مفوضية الحدود السودانية تنكأ جرح حلايب وشلاتين مع مصر

مفوضية الحدود السودانية تنكأ جرح حلايب وشلاتين مع مصر

لدى مصر ما يكفيها من القلق بشأن سد النهضة والخلاف المستحكم مع إثيوبيا، فيما تتوغل تركيا في ليبيا متجاوزة الخطوط الحمر التي حددها الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبالأمس فتحت السودان ملفا كان مغلقا ولو إلى حين.

في الوقت الذي بدأت فيه المواقف السودانية تقترب من نظيرتها المصرية في ملف سد النهضة الإثيوبي، فجّر معاذ أحمد محمد تنقو رئيس المفوضية القومية للحدود في السودان أزمة جديدة قديمة بين البلدين تتعلق بقضية مثلث حلايب وشلاتين وأبورمادا، حيث قال خلال فعالية عن الحدود، عقدت السبت في الخرطوم، إن حقائق التاريخ والجغرافيا والقانون تؤكد أن “المثلث سوداني مئة بالمئة.. سيواصل السودان جهده لاسترداد أراضيه بالوسائل السلمية، عبر التحكيم الدولي”.

وتلقفت وسائل إعلام إثيوبية وقطرية وتركية وإخوانية هذا التصريح، وسلطت الأضواء عليه كموقف سياسي حاسم من النظام السوداني الحالي، وبدأت عملية تضخيم متعمدة لأجل لفت الأنظار إليه، كأن الغرض محاصرة مصر بطوق من الأزمات المحكمة، في وقت تواجه تحديات على مستوى ملفي ليبيا وسد النهضة.

مع أن كلام رئيس المفوضية جاء في سياق ندوة بعنوان “حدود السودان.. حُسن الجوار والمصالح الوطنية اليوم” وكان من الممكن أن يمر بصورة عادية، غير أن السيد معاذ تنقو عندما جاء حديثه عن أزمة الحدود المتفجرة مع إثيوبيا وأدت لمصرع عدد من الضباط والمدنيين جاء باردا مع أنها لا تزال ساخنة، واعتبرها محسومة ولا خلاف حولها مع أديس أبابا، قائلا “الموقف الرسمي لإثيوبيا هو الاعتراف بالحدود منذ الاستعمار، والنزاع حول الزراعة باستغلال أراضي السودان.. وهناك لجان مشتركة لترسيم الحدود”.

توظيف سياسي

شهادات

تجاهل الرجل احتلال ما يقرب من مليون فدان في منطقة الفشقة المتنازع عليها، وما أفضت إليه الأحداث الأخيرة من توتر بين الخرطوم وأديس أبابا، ويريد التعامل معها كمسألة غير مقلقة لبلاده، وتغافل عن قيام إثيوبيا بتصرفات تدخل في عمق اختراق السيادة وتغيير البنية الديموغرافية في المنطقة وتثبيت الأمر الواقع.

ولم تدخل على الخط أي من الجهات الرسمية في كل من مصر والسودان حتى ظهر الاثنين، ولا أحد يريد أن ينكأ جرحا غائرا تسبب على مدار عقود ماضية في توتير العلاقات، خاصة أنه تم توظيفه سياسيا من قبل النظام السابق، وحرص الرئيس المعزول عمر حسن البشير على استخدامه كلما ضاق به الحال أو أراد مضايقة القاهرة عندما تشتد ضغوطها عليه في ملف إيواء إرهابيين ومتطرفين في بلاده.

وتتبنى كل من مصر والسودان منطقا يؤكد أحقية كل طرف في المثلث المتنازع عليه، والذي يقع تحت سيادة الأولى حاليا، وجرى تطويره مجتمعيا بما يؤكد مصريته التامة، مع ذلك تتجنب القاهرة إثارته كلما فتحته الخرطوم لدواع سياسية أكثر منها جغرافية، وتعمل على تطويقه بكل السبل، لأن المشكلة لها ذيول تاريخية تعود إلى عام 1958، والسودان تقدم بشكوى لمجلس الأمن، والملف مدرج على أعماله سنويا، لكنه لم يتحرك قيد أنملة، لأن الجانبين لا يريدان الدخول في أزمة جديدة.

كان من الممكن أن يمر كلام السيد تنقو أيضا هذه المرة دون الوقوف عنده، لكن بدأت بعض القوى السودانية المحسوبة على النظام السابق في استثماره سياسيا لممارسة المزيد من الضغوط على النظام المصري الذي يقف موقفا حاسما من المتشددين، وعلى السلطة الانتقالية في السودان التي اتخذت جملة من الإجراءات المتسارعة لتقويض الحركة الإسلامية وكل بقايا البشير.

لذلك لا يستعبد البعض من المراقبين أن يكون معاذ تنقو نفسه من الخلايا النائمة لإسلامي السودان، فتوقيت الحديث عن قضية حلايب يحمل دلالة مباشرة حول فتح جبهة جديدة للتنغيص على القاهرة التي تواجه أزمتين ساخنتين في توقيت واحد من الغرب وفي أقصى الجنوب، وهما ليبيا وسد النهضة، وإذا أضيف إليهما السودان تكتمل حلقات التطويق الوجودي للدولة وعليها ترتيب أولوياتها وخياراتها، أو خوض معركة سياسية على الجبهات الثلاث.

يبدو أن من وقفوا خلف إثارة ملف حلايب غرضهم استنزاف جزء كبير من جهود مصر بعيدا عن الجبهتين الأخريين، وتخريب علاقتها بالسلطة الحاكمة في السودان، والتي بدأت تتزايد وتيرة التناغم معها لحل الملفات الخلافية على قاعدة وفاقية.

ربما لم تحقق اختراقا لافتا حتى الآن، لكن الطريق مفتوح للتفاهم، ووضع مثلث حلايب على الطاولة الآن يفرمل أي اتجاه للتقارب الجاد، ويمنع التعاون والتنسيق في ملف سد النهضة، الذي أضفى موقف الخرطوم دعما على رؤية القاهرة عندما بدت الهواجس واحدة من السد، والرغبة في توقيع اتفاق ملزم مع إثيوبيا مطلبا رئيسيا لهما.

حسابات سودانية

بانتظار الإعمار
بانتظار الإعمار

يعتقد من دفعوا نحو فتح ملف حلايب أنه كفيل باستهلاك جزء من طاقة القاهرة، فاتهم أنها لم تستبعد هذه الخطوة في خضم الصراعات التي تحيط بها، وقامت باتخاذ مجموعة من الإجراءات الفنية التي تمكنها من عدم الزج به في الوقت الراهن ويظل موضوعا على الرف، لجهة الترتيبات اللوجستية على الأرض أو لجهة التفاهم مع السلطة الانتقالية التي لا تملك رفاهية المضي قدما في ملف فشلت كل الحكومات السابقة في أوج قوتها في حسمه بالدبلوماسية الخشنة.

كما أن النفخ السياسي والإعلامي في مثلث حلايب لن يقلل من التركيز المصري في ملفي سد النهضة وليبيا، فقد درجت القاهرة على الاستعداد للتعامل مع الأزمات في الاتجاهات الأربعة، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ناهيك عن الأزمات المتراكمة في الداخل، ولم يطغ ملف على آخر، فالجاهزية مرتفعة على كل الجبهات، لأن كل القضايا المفتوحة مصيرية وتهدد الأمن القومي.

إذا كان تفجير قضية حلايب لن يفضي إلى تشتيت كبير في التوجهات المصرية، فيمكن أن يربك تصورات السلطة الانتقالية في السودان على صعيدي مجلس السيادة والحكومة، حيث يواجهان أزمات داخلية حادة، ويتعثران في الترتيبات الأمنية في الأقاليم المختلفة، وثمة صعوبات جمة أمام تحقيق السلام الشامل، ما ينعكس سلبا في المحصلة على أزمة الحدود مع إثيوبيا، وتقليص تحركات النظام السابق من زاويتين.

الأولى: أن الخرطوم تترك ما هو معلوم بالضرورة مع مصر إلى ما هو ملتبس مع إثيوبيا، حيث أشار رئيس مفوضية الحدود في السودان إلى أنه “لا مشكلة حدودية مع أديس أبابا”، وبالتالي تخفيف ضغوط الخرطوم على إثيوبيا لاستعجال نتائج اللجنة المكلفة بدراسة الملف والمتوقعة في أكتوبر المقبل، والالتفات إلى أزمة الحدود الجلية مع القاهرة، وتصعيدها إلى التحكيم، وما يمكن أن يجره من انشغالات.

الثانية: إيجاد فجوة بين مصر والسودان يمنح مصداقية لفلول النظام السابق، وأن المعزول البشير كان على صواب في صمته على تجاوزات إثيوبيا الحدودية وعلى صواب في حديثه عن قضية حلايب، وفي الحالتين يحمل ذلك رسالة اعتذار ضمنية لكل من شككوا في توجهات البشير المنحازة لأديس أبابا.

وتطرب بعض النخب السودانية للحديث مع كل ما يعكر صفو العلاقة مع مصر، ويجدون في الميل نحو إثيوبيا خيارا استراتيجيا أفضل ولو كانت تصرفاتها تحمل أضرارا لبلدهم، ولا تحمل الأولى ضغينة له. المهم هناك انسياق لكل ما يؤدي إلى توتر العلاقات مع القاهرة، ومن هنا يمكن فهم التجاوب مع تفجير قضية حلايب الآن والنفخ فيها، فهي الورقة التي يجتمع حولها قطاع من السودانيين يرفضون كل أرضية مشتركة مع مصر، ويعملون على نسفها مسبقا.

%d مدونون معجبون بهذه: