منتدى غاز شرق المتوسط أداة ضغط سياسية بخلفيات اقتصادية

منتدى غاز شرق المتوسط أداة ضغط سياسية بخلفيات اقتصادية

أوروبا تبحث عن بدائل للخط التركي وتدفع بإيطاليا لتكون لها موطئ قدم داخل النادي.

كشف إعلان القاهرة الأول لتدشين أول منتدى لدول منتجي الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط عن تحولات سياسية تحت مظلة القوة الناعمة للاقتصاد في تلك المنطقة، بعد مشاركة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في فعالياته. وتؤكد تلك التحولات مشاركة ست دول بجانب مصر دولة المقر، في حين أن المنتدى في مهده الأول كان من المفترض أن يكون في جزيرة كريت القبرصية، ويضم مثلث الغاز بشرق المتوسط مصر وقبرص واليونان.

القاهرة – بعث إعلان القاهرة حول تدشين أول منتدى لغاز شرق المتوسط كأول كيان لجماعات المصالح في قطاع الغاز عددا من الرسائل على الصعيد السياسي، يتصدرها الحفاظ على توازن القوى في منطقة شرق المتوسط، والرد بشكل عملي على التواجد التركي في منطقة البحر المتوسط.

جاءت الاجتماعات في وقت شديد الحساسية، وتصعيد تركي بعد رفض أنقرة التوقيع على اتفاقية أعالي البحار التي يقرها ميثاق الأمم المتحدة لترسيم الحدود. ومتوقع أن يشرع كبار المسؤولين في إجراء محادثات رسمية حول هيكل المنتدى، وعرض الاقتراحات بهذا الصدد على الاجتماع الوزاري للدول السبع أبريل المقبل، والعمل على تذليل أي عقبات سياسية تحول دون تثبيت المشروع.

وقرر رؤساء مصر واليونان وقبرص، من حيث المبدأ، إنشاء هذا التجمع خلال قمة ثلاثية عقدوها في أكتوبر الماضي في أثينا، عقب سلسلة من اللقاءات في عواصم الدول الثلاث. واستضافت القاهرة بدعوة من وزير البترول المصري طارق الملا فعاليات الاجتماع الأول لمنتدى غاز شرق المتوسط، الاثنين، وحضر فعالياته وزراء الطاقة في قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين.

واتفق الوزراء على أن تكون مصر مقرا للمنتدى، فضلا عن السماح لأي دولة من دول شرق البحر المتوسط المنتجة أو المستهلكة للغاز أو دول العبور ممن تتفق مع المنتدى في المصالح والأهداف الانضمام لعضويته لاحقا بصفة مراقب. وتخطب هذه النقطة ودّ بيروت التي لم تشارك في الاجتماعات، مع أن لبنان من أوائل الدول في منطقة شرق المتوسط التي قامت بعمليات ترسيم الحدود عام 1988 وأودعتها لدى الأمم المتحدة.

وتصاعدت الأزمة اللبنانية-الإسرائيلية بعد تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان، والتي وصف فيها المزايدة العالمية التي أعلنت عنها بيروت العام الماضي حول اكتشاف الغاز بالبلوك رقم تسعة في المياه الإقليمية اللبنانية، بأنها تحد وتصرف استفزازي يخالف القواعد والبروتوكولات.

مغزى إسرائيل

الاجتماع الأول للمنتدى
الاجتماع الأول للمنتدى

تسعى إسرائيل لإثبات ملكيتها في المربع الذي كشفت الدراسات “السيزمية” أنه يعج بالغاز، ما أدى إلى توقف العروض التي كانت تستعد الشركات العالمية لتقديمها، ومنها إنبي الإيطالية والتي اكتشفت حقل ظهر بالمياه الاقتصادية العميق بمصر، وشركة نوفاك الفرنسية.

وكانت لمشاركة إسرائيل في الاجتماعات رسالة تؤكد حرص مصر على استمرار التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل، وتعزز من إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي العام الماضي عن السماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز من إسرائيل.

وحصدت إسرائيل مكاسب من تصاعد السياسات التركية، على الرغم من أن تركيا وإسرائيل لم توقعا على اتفاقيات أعالي البحار وترفضان ترسيم الحدود، ورصدت التوجهات عن تحول جديد في اتجاه إسرائيل لدعم تحول مصر الطموحة لتصبح مركزا إقليميا رئيسيا للطاقة من المنطقة، من باب المكاسب المشتركة.

ونقلت منصة “واي نت نيوز″ عن مصادر أن هناك تقريرا سريا لوزارة الخارجية الإسرائيلية رشح الاعتماد على مصر لتصدير الغاز إلى أوروبا بدلا من تركيا. ووفقا لما ذكره التقرير، فإن القاهرة تبدو الخيار الأفضل في المنطقة مع أخذ الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في الحسبان، بديلا قويا عن أنقرة.

ووقعت شركة دولفينوس التي يمتلكها رجل الأعمال المصري علاء عرفة اتفاقا في شهر فبراير من العام الماضي مع شركة ديليك للحفر الإسرائيلية التي تمتلك حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين تمار ولوثيان، مدته عشر سنوات لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر بقيمة 15 مليار دولار.

المنتدى شبيه بمنظمة أوبك، ويعمل على وجود إستراتيجية موحدة بين الدول المشاركة فيه ويحدد دور كل دولة، سواء المنتجة أو من تملك مصانع لإسالة الغاز

ورحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاتفاق وقال في تغريدة له على تويتر “هذه اتفاقية تاريخية ستدخل المليارات إلى خزينة الدولة، وهذه الأموال ستصرف لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين، ومخطط الغاز يعزز أمننا واقتصادنا وعلاقاتنا الإقليمية ومواطنينا.. هذا هو يوم عيد!”.

وتعد القاهرة دراسات الجدوى حاليا لتدشين خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا من خلال قبرص، بتكلفة تصل لنحو مليار دولار، بدلا من استخدام الخط التركي الجنوبي، وتزامنت تلك الخطة مع إعلان الرئيس السيسي عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة بالمنطقة.

وأضافت مشاركة إيطاليا في المنتدى الجديد بعدا سياسيا جديدا يعزز من تواجد الاتحاد الأوروبي في جماعات الضغط، ومن خلال روما يمكن تأمين إمدادات الاتحاد من الغاز.

ويرى جمال القليوبي أستاذ الطاقة بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن دول الاتحاد الأوروبي تستهلك نحو 95 مليار قدم مكعب يوميا، وتصل ذروة الاستهلاك في ألمانيا إلى نحو 11 مليار قدم مكعب، وتؤمن احتياجاتها من خلال الخط التركي الجنوبي. وأوضح في تصريحات لـ”العرب” أن تكلفة الخط الجنوبي التركي تصل لنحو 9 مليارات دولار، وبالتالي فإن البحث عن مصادر للطاقة بات مهما لدول الاتحاد الأوروبي.

ومن خلال تحول مصر إلى مركز إقليمي وتدشين الخط المصري القبرصي والإعلان عنه خلال القمة المصرية القبرصية على مستوى رؤساء الدول العام الماضي في جزيرة كريت “يتم نقل الغاز من خلال مصر إلى الاتحاد الأوروبي، وتستفيد بالقطع إسرائيل من هذا التحول”.

وفي محاولة لجذب مؤيدين لهذا التكتل كشف إعلان القاهرة أن المنتدى سيكون مفتوحا لانضمام دول أخرى أو منظمات إقليمية أو دولية بصفة مراقبين، فضلا عن التواصل مع الدول غير الأعضاء بما يساعد على إيجاد حوار وتفاهم مشترك وتحقيق المنفعة المتبادلة.

ولعل مشاركة البنك الدولي في الاجتماعات تؤكد أن التواجد الأميركي ليس بعيدا عن الساحة، حيث حضر ممثل البنك الدولي في القاهرة الاجتماعات المغلقة للمباحثات والتي اكتفت بإعلان البيان الأول، تمهيدا لجولة مقبلة خلال شهر أبريل المقبل.

وأكد مصدر مطلع بوزارة البترول لـ”العرب” أن مشاركة البنك الدولي تستهدف تأمين عمليات التمويل للشركات الكبرى التي تبحث عن تسهيلات تمويلية لإنشاء خطوط أو ضخ استثمارات في قطاع الغاز، ويوفر البنك الدولي تلك النقطة.

أهداف سياسية

تحولات سياسية تحت مظلة اقتصاديةتحولات سياسية تحت مظلة اقتصادية

في المقابل اعتبر رمضان أبوالعلا خبير استراتيجيات الطاقة، أن الهدف من تأسيس المنتدى سياسي بالدرجة الأولى، حيث يضع إسرائيل في “جملة مفيدة” في المنطقة، متعجبا من إعلان القاهرة تأسيس هذا المنتدى قبل تنازل إسرائيل بشكل رسمي عن قضايا الغاز المرفوعة ضد مصر، وواصفا ذلك بالقول “الدولة تهدر حقوقها بسهولة”.

وقال لـ”العرب” إن “إسرائيل لم تقدم شيئا مفيدا، حتى تضمها مصر في منتدى إقليمي، فهناك علاقات دبلوماسية بين الدولتين، لكنها لم تحترم تلك العلاقات برفعها دعاوى تحكيم دولي ضد مصر”.

ورغم أن مصادر مقربة كشفت أن تلك الخطوة تمهد لتنازل نهائي من جانب إسرائيل عن دعاوى التحكيم، إلا أن بعض الخبراء قالوا لـ”العرب” إن “إسرائيل تستخدم هذه الورقة للضغط فقط، لأنها في أمسّ الحاجة إلى القاهرة لتصريف وتجارة الغاز، حيث تعد بوابة مصر الأقل تكلفة بالنسبة لها، فضلا عن البنية الأساسية التي تمتلكها مصر في هذا القطاع″.

ونظرا لصعوبة الموقف على الجانب التركي الذي أرغم على الوقوف متفرجا فقط على تأسيس المنتدى، فإن مناوشاته في قبرص وسوريا، والسعي لتأجيج الصراعات في المنطقة قد يكونان السلاح الوحيد لمحاربة الكيان الجديد الذي يحمل قوة سياسية واقتصادية، وباتت أنقرة بين كفي رحى إسرائيل والاتحاد الأوروبي الذي يدعم التواجد الإيطالي في المنتدى.

ويعزز الكيان الجديد من المصالح الاقتصادية لشركات البترول العالمية العاملة في إسرائيل والتي استخرجت الغاز ولها نصيب في الثروات، مثل نوبل إنرجي ويونيون فينوسا، وذات الشركات أيضا لها مصالح في مصانع الإسالة بمصر، بالإضافة إلى المصالح التي ستعود على دول الاتحاد الأوروبي، من خلال الاتفاقية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، ممثلة في وزارتي البترول والكهرباء في مجال الطاقة خلال أبريل 2018.

وقال محمد سعدالدين رئيس جمعية مستثمري الغاز، إن المنتدى يأتي استكمالا لاستراتيجية مصر كمركز إقليمي لتسويق الغاز، من خلال اتفاقيات يتضمنها عن طريق منتجي الغاز في شرق المتوسط، وهو ما يدعم أهداف مصر السياسية مستقبلا.

وأوضح لـ”العرب” أن المنتدى شبيه بمنظمة أوبك، ويعمل على وجود إستراتيجية موحدة بين الدول المشاركة فيه ويحدد دور كل دولة، للحفاظ على الموارد الطبيعية، سواء المنتجين أو من يملكون مصانع لإسالة الغاز. وأكد أن المنتدى سيكون في مواجهة التكتلات الأخرى المنتجة للغاز، مثل روسيا والولايات المتحدة وبعض دول الخليج، ما سيدفع القاهرة لتحقيق علاقات متوازنة في ظل تحالفها القوي مع هذه التكتلات.

وألمح إلى أن المنتدى ضربة قاضية لإيران وقطر، فضلا عن تركيا، ويحول دون إقامة تكتلات لها في المنطقة، وهذا دور يُحسب للقيادة المصرية الواعية للإسراع في تشكيل تحالف قوي، تحت مظلته الدول المؤثرة بسوق الغاز في المنطقة.

%d مدونون معجبون بهذه: