موعد عند الفرات: مؤشرات واضحة لتدخّل الحشد في سوريا

موعد عند الفرات: مؤشرات واضحة لتدخّل الحشد في سوريا

الميليشيا العراقية تنتظر انسحاب القوات الأميركية للاندفاع داخل العمق السوري والالتقاء بقوات الأسد.

دمشق – فتح الانسحاب الأميركي من شرق الفرات المجال أمام تسابق قوى وميليشيات موالية لتركيا وإيران لملء الفراغ وتقوية النفوذ على الأراضي السورية. وعكس اللقاء الذي جمع بين الرئيس السوري بشار الأسد، السبت، وفالح الفياض قائد ميليشيا الحشد الشعبي سعيا محموما من إيران لتكون المستفيد الأكبر من قرار الانسحاب الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أيام وتقطع الطريق أمام المساعي التركية.

يأتي هذا في الوقت الذي يجد فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه في وضع معقد، فمن ناحية هو مكبل بتفاهمات أستانة والتنسيق مع روسيا الذي يلزمه بالاعتراف بـ”وحدة الأراضي السورية”، ومن ناحية ثانية السعي للعب دور الشرطي الذي أوكله له ترامب والتورط في حرب مزدوجة ضد داعش والأكراد.

وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن الرئيس السوري تلقى رسالة من رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي تمحورت حول استمرار التنسيق بينهما على الأصعدة كافة، وخاصة في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب والتعاون القائم بهذا الخصوص، ولا سيما على الحدود بين البلدين.

وتؤكد الرسالة، التي حملها قائد الحشد الشعبي، أن التنسيق ذو بعد أمني، وخاصة ما تعلق بملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي شرق الفرات، ليس فقط بمواجهة تنظيم داعش، ولكن أيضا لتحجيم دور الأكراد جغرافيا وعسكريا، فضلا عن منع تركيا من التمدد وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي السورية.

هشام الهاشمي: زيارة الفياض تهدف إلى التنسيق الأمني والعسكري

هشام الهاشمي: زيارة الفياض تهدف إلى التنسيق الأمني والعسكري

وقالت مصادر عراقية لـ”العرب” إن زيارة الفياض، جاءت بعد اتصالات مستمرة على مدى الأيام الماضية بين مسؤولين أمنيين عراقيين ونظرائهم السوريين لبحث الترتيبات المشتركة لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي.

واعتبر الخبير الأمني هشام الهاشمي في تصريح لـ”العرب” أن زيارة الفياض تحمل رسائل من بينها التطبيع الرسمي مع دمشق بدلا من الدبلوماسية المحافظة، والتحضير الأمني والعسكري لملء الفراغ بعد مرحلة الانسحاب الأميركي، والتنسيق لفتح الطريق البري تجاريا.

وواضح أن ميليشيا الحشد، التي تأتمر بأوامر إيرانية مباشرة، تنتظر أن تتوضّح تفاصيل الانسحاب الأميركي للاندفاع داخل العمق السوري وتلتقي بالقوات السورية عند الفرات، وهي الخطة التي انطلقت، الجمعة، بإعلان الجيش السوري دخوله مدينة منبج.

ولم يخف الحشد مسعاه لمثل هذا الدور، فقد أعلن منذ أيام جاهزيته للتعامل مع أي خطر محتمل ينتج عن تنفيذ قرار ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا، مشددا على أن تلك الخطوة تهدف “إلى إفساح المجال لعناصر داعش بالتوغل في الأراضي العراقية”.

وقال مساعد قائد عمليات نينوى بالحشد الشعبي حيدر عادل “قطعاتنا الموجودة في محافظة نينوى كبيرة وكافية ولدينا قوات احتياطية جاهزة”.

لكن مراقبين عراقيين حذروا من أن دخول ميليشيا الحشد إلى الأراضي السورية ليس أمرا سهلا أو أنه لن تعترضه عراقيل، خاصة من القوات الروسية التي تدفع نحو سحب القوات الأجنبية وليس إغراق سوريا بعناصر أجنبية جديدة.

ولم تخف روسيا دعمها لإعلان القوات السورية الانتشار في مدينة منبج، لكن قد لا تقبل دخول انتشار إيراني واسع لخلافة الانسحاب الأميركي، خاصة أن هزيمة تنظيم داعش باتت وشيكة، كما أن خطوات الحل السياسي على قاعدة استمرار الأسد حصل حولها شبه توافق إقليمي دولي، ما يعني أن وجود قوات جديدة سيكون عبئا على الحل السياسي، فضلا عن كونه يعيق الانسحاب الإيراني الذي بات أولوية قصوى لروسيا في ضوء الضغوط الإسرائيلية.

وتشير تقارير مختلفة إلى أن الصراع قد يحتدّ على مناطق سيطرة الأكراد ذات الموقع الاستراتيجي، خاصة أن روسيا لن تسمح لأي جهة بوضع يدها على منابع النفط والغاز في تلك المنطقة الاستراتيجية.

ووفقا لدراسة اقتصادية لـِ”بي.بي.سي”، فإنّ قوات سوريا الديمقراطية تُسيطر على نحو 90 في المئة من الثروة النفطية بالإضافة إلى 45 في المئة من إنتاج الغاز في سوريا.

وبثّت “بي.بي.سي عربي” تقريرا موجزا عن أبرز الثروات والمنشآت الواقعة في تلك المناطق، والتي قد تكون سببا من وجهة نظرها، لفصل جديد من القتال بين أطراف الصراع في سوريا.

وفيما يعتبر لقاء الأسد بالفياض بمثابة ضوء أخضر للميليشيا العراقية للتدخل بشكل “شرعي” تماما مثل مقاتلي حزب الله والمستشارين الإيرانيين، فإن مثل هذه الخطوة ستزيد من الضغوط على تركيا التي تستمر بحشد قواتها في محيط المناطق الكردية بانتظار ضوء أخضر روسي قد لا يأتي.

وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن موسكو وأنقرة اتفقتا، السبت، على تنسيق العمليات البريّة في سوريا بعد إعلان واشنطن الأسبوع الماضي قرارها بسحب قواتها.

وقال لافروف عقب محادثات أجراها مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو في موسكو “ركزنا بشكل خاص على الظروف الجديدة التي تبدو مرتبطة بالانسحاب العسكري الأميركي المعلن”.

وأضاف “تم التوصل إلى تفاهم بشأن الطريقة التي سيواصل من خلالها الممثلون العسكريون لروسيا وتركيا تنسيق خطواتهم على الأرض في ظل ظروف جديدة وفي إطار رؤية تتمثل باجتثاث التهديدات الإرهابية في سوريا”.

الوجهة سوريا
الوجهة سوريا

وأكد جاويش أوغلو بدوره أن البلدين سينسقان العمليات في سوريا مضيفا أنه ناقش مع نظيره الروسي خطط مساعدة اللاجئين السوريين على العودة إلى بلدهم.

ورغم الانسحاب، فإن واشنطن خططت لتلغيم المشهد في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، من خلال توكيل أردوغان بمهمة “شرطي المنطقة” لمحاربة داعش، وفق ما كشف عنه محتوى المكالمة المطولة التي جمعته بترامب بعيد الإعلان عن الانسحاب.

وقام ترامب خلال ذلك الاتصال بإعادة صياغة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وسلم أنقرة مهمة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

وقال مسؤول تركي لرويترز “سأله ترامب: إذا سحبنا قواتنا، هل بوسعكم القضاء على داعش؟”. وقال إن أردوغان أجاب بأن القوات التركية قادرة على إنجاز المهمة.

وأبلغه ترامب على الفور قائلا “إذن عليكم القيام بذلك”. وقال الرئيس الأميركي لمستشاره للأمن القومي جون بولتون في الاتصال “ابدأ العمل لسحب القوات الأميركية من سوريا”.

ويضغط قادة عسكريون أميركيون لأجل السماح للحلفاء الأكراد بالاحتفاظ بأسلحتهم الثقيلة لمواجهة الهجوم التركي، فضلا عن المساهمة في الحفاظ على مكاسبهم خلال مراحل بحث الحل السياسي في سوريا.

وسيؤدي اقتراح ترك الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب والتي قد تشمل صواريخ مضادة للدبابات وعربات مدرعة وقذائف مورتر إلى طمأنة الحلفاء الأكراد على أنه لن يتم التخلي عنهم.

%d مدونون معجبون بهذه: