القومي بين ضفتي الأطلسي، ومن مختلف أنحاء العالم. 
وشهدت دورات المؤتمر السابقة، خاصة منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، عددا من التطورات المفاجئة، خاصة على مستوى إرساء قواعد جديدة في تعاملات النظام العالمي ودبلوماسيته التقليدية.

ويتوقع أن تتواصل المفاجآت، خاصة في ظل ما يشهده العالم من حركية ترتبط باستعداد ترامب لحملة انتخابات رئاسية حاسمة، وتوجهات السياسة الخارجية الأميركية، وبالعلاقات الأوروبية البينية بعد بريكست، والعلاقات الأوروبية الأميركية، والتطورات في الشرق الأوسط.

سيمثل الولايات المتحدة في المؤتمر وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع مارك إسبر. وستكون العلاقة الأميركية محور الاهتمام، حيث أثارت التوترات التي شهدتها العلاقات عبر الأطلسي شكوكا في صفوف المحللين الذين لا يستطيعون تحديد ما إذا سيتمكن الأميركيون من الاعتماد على مساعدة القادة الأوروبيين لتحقيق أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

يأتي بومبيو وإسبر إلى ميونخ في فترة أصبحت فيها الولايات المتحدة قريبة من التوقيع على هدنة في أفغانستان، وتواصل فيها الضغط من أجل تجديد العقوبات على إيران. وفي الفترة الأخيرة، قدمت الولايات المتحدة خطة سلام جديدة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تحاول منع حلفائها من السماح للشركة الصينية هواوي من المشاركة في تطوير الجيل الجديد من البنية التحتية للاتصالات اللاسلكية. وفي الوقت نفسه، يواجه العالم مخاوف انتشار فايروس كورونا القاتل الذي انطلق من الصين.

الصفقة مع الأفغان

مؤتمر ميونخ للأمن 2020

يجتمع في الفترة من 14 إلى 16 فبراير صناع القرار من مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والمجتمع المدني تلبية للدعوة لحضور أكبر حدث على مستوى العالم يتعلق بالسياسة الأمنية. وسيركز اللقاء على نقاشات ومحادثات حول الأزمات الراهنة وتحديات السياسة الأمنية في المستقبل.

* ما هو مؤتمر ميونخ للأمن كل عام في فبراير، يجتمع صناع القرار الدوليون رفيعو المستوى في ميونخ، حيث يناقشون برئاسة السفير فولفجانج إيشينجر وفي إطار مستقل الأزمات الحالية والتحديات الأمنية المستقبلية.

يتوقع المؤتمر السادس والخمسون هذا العام من 14 إلى 16 فبراير حضور أكثر من 500 ضيف و1300 صحافي. يُعد مؤتمر ميونخ للأمن اجتماعا مهما للخبراء في السياسة الأمنية الدولية.

إن العدد الكبير من المشاركين لا يعكس الأزمات الحالية العديدة فحسب، بل يعكس أيضا الحاجة إلى تبادل الآراء.

* ما هو هدف المؤتمر تأسس مؤتمر ميونخ للأمن في الأصل عام 1963 كاجتماع ألماني أميركي لتبادل المعلومات حول القضايا الأمنية. مهمة مؤتمر ميونخ الأمني هي التباحث بشأن التحديات الحالية والمستقبلية للسياسة الأمنية الدولية.

تُظهر مشاركة أكبر وفد أميركي حتى الآن في حدث هذا العام أن النقاش الألماني الأميركي لا يزال ذا أهمية أساسية. ويقول السفير فولفجانج إيشينجر “مؤتمر ميونخ للأمن ليس ملعبا”، بل يجب عليه بالأحرى توفير فرصة لمعرفة ما تم إنجازه وما لا يزال يتعين القيام به في ما يتعلق بالأمن الدولي.

لا تعدّ الاضطرابات التي تشهدها العلاقات الأميركية الأوروبية أمرا جديدا، حيث استضاف المؤتمر نقاشات واسعة حول غزو العراق الذي شنته الولايات المتحدة في أوائل سنة 2003. لكن، تتجاوز مستويات التوتر الحالية تلك المسجّلة خلال السنوات الأخيرة، إذ تنبع عن مجموعة واسعة من القضايا.

لا يتوقع المراقبون أن تلعب أوروبا دورا رئيسيا في أبرز أحداث المؤتمر. سيلتقي بومبيو وإسبر مع الرئيس الأفغاني أشرف غني  الجمعة. وتدلّ بعض المؤشرات على أن اتفاقية “الحد من العنف” لمدة سبعة أيام ستؤدي إلى مفاوضات رسمية بين الفصائل الأفغانية. وقال إسبر للصحافيين، الأربعاء، في بروكسل إنه يحمل اقتراحا ليطرحه على الطرف الثاني.

وافق ترامب على فكرة الصفقة التي سيحدد المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان زلماي خليل زاد وممثلو طالبان في الدوحة تفاصيلها النهائية. ويقول المطلعون على أساسيات الخطة إنها تدعو إلى إتمام التهدئة الناجحة بمفاوضات لوضع خارطة طريق توضّح مستقبل البلاد السياسي.

ونفى المسؤولون الأميركيون المزاعم القائلة إن التهديد الذي تشكّله طالبان هو الذي فرض هذه الخطة. فعلى الرغم من تعهده بسحب القوات العسكرية من أفغانستان وأماكن أخرى خلال حملته الانتخابية، ألغى ترامب بعض الصفقات السابقة نتيجة للهجمات التي شُنّت على القوات الأميركية.

ففي حين يتوقّع البعض أن تكون قضايا أفغانستان محور التطورات في ميونخ، من المرجح أن تسلط بعض القضايا الأخرى الضوء على التوترات في العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة مع أوروبا، وخاصة تلك المتعلّقة بمستقبل اتفاق إيران النووي المبرم في سنة 2015.

يصل بومبيو، الذي سيعقد حوالي 10 اجتماعات منفصلة مع مسؤولين أجانب وسيلقي خطابا خلال زيارته التي ستستمر يومين، إلى ميونخ بعد فترة وجيزة من تلميح وزارة الخارجية إلى أن الإدارة ستقدم إنذارا لحلفائها الأوروبيين لحثّهم على إنهاء الاتفاق.

شعرت الإدارة الأميركية بالإحباط بسبب عزوف بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن المشاركة في عملية قد تؤدي إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بسبب انتهاكها لشروط الاتفاقية. وخرقت إيران العديد من القيود المفروضة على البرنامج الذي قيّدته الصفقة، لكنها أكدت أنها اتخذت هذا القرار في إطار استجابتها للانتهاكات الأميركية بعد أن انسحب ترامب من الصفقة.

استعان الأوروبيون، الذين يريدون إنقاذ الصفقة، بآلية حلّ النزاعات التي تهدف إلى حل القضايا أو إحالتها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكن، لم يكن المسؤولون الأميركيون راضين عما اعتبروه استجابة منقوصة لقضية ملحّة، حيث اعتمد الأوروبيون على عملية يمكن أن تستغرق عدّة أشهر.

يكاد صبر الإدارة ينفد في وقت يقترب فيه حظر الأسلحة التقليدية الذي فرضته الأمم المتحدة على إيران من انتهاء صلاحيته في شهر أكتوبر، ومهدت الطريق لإبقاء الحظر ساريا من خلال فرض بعض الإجراءات في مجلس الأمن. ففي وثيقة قدمت للكونغرس خلال الأسبوع الحالي، عبّرت وزارة الخارجية عن قدرة أي طرف تفاوض على الاتفاق على أن يقرر ما يجيز إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة المرفوعة بموجب شروط الصفقة.

قدمت الإدارة الحجة التي دعا إليها “صقور نظام طهران”، وهي أنه على الرغم من انسحاب ترامب، تظل الولايات المتحدة “مشاركة” في الصفقة على النحو المحدد في قرار مجلس الأمن الذي عدد بنودها.

لا يوافق الأوروبيون والروس والصينيون على هذا الموقف. لكن، قد يجدون أنفسهم في موقف لا يكون أمامهم فيه أي خيار سوى قبول الأمر الواقع، حيث لا يسمح القرار باستخدام حق النقض (الفيتو) على هذه الخطوة إن قرر طرف ما اتخاذها. وإذا رفض الآخرون موقف الولايات المتحدة، فسيؤدي ذلك إلى مواجهة جيوسياسية كبيرة حول العقوبات التي قد تهدد التجارة الدولية.

لكن، اتخذت الإدارة الخطوة إلى الأمام، معتمدة حجة تزعم من خلالها تمتّع الولايات المتحدة بسلطة تمكّنها من تحديد ما إذا كانت إيران خاضعة لما تفرضه الصفقة. وبسبب بقاء هذه المعايير شبه غامضة في قرار الأمم المتحدة الرسمي، يمكن أن يحددها أي طرف في الصفقة.

قاوم الأوروبيون جماعات الضغط التي حاولت دفعهم للانضمام إلى الولايات المتحدة في ترك الصفقة. لكن، من المرجح أن تكون جهود الإدارة الأميركية أقوى في دعوتهم إلى تمديد حظر الأسلحة.

السلام في الشرق الأوسط

الإدارة الأميركية محبطة من عزوف بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن المشاركة في عملية قد تؤدي إلى إعادة فرض عقوبات على إيران
الإدارة الأميركية محبطة من عزوف بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن المشاركة في عملية قد تؤدي إلى إعادة فرض عقوبات على إيران

إلى جانب الخلافات حول إيران، تواجه الولايات المتحدة أوروبا بشأن خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط (صفقة القرن)، والتي ينظر إليها على أنها لصالح الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين وتتعارض مع المبادئ التوجيهية السابقة الموضوعة لتسوية النزاع.

يوم الثلاثاء، وفي خطاب أمام مجلس الأمن الدولي، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض خطة السلام الأميركية التي قال إنها لا تحقق السيادة للشعب الفلسطيني. وبدت دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في مجلس الأمن بدورته الحالية (بلجيكا وإستونيا وفرنسا وألمانيا) في صفه.

وقالت في بيان إن المبادرة الأميركية تنتهك المعايير المتفق عليها دوليا. وشددت على التزامها بإقامة دولتين تشملان دولة فلسطينية “متّصلة الأراضي، مستقلة، ديمقراطية، ذات سيادة وقابلة للحياة”.

أيضا، يواجه كل من بومبيو وإسبر معركة شاقة في محاولة لمنع الدول الأوروبية من السماح لشركة هواوي الصينية العملاقة بلعب دور في تطوير الجيل الجديد من البنية التحتية للاتصالات اللاسلكية.

وعلى الرغم من التحذيرات من قدرة مشاركة هواوي على تهديد أمن المعلومات، وتهديدات الولايات المتحدة بالحد من التعاون الاستخباراتي مع البلدان التي تعمل فيها الشركة، رفضت العديد من الدول حظر الشركة الصينية.

وخلال الشهر الماضي، أعلنت بريطانيا أنها ستسمح لشركة هواوي بالمشاركة بدور محدود في شبكتها للجيل الخامس، مشيرة إلى أنها ستستبعدها من المواقع الجغرافية الحساسة مثل المواقع النووية والعسكرية. كما لا ترقى إرشادات الاتحاد الأوروبي إلى مستوى يضمن تهدئة المخاوف الأميركية.

%d مدونون معجبون بهذه: