موسكو تمتنع عن منح أنقرة سلم النزول من “شجرة” إدلب

موسكو تمتنع عن منح أنقرة سلم النزول من “شجرة” إدلب

عملية كسر عظام تجري على الأراضي السورية بين تركيا وروسيا، بعد سنوات من “التعايش القسري”. ويقول محللون إن أنقرة والجماعات الجهادية تبدوان الحلقة الأضعف في المعركة الدائرة في إدلب ومحيطها ما لم يتحرك الحلفاء الغربيون ويضغطون على موسكو وهذا مستبعد رغم التصريحات الصادرة من هنا وهناك.

دمشق – تتدافع الأحداث العسكرية والسياسية في سوريا، لتبلغ الثلاثاء ذروتها عقب فشل المفاوضات بين روسيا وتركيا في التوصل إلى اتفاق بشأن محافظة إدلب، حيث تصر أنقرة على انسحاب الجيش السوري من المناطق التي سيطر عليها في الفترة الأخيرة وفك الحصار عن نقاط مراقبة تركية، الأمر الذي ترفضه موسكو بشدة.

وتصر موسكو على ضرورة استكمال المرحلة الأولى من عملية إدلب التي بدأها الجيش في ديسمبر الماضي بدعم روسي لافت سواء عبر مستشارين على الأرض أو من خلال سلاح الجو، للسيطرة على طريقين دوليين ثم الانتقال نحو استعادة كامل إدلب ومحيطها في حال لم تقم تركيا فعليا بالتحرك وفصل الجماعات الجهادية المهيمنة عن “المعتدلة”، كما ينص اتفاق سوتشي الذي جرى بينهما في العام 2018.

ويقول محللون إن تركيا لا تبدو في وارد التخلي عن مطالبها، وهذا قد ينتهي بمواجهة بينها وبين روسيا التي طالبت الثلاثاء بوقف الهجمات على القوات السورية والروسية في إدلب، في رسالة حازمة موجهة لأنقرة والجماعات الجهادية.

وانخرطت أنقرة بشكل مباشر في معركة إدلب من خلال قوات خاصة تقاتل جنبا إلى جنب مع هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا)، في محاولة لصد تقدم الجيش السوري في شرق إدلب على وجه الخصوص واستهدفت القوات التركية الثلاثاء بصاروخ مروحية للجيش قرب منطقة قميناس في ريف إدلب الجنوبي الشرقي ما أدى إلى مقتل الطيارين.

وكانت وزارة الدفاع التركية أعلنت الاثنين أنها قصفت 115 هدفا للجيش السوري وحيدت 101 من عسكرييه، فيما اعتبرته دفاعا عن النفس بعد مقتل ستة من عناصرها وجرح 7 آخرين في استهداف القوات السورية لمطار تفتناز العسكري في ريف إدلب الشرقي، الذي باتت تتخذه القوات التركية مقرا لها.

مقاتل يتباهى بإسقاط مروحية سورية وقتل طيارها
مقاتل يتباهى بإسقاط مروحية سورية وقتل طيارها

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء “نال النظام عقابه، لكن ذلك لا يكفي، ستكون هناك تتمة. كلما هاجموا جنودنا، سيدفعون الثمن غاليا، غاليا جدا”. وأضاف أنه سيعلن عن تدابير إضافية دون أن يعطي المزيد من التفاصيل.

وأرسلت تركيا مؤخرا تعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة تتألف من مئات الآليات العسكرية، دخل القسم الأكبر منها بعد تبادل لإطلاق النار قبل أسبوع بين القوات التركية والسورية خلف أكثر من 20 قتيلا من الطرفين، بينهم ثمانية أتراك.

وفي سياق عملية كسر العظام الجارية أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية بيانا في وقت لاحق قالت فيه إن الجيش “سيواصل الرد على هجمات قوات الاحتلال التركية”.

وشدد البيان على أن “الاعتداءات التركية لن تفلح في حماية الإرهاب التكفيري المسلح ولن تثني الجيش عن متابعة أعماله القتالية في محافظة إدلب وغرب حلب وجنوبها لتطهيرها من رجس الإرهاب المسلح بمختلف مسمياته، وإعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق على امتداد الجغرافيا السورية”.

وأوضح الجيش السوري أن “النظام التركي يستمر بتصعيد أعماله العدوانية وخروقاته العسكرية للجغرافيا السورية بما يناقض القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول المستقلة، وذلك في محاولة منه لوقف تقدم الجيش العربي السوري ومنع انهيار التنظيمات الإرهابية المسلحة، المصنفة على لائحة الإرهاب الدولي، في إدلب وغرب حلب”.

وشدد على “استمرار قواتنا المسلحة الباسلة بتنفيذ مهامها الدستورية والوطنية، واستعدادها للرد على اعتداءات قوات المحتل التركي، والقيام بواجبها المقدس في الدفاع عن أمن الوطن والمواطنين على جغرافية الدولة السورية”.

ويقول خبراء إن هذا الموقف الذي صدر عن الجيش ما كان ليتم لولا وجود ضوء أخضر روسي، ما يعني أن فرص التوصل إلى توافق تتضاءل وأن التصعيد في إدلب سيد الموقف وقد ينتهي بمعركة مباشرة بين روسيا وتركيا. ويبقى السؤال المطروح هنا هل سيتحرك حلف شمال الأطلسي الذي تعد أنقرة عضوا به في حال خرجت الأمور عن السيطرة؟

مايك بومبيو: على نظام الأسد وروسيا وقف الاعتداءات في إدلب

وإلى حد الآن لم يصدر عن الحلف سوى مواقف سياسية داعمة لأنقرة حيث أعرب الأمين العام ينس ستولتنبرغ عن قلقه إزاء “تصاعد هجمات القوات السورية وحليفتها روسيا على منطقة إدلب”، داعيا إياهما لوقف فوري لتلك الهجمات.

ومن جهتها اعتبرت الولايات المتحدة أن هجمات الجيش السوري على القوات التركية في منطقة إدلب تتجاوز كل الحدود، مؤكدة دعمها لتركيا، حليفتها في الناتو.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو “يجب أن تتوقف الاعتداءات المستمرة من قبل نظام الأسد وروسيا”. وأضاف بومبيو “أرسلت جيمس جيفري (مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا) إلى أنقرة لتنسيق الخطوات للرد على هذا الهجوم المزعزع للاستقرار”.

ويتناقض هذا الموقف مع تصريحات روسية أكدت وجود اتصالات مستمرة مع الولايات المتحدة، وعن حل العديد من النقاط الخلافية.

وأوضح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف “توجد اتصالات مع الولايات المتحدة. وأستطيع أن أقول بكل ثقة إنه تم حل عدد من المواقف المحددة التي نشأت على الأرض بشكل مُرض إلى حد كبير بسبب الاستخدام الفعال للاتصالات بين العسكريين على مختلف المستويات. ونأمل أن تستمر هذه الاتصالات”.

ويعتبر محللون أن الموقف التركي يبدو صعبا فأنقرة الآن في وضع يجعلها عاجزة عن التراجع في إدلب، والرهان على دعم فعلي من قبل حلفائها في الناتو أمر غير مضمون لوجود انقسامات داخل الحلف تعتبر أنقرة أحد المتسببين به، فضلا عن كون الولايات المتحدة كما باقي الدول الغربية لا تريد أن تغامر بمواجهة مع روسيا قد تفجر صراعا شاملا.

ويعتقد المحللون أن روسيا لن تقدم على خطوة التنازل والنزول أولا من الشجرة، والتقدم الذي يحرزه الجيش السوري باستعادته بلدة النيرب شرق إدلب بعد أن سيطرت عليها هيئة تحرير الشام بفضل غطاء ناري وفرته القوات التركية مساء الثلاثاء، وقبلها سيطرة الجيش على كامل الطريق الدولي الرابط بين حلب ودمشق المعروف بـ»أم 5»، كلها مؤشرات تؤكد على مضي موسكو ودمشق قدما في خطة استعادة محافظة إدلب ومحيطها وبالتالي نزع ورقة قوية من يد أنقرة.

%d مدونون معجبون بهذه: