مشاكل إيران أكبر بكثير من تأثير العقوبات الأميركية

مشاكل إيران أكبر بكثير من تأثير العقوبات الأميركية

أكد مسؤولون إيرانيون وخبراء من داخل طهران أن أزمات الاقتصاد الإيراني أكبر بكثير من تداعيات العقوبات الأميركية. وأكدوا أن النظام المصرفي يوشك على الانهيار بسبب جبال الديون المعدومة في وقت يتصاعد فيه الصراع بين أقطاب النظام على حافة الهاوية.

طهران تواجه الحكومة الإيرانية تحديات اقتصادية كبيرة في وقت كشفت أمس ملامح موازنتها المقبلة عن عمق الأزمات التي تعاني منها وهي تحاول تفادي انفجار الاحتقان الشعبي.

وخسر الريال الإيراني نحو 60 بالمئة من قيمته منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي في مايو الماضي وإعادة فرض العقوبات على طهران.

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار بنسب مماثلة وبدد محاولات جذب الاستثمارات الأجنبية. ويتوقع صندوق النقد الدولي الآن أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 3.6 بالمئة العام المقبل.

ويؤكد محللون أن العديد من أسباب معاناة الاقتصاد قائمة قبل قرار ترامب والعقوبات. ويقول الخبير الاقتصادي المقيم في إيران، محمد ماهيداشتي إن النظام المصرفي هو “المشكلة الكبرى إذ إنه يعلن عن أصول وهمية ويعاني من قروض متعثرة”.

وأصدرت البنوك قروضا ضخمة في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بدون اهتمام يذكر بشأن ما إذا كان سيتم سدادها. وتقول اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى إن نصف تلك القروض أي نحو 27 مليار دولار في ذلك الوقت باتت هالكة.

وحاولت البنوك التي تعاني من نقص شديد في الأموال جذب ودائع جديدة بأسعار فائدة بلغت 30 بالمئة أو أكثر. لكنها رغم تخفيفها لأزمة السيولة، أدت لزعزعة استقرار البنوك بسبب الفوائد المرتفعة على تلك الودائع.

محمد ماهيداشتي: المشكلة الكبرى في أصول النظام المصرفي الوهمية وقروضه المتعثرة
محمد ماهيداشتي: المشكلة الكبرى في أصول النظام المصرفي الوهمية وقروضه المتعثرة

وأقر الرئيس حسن روحاني مؤخرا بأن الوضع “غير الصحي” للبنوك جعل المؤسسات المصرفية بحاجة للاقتراض بصورة مستمرة من البنك المركزي لتفادي الانهيار، في حين تضاعفت ديون القطاع الخاص في سبتمبر مقارنة بمستوياتها قبل عام.

كما تعاني البنوك من تراكم العقارات لكنها غير قادرة على بيعها بعد أن ضخت السيولة في مشاريع إنشائية، ثم استولت عليها بسبب عدم قدرة المقترضين على سداد ديونهم.

وتجد الحكومة نفسها في أزمة خانقة لكنها لا تسمح بإفلاس المصارف خوفاً من ردة فعل شعبية لا سيما بعد انهيار وكالات الائتمان المزيفة التي ساعدت في تأجيج الاحتجاجات الواسعة النطاق قبل عام.

وأدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي إلى تدهور الريال الإيراني لكنه لم يكن العامل الوحيد وراء ضعف العملة.

ففي سبتمبر، ألقى محافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي باللوم على “النمو المروِّع في المعروض النقدي”. وتظهر بيانات المصرف المركزي أن كمية السيولة النقدية المتدفقة في الاقتصاد الإيراني زادت بنسبة 24 بالمئة سنويا على مدى السنوات الأربع الماضية.

وبالنظر إلى أن الاقتصاد الإيراني لا يوفر سوى القليل من فرص الاستثمار المربحة والآمنة، فقد سعى المواطنون منذ فترة طويلة إلى تغيير مدخراتهم من الريال إلى الدولار.

وعندما تزايدت التوقعات بأن الولايات المتحدة ستعيد فرض العقوبات وضغطت على الريال بشكل جدي في أوائل عام 2018، طغى الارتباك على رد فعل الحكومة.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى الاقتصادي موسى غانينيزاد قوله “إنهم يزعمون أنهم يؤمنون بالسوق الحرة لكن ليس لديهم استراتيجية متماسكة”.

وفي أبريل الماضي أغلقت الحكومة مكاتب الصيرفة وحاولت تثبيت سعر صرف الريال عند 42 ألفا للدولار الواحد، الأمر الذي أدى إلى إثارة الذعر ودفع المضاربين إلى السوق السوداء.

واعترفت الحكومة بخطئها وأعادت فتح محلات الصرافة وأقيل محافظ البنك المركزي بعد بضعة أشهر. كما شُنت حملة صارمة على أولئك الذين استغلوا الوضع مع إحالة عشرات من تجار العملة للمحاكمة وإعدام ثلاثة منهم على الأقل منذ أكتوبر.

محمد جواد ظريف: قوانين مكافحة غسل الأموال لقيت معارضة من المصالح القوية الراسخة
محمد جواد ظريف: قوانين مكافحة غسل الأموال لقيت معارضة من المصالح القوية الراسخة

لكن الضرر كان قد لحق بالاقتصاد فزادت إلى حد كبير كلفة الواردات مع تزايد صعوبة إدخال البضائع إلى البلاد ومن ضمنها السلع الغذائية والإنسانية بسبب عزوف المصارف عن تمويل الصفقات. ونتيجة ذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 60 بالمئة في نوفمبر بحسب بيانات البنك المركزي الإيراني.

وتكمن إحدى المشاكل الهيكلية في سيطرة الدولة على جزء كبير من الاقتصاد إما مباشرة وإما عبر شركات مرتبطة بالحكومة أو الجيش وخاصة الحرس الثوري. ويرى محللون أن هذا الأمر خنق القطاع الخاص الذي يكافح لجذب الاستثمارات ويتنافس على المشروعات.

وقال الاقتصادي إحسان سلطاني إن الصناعات التي تسيطر عليها الدولة مثل الفولاذ والبتروكيماويات تستفيد من إعانات ضخمة تصل إلى 40 مليار دولار سنويا على شكل حسومات في أسعار الوقود والكهرباء.

وأضاف أن تلك الشركات والصناعات لا تقدم سوى عوائد ووظائف قليلة وأنها مهمة بالنسبة للمسؤولين لتوفير نوافذ للفساد.

وتلاشت الآمال بأن يحمل الاتفاق النووي فيضا من الاستثمارات الأجنبية لتعزيز القطاع الخاص حتى قبل عودة العقوبات.

وتصاعد الصراع بين أقطاب النظام. وقد أقر وزير الخارجية محمد جواد ظريف بأن الجهود الرامية لتحقيق قدر أكبر من الشفافية واعتماد قوانين جديدة لمكافحة غسل الأموال لقيت معارضة من المصالح القوية الراسخة.

وقال في اتهام مباشر للمتشددين إن الجهات التي تغسل آلاف مليارات الريالات لديها بالتأكيد القدرة المالية على إنفاق بضع مئات المليارات على عرقلة تلك القوانين.

%d مدونون معجبون بهذه: