معارضة ضعيفة لا تكبح جماح بوتين الحالم بحكم للأبد

معارضة ضعيفة لا تكبح جماح بوتين الحالم بحكم للأبد

يُحسم في روسيا الأربعاء جدل التعديلات الدستورية التي هندسها الرئيس فلاديمير بوتين لتأبيد حكمه إلى حدود عام 2036، أي أن يسمح له بترؤس البلاد لولايتين إضافيتين بعد نهاية ولايته الحالية في عام 2024. طريق معبدة أمام بوتين لجعل هذه التعديلات حقيقة تفرضها سياسة الأمر الواقع، بعدما ظهرت المعارضة في ملـمح الضعيف غير القادر على تغيير الواقع رغم الدعوات الخجولة لمقاطعة الاستفتاء ومعارضته.

موسكو- يتجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحظوظ وافرة لتمكين نفسه من فترات رئاسية إضافية وذلك خلال التصويت الأربعاء على مشروع قانون التعديل الدستوري الذي يوصف في الدوائر الروسية بأنه حلقة جديدة ستدشن حقبة أخرى من استبداد بوتين وسيطرته على الحكم في البلاد إلى الأبد.

وبحسب الكثير من الباحثين الروس، فإنه لم يعد متاحا الآن طرح السؤال عن مدى نجاح بوتين والكرملين في تمرير التعديلات خاصة أن كل المؤشرات تدل على أن الأغلبية ستصوت لفائدة المشروع بنعم.

تشتت جبهة الرفض

وضع بوتين منتقديه في وضع صعب زاد في حدة الارتباك داخل المعارضة، خاصة بعدما فرض على الصف المناهض لسياسته التصويت على المشروع برمته وذلك بعدما طوّق مشروعه بإصلاحات اقتصادية واجتماعية نالت إعجاب الرأي العام الروسي مثل ربط معاشات التقاعد بالتضخم.

وظل بوتين (67 عاما) في السلطة، كرئيس أو رئيس للوزراء، لمدة عقدين، ليكون بذلك الزعيم الروسي أو السوفييتي صاحب أطول فترة حكم، منذ عهد جوزيف ستالين.

وفي خضم كل هذا تواجه المعارضة الروسية صعوبات في الوقوف بوجه مشروع التعديل الدستوري الذي يسمح لبوتين بالبقاء في السلطة حتى عام 2036، رغم دعواتها الخجولة لمقاطعة الاستفتاء ورفضها له.

تاتيانا ستانوفايا: الكرملين جرّد المعارضة من كل أسلحتها

ومنذ بدء الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأسبوع الماضي، ندّد المعارضون في روسيا به على اعتباره مهزلة، مشيرين على سبيل المثال إلى وجود نسخ من الدستور الجديد بالفعل للبيع في المكتبات.

ومن الليبراليين إلى الشيوعيين، توالت انتقادات المشروع لكن لم تنشأ جبهة موحدة ضده خاصة بعدما نجح الكرملين في التسويق لفكرة أنه إذا ما تم رفض التعديلات فإن روسيا ستتحول إلى بلد لا يحترم خصوصيته وإرثه بطرح ملفات تخص الحريات الفردية ومنها قضية المثلية.

ويسمح الدستور الروسي قبل التعديلات للرئيس بشغل الرئيس فترتي حكم متتاليتين، مما يعني أنه كان يتعين على بوتين ترك الرئاسة في غضون أربعة أعوام.

وأقر أعضاء مجلس الدوما الروسي في مطلع العام الحالي الإصلاحات بأكثرية 382 نائبا مقابل امتناع 44 عن التصويت ومن دون أي صوت معارض.

وتعتبر هذه المراجعة الدستورية التي أعلنها بوتين بصورة مفاجئة في يناير هي الأولى منذ إقرار الدستور سنة 1993، كما أنها تصنف على نطاق واسع بوصفها مسعى لتحضير فترة ما بعد 2024 موعد انتهاء آخر سنة لحكم بوتين.

وفي غضون ذلك، لم يظهر المعارض الرئيسي للكرملين أليكسي نافالني الذي نظم تظاهرات واسعة الصيف الماضي في موسكو من أجل انتخابات حرة، اهتماماً كبيراً أيضاً في التصدي للمشروع.

ويرى خبراء أن الانقسامات العميقة في أوساط المعارضة الروسية ومناورات الكرملين منعت أي معركة جدية ضد خطط بوتين الطموحة.

وتزداد معاناة المعارضة وتشتتها بعدما نجح بوتين في السيطرة على مفاصل السلطة وإحاطة نفسه بجهازين مخابراتي وأمني لا يمكن تجاوزهما من أي طرف كان في روسيا.

ويقول مراقبون إن الرئيس الروسي نجح في شل أي فعل سياسي معارض له ولسياساته، باعتماده خطا يصنف كل من يعارضه في خانة العميل للغرب الخصم اللدود لموسكو.

ويشير الباحث والمستشار السياسي فيتالي شكلياروف الذي عمل مع المعارضة الروسية، إلى أن “نقص الموارد والوجوه الجديدة والحماس كما الإلهام والإيمان داخل صف المعارضة، كلها بوادر شكلت مصادر رئيسية للمشكلة”. وخلص فيتالي للقول إن “المعارضة الروسية لا تؤمن بنفسها”.

وكان بوتين قد أعلن في يناير بشكل مفاجئ عن التعديل الدستوري قبل أن يضيف إليه في اللحظة الأخيرة بنوداً تسمح له نظرياً بالترشح لولايتين رئاسيتين إضافيتين بعد نهاية ولايته الحالية في 2024.

ويعزز الدستور المنقح كذلك بعض الصلاحيات الرئاسية ويتضمن مبادئ اجتماعية محافظة مثل “الإيمان بالله” والزواج كمؤسسة تجمع بين رجل وامرأة فقط.

وتبيّن العديد من استطلاعات الرأي أن غالبية الروس يدعمون الجانب الاجتماعي من التعديلات مثل ربط معاشات التقاعد بالتضخم، لكنهم غير متحمسين إزاء جانبها السياسي.

ورغم أن التعديلات الدستورية تقترح نقل بعض الصلاحيات إلى البرلمان على غرار اختيار رئيس الوزراء، إلا أنّها تعزز في المقابل سلطة التعيين العائدة إلى الرئيس.

كما أن مشروع التعديلات يعزز دور مجلس الدولة، هيئة استشارية، ما فتح المجال أمام تكهنات حول أنّ هذا قد يتحوّل ليكون قلب النظام بعد 2024.

وسبق أن أعطى البرلمان موافقته على هذا التعديل الدستوري، لكن بوتين شدد على أن يعلن الروس موقفهم منه عبر تصويت شعبي يهدف إلى إعطائه المزيد من الشرعية.

وكان الاستفتاء مقرراً في 22 أبريل، لكن أرجئ إلى يونيو بسبب تفشي وباء كوفيد – 19. ويرى خبراء أن الإرجاء وتنظيم الاستفتاء أسهما في إضعاف رد المعارضة.

معارضة بلا أسلحة

غراف

بالنسبة لتاتيانا ستانوفايا من مؤسسة مركز “آر بوليتيك” للتحليل، فقد جرد الكرملين المعارضة من أسلحتها أيضاً عبر طرح التصويت على الدستور بكليته وليس فقط على كل تعديل على حدة.

ولذلك لم يعد باستطاعة المعارضة الوقوف بوجه تدابير تحظى بشعبية يتضمنها الدستور، مثل تحسين نظام التقاعد وتحديد الحد الأدنى للأجور. وتوضح ستانوفايا “في هذا الوضع، لم تعد المعارضة تعرف ما عليها فعله”.

في ظل هذه المعضلة، دعا حزب “يابلوكو” الليبرالي الروس إلى مقاطعة “تصويت مزور، غير قانوني ومخالف للدستور”، أما الحزب الشيوعي فقد دعا إلى التصويت بـ”لا”، رغم مواقفه القريبة غالباً من الكرملين.

لكن على مدى 20 عاما في السلطة، نجح بوتين إلى حد واسع في إسكات وسائل الإعلام وعزل المعارضة عن اللعبة السياسية، حيث كان دائما يعتمد على القمع الأمني والاعتقالات ضد كل من يعارضه الرأي لفرض قبضته على الحكم.

من جهته، ندد أليكسي نافالني بالتعديل على اعتباره “انقلاباً دستورياً”، لكنه لم يفعل الكثير لمناهضته. بالنسبة له، فإن الوقوف بوجه الاستفتاء أمر عديم الفائدة، لأن التعديلات قد أقرت أصلاً في البرلمان والتصويت سيكون مزوراً. وكتب نفالني عبر تطبيق التراسل تلغرام “ما تبقى لنا هو سيرك بالونات”.

ورغم أن موقف نافالني خيّب آمال العديد من مؤيدي المعارضة، إلا أن بعضهم لا يزال يريد أن يؤمن بإمكانية تحقيق تغيير قريب.

تزداد معاناة المعارضة وتشتتها بعدما نجح بوتين في السيطرة على مفاصل السلطة وإحاطة نفسه بجهازين مخابراتي وأمني لا يمكن تجاوزهما من أي طرف كان في روسيا

ويشير في هذا الإطار ميخائيل سامين المبرمج البالغ 20 عاماً الذي شارك في تظاهرات العام الماضي، إلى أن مؤشر الثقة ببوتين يتجه نحو الانخفاض، مسجلاً أدنى نسبة له في أبريل عند 59 في المئة وفق مركز “ليفادا” المستقل للإحصاءات. وأضاف سامين “تسير المعارضة والمجتمع بالاتجاه الصحيح”.

ودعا نافالني أيضاً إلى تركيز جهود المعارضة على الانتخابات المحلية المقررة في سبتمبر، والتشريعية في عام 2021، بدلاً من التركيز على الاستفتاء.

والعام الماضي، مني المرشحون المؤيدون للكرملين بالهزيمة في انتخابات المجلس البلدي في موسكو، بفضل استراتيجية تصويت نظمها نافالني. وبحسب الخبيرة تاتيانا ستانوفايا، فإن الوقت وقت توفير الطاقة للمعارك الأخرى بالنسبة لنافالني، مضيفةً “زمنه لم يحن بعد”.

ويتخوف المعارضون الروس لا فقط من أن يؤبد بوتين نفسه في الحكم بل أيضا من مشروعه السياسي الذي بدا قوميا ولا يحترم الأقليات الأخرى في روسيا. ويستند هؤلاء إلى البند المضمن بالتعديلات والذي يقول إن القومية الروسية واللغة الروسية هما أساس الكيان الروسي ما سيجعل البلد في أتون حرب قوميات في روسيا .

%d مدونون معجبون بهذه: