متلازمة الحرب والسلام تؤرق جنوب السودان ودول الجوار

متلازمة الحرب والسلام تؤرق جنوب السودان ودول الجوار

ترجع أعمال العنف إلى فشل القوى السياسية في الاتفاق على تعيين حكام في الولايات (المحافظات) العشر بجنوب السودان، وأهمها ولاية جونقلي التي أدى فراغ السلطة فيها إلى التشجيع على الاقتتال الذي أودى بحياة نحو ألف شخص الأربعاء الماضي، وربما أكثر من ذلك، جراء الاستخدام المفرط للقاذفات والصواريخ والأسلحة الرشاشة.

ظل التقسيم الإداري للولايات وعددها من بين الأزمات التي قضّت مضاجع الفريقين الرئيسيين، كير ومشار، وعطلت تشكيل حكومة الوحدة لفترة، إلى أن تم الاتفاق على العودة إلى التقسيم القديم، وهو عشر ولايات، من دون الاقتراب من تعيين الحدود الفاصلة، واختيار الحكام الذي يخضع لمحاصصة دقيقة، لأن السلطة تتداخل هنا مع الثروة، وتتطلب مرونة من القوى الفاعلة، ورغبة واضحة في التخلي عن الأدوات الخشنة كي يمكن الاقتراب من مربع الاستقرار، وعدم العودة إلى لهيب الحرب.

لم تقدم القوى المختلفة تنازلات كافية لأجل الاتفاق على تبني مواقف حاسمة تمكن جميع الولايات من اتخاذ إجراءات لمنع عودة الحرب الأهلية وبناء الأمن والسلام، ويصر أغلبها على الانتصار للمصالح المناطقية الضيقة، الأمر الذي جعل مجموعة من القضايا المهمة لا تزال معلقة بين كير ومشار، على الرغم من تشكيل حكومة الوحدة في 13 مارس الماضي.

جاء التفاهم بموجب ضغوط كبيرة مارسها المجتمع الدولي، وتهديد لافت بفرض عقوبات على المتسبب في تهاوي السلام والعودة إلى الحرب، لذلك اضطر كير ومشار إلى الرضوخ، والتظاهر بالرغبة في السلام، وهما يعلمان جيدا أن هناك حزمة من الملفات الحيوية عالقة ولم يتم حسم الموقف النهائي منها، وهي قابلة للانفجار.

تشكلت طواقم الحكومة وجرى توزيع المناصب الرئيسية بصورة تتسم بقدر من العشوائية، ومن الطبيعي أن يظهر العنف كلما واتت الفرصة، فوسط حالة عميقة من التربص يصعب الوصول إلى الاستقرار الغائب عن جنوب السودان، فالمعادلة الصفرية للحرب والسلام تمنع الأطراف الرئيسية من الاستجابة للمبادرات التي تكاثرت، وما حدث من تنفيذ للاتفاق يبدو مؤقتا لأنه جاء متسلحا بوهج العقوبات الدولية، وليس اقتناعا بأهمية الهدوء.

وتستغل الجهات الرافضة للتوازنات الحالية عودة العنف على نطاق واسع لتدخل في حملة جديدة لتصفية الحسابات، مستفيدة من انشغال قوى دولية في مكافحة فايروس كورونا، وتراجع جنوب السودان في ترتيبات الأجندة الإقليمية، التي نشطت خلال العامين الماضيين على مستوى السلام والتنمية، وحققت نجاحات ملموسة في بعض الخلافات المزمنة في المنطقة، وأهمها توقيع اتفاق سلام بين إثيوبيا وإريتريا، وما جره من ملامح تفاؤل بشأن إعادة الاعتبار للتعاون بدلا من الصراع.

تداعيات إقليمية

تصاعد العنف
تصاعد العنف

يمكن تجاوز العنف الذي وقع قبل أيام في جنوب السودان، ويمكن أن يحرص كير ومشار على عدم الإخلال بالمبادئ المعلنة لصمود السلام، لكن من الصعوبة القطع بعدم تجدد الاقتتال في ولاية جونقلي أو غيرها من الولايات القلقة، كما أن الخارطة العامة التي تم رسمها لإدارة الدولة يحيط بها الكثير من الغموض وتصاحبها علامات استفهام عدة، فالقضايا المعلقة الشائكة تفوق بمراحل ما تم تجاوزه من عراقيل ومطبات، وتحتاج إلى درجة عالية من اليقين بأن دولة جنوب السودان تستطيع احتواء الجميع، إذا توافرت النوايا الحسنة للإصلاح.

تبدو الأوضاع في جنوب السودان غير منفصلة عن البيئة الإقليمية، والهدوء النسبي الذي ساد فيها، وفرض معها تنفيذ اتفاق السلام، جاء وسط أجواء توافرت فيها فرصة لتعميم الأمن والاستقرار، حيث احتوى السودان عملية سقوط نظام الرئيس عمر البشير، وشكل سلطته الانتقالية، واتجهت إثيوبيا نحو تطبيع علاقاتها مع دول الجوار، وبدأت كل من إريتريا وجيبوتي الاقتراب من مقاعد المشاركين في تحقيق السلام.

يساعد شيوع السلام في التفرغ للتنمية ومكافحة الإرهاب ووضع حد للتدخلات التي تقوم بها قوى من خارج الإقليم، ويقود التوتر إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، بما تحمله من فوائد لمن يتاجرون في النزاعات، ويساهم الاقتتال على نطاق واسع بجنوب السودان في انتقال عدواه إلى دول الجوار، أو بمعنى أدق وقف المحاولات الرامية إلى توفير السلام.

يساهم الاقتتال بجنوب السودان في انتقال عدواه إلى دول الجوار، أو بمعنى أدق وقف المحاولات الرامية إلى توفير السلام

يتزامن استرداد العنف لعافيته في جنوب السودان مع تجدد التراشقات حول منطقة آبي بين القبائل التي تعيش على جانبيها، وتنتمي إلى الدينكا الأفريقية والمسيرية العربية، ما أفضى إلى توتر مكتوم بين الخرطوم وجوبا، ويحاولان معا وقف تداعياته، لما يحمله من نتائج سلبية على كثير من القضايا المشتركة، وفي مقدمتها التشكيك في رعاية جنوب السودان لوساطة فاعلة بين السلطة الانتقالية والجبهة الثورية لجلب السلام الشامل في ربوع السودان.

يعمل المستفيدون من التوترات على الاستفادة من الحلقات الضعيفة والرخوة في المنطقة، والتي تعتمد على الخلافات القبلية، وتتم تغذيتها بالعوامل اللازمة لإشعالها. فما حدث داخل جنوب السودان مؤخرا، وما جرى في منطقة آبي، لا ينفصلان عن تصاعد حدة الأزمة بين السودان وإثيوبيا حول منطقة “الشفقة” الحدودية بين قبائل متداخلة، وعلى صلة غير مباشرة بما ظهر من ارتفاع في وتيرة النزاعات داخل بعض أقاليم إثيوبيا، ناهيك عن أوغندا والصومال وإريتريا.

لن تنتهي متلازمة الحرب والسلام في جنوب السودان ودول الجوار، ما لم تدرك القوى المؤثرة أن استمرار الصعود والهبوط بينهما سوف يدمر الروافع الأساسية في المنطقة، ويمنع الوصول إلى اتفاقيات تتيح الفرصة للأمن والاستقرار. كما أن اللهث وراء المصالح الضيقة لبعض الأطراف سيدمر مقدرات إقليم يتعايش مع المعارك أكثر من غيرها.

%d مدونون معجبون بهذه: