هل تكفي جهود الرئيس التونسي لقيادة حرب على الفساد

لم تغب مسألة محاربة الفساد عن تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد منذ وصوله إلى سدة الحكم، غير أن مهمة سعيد لا تبدو سهلة في مواجهة الظاهرة التي تنخر مختلف القطاعات وقد لا تؤتي أكلها في ظل توتر علاقته بمؤسسات الدولة.

تونس – يكشف تشكيل لجنة تابعة لرئاسة الجمهورية التونسية لمتابعة ملفات الأموال المنهوبة والتجاوزات المتعلقة بأملاك الدولة، رغبة الرئيس قيس سعيد في قيادة حرب ضد الفساد المستشري في البلاد.

وتطرح هذه الخطوة مدى قدرة سعيّد على مكافحة الفساد منفردا في ظل توتر علاقته بمؤسسات السلطة مثل الحكومة والبرلمان، فضلا عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (دستورية) التي أوكلت لها المهمة في السنوات الماضية.

وقرّر قيس سعيد، الاثنين، تشكيل لجنة تابعة للرئاسة، تُعنى بمتابعة ملفات ”الأموال المنهوبة“ والتجاوزات المتعلقة بأملاك المجموعة الوطنية داخل تونس وخارجها.

وقال سعيد خلال لقائه بوزيرة أملاك الدولة والشؤون العقارية ليلى جفال إنه ”من بين أهم القطاعات أملاك الدولة، التي تم العبث بها على مدى عقود“، داعيًا إياها إلى ”تطبيق القانون على الجميع وعلى قدم المساواة“.

كلثوم كنو: الرئيس لا يستطيع وحده قيادة الحرب على الفساد

ونقلت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية تأكيده على “وجوب الوقوف في وجه كل من يعبث بأموال الشعب التونسي والتصدي له بالقانون من أجل وقف هذا النزيف الذي ينخر الدولة التونسية منذ عقود”.

وبيّن أنه سيتم فضح كل من يحاول أن يضع عراقيل أمام عمل وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، مضيفا أنه لا “يمكن مقاومة الفساد جديا إلا إذا كان المسؤول مسؤولا أمام المواطن”.

وحذّر الرئيس التونسي خلال اللقاء كل من يسعى إلى وضع عقبات أمام مهمة الوزيرة الجديدة وإبعادها بدعوى إدخال تعديلات بحجة توازنات سياسية كاذبة وواهية، مشددا بالقول إنه “سيتم كشفه في الإبّان وفضح ممارسته”.

وتابع أن هؤلاء يدّعون أنهم يحاربون الفساد في تونس وهم مصدر هذه الظاهرة التي تعود إلى ستّينات القرن الماضي، مردفا “يتحدثون عن إصلاحات اقتصادية واجتماعية والشعب يزداد فقرا”.

وكشف في اللقاء ذاته أنه اطلع على تقارير بخصوص الإعانات التي وردت مؤخرا على مؤسسة عمومية ولا يعرف إلى حد الآن مصيرها، مضيفا “سنعمل على محاربة الفساد في كل القطاعات دون استثناء ولا تسامح مع الفاسدين مهما كان موقع الشخص وثروته”.

ويحمل انتقاد سعيّد بشدّة لممارسات من اعتبرهم “أسرابا من الجراد تعبث بالدولة التونسية وبأملاك الشعب التونسي”، تصعيدا جديدا مفاده قيادة الرجل للحرب “الشعواء” على الفساد بمفرده دون مساندة بقية مؤسسات الدولة وأبرزها الحكومة والبرلمان.

وأكدت حبيبة اللواتي، مديرة عامة سابقة بوزارة المالية، في تصريح لـ”العرب” “أنه لا يمكن النجاح في محاربة ملفات الفساد في ظل غياب الاستقرار السياسي في تونس من حيث عمل الحكومة والبرلمان الذي يحتاج حيزا طويلا من الزمن وليس بضعة أشهر، بالإضافة إلى ضرورة توفر إمكانيات كافية حتى لا تبقى العملية مجرد شعار”.

وتعتقد اللواتي “أن الرئيس وحده غير قادر على محاربة الفساد، ولا يستطيع التطرق إلى الكم الهائل من أشكال الفساد إلا بتضافر مختلف الجهود من مؤسسات الدولة وتفعيل الإرادة السياسية لمحاربة الظاهرة”. مع ذلك ثمنت مبادرة سعيد، لافتة إلى أن “الإعلان وحده غير كاف.. لا بد من وجود آليات حتى نتوصل إلى نتيجة”.

واعتبرت أن “مشكلة الفساد من المسائل الشائكة”، قائلة “قضينا أكثر من 10 سنوات في محاربة الفساد ولم نتوصل إلى نتائج.. هناك مساجين يقبعون في السجون وينتظرون قرار الحكم”.

وتشهد مؤسسات السلطة التونسية مناخا مشحونا بين الرئيس قيس سعيد، والبرلمان برئاسة راشد الغنوشي، والحكومة الجديدة برئاسة هشام المشيشي، ما ينذر بالمزيد من تعكر صفو العلاقات وتعميق الاشتباك السياسي.

وبدا ذلك واضحا خلال الحراك السياسي الاستثنائي الذي ارتفعت وتيرته بخطاب الرئيس قيس سعيد، أثناء موكب أداء أعضاء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، والذي انضم إليه رئيس الحكومة المُتخلي إلياس الفخفاخ خلال موكب الاستلام والتسليم، وهو ما يجر مبادرة مكافحة الفساد إلى الفشل أكثر مما يجرها إلى النجاح.

وتساءل النائب عن كتلة قلب تونس بالبرلمان فؤاد ثامر عن “جدوى إحداث هذه اللجنة دون التواصل بين رؤوس السلطة باعتبار أن القرارات السياسية تتخذها الحكومة”.

وتابع في تصريح لـ”العرب” “الرسالة السياسية لسعيد جيدة لكن لا يمكن تفعيلها لأنه لا يملك الأجهزة اللازمة ويقتصر على التصرف في البنك المركزي والمالية”.

فؤاد ثامر: إشراك الحكومة والبرلمان ضروري في الحرب على الفساد
فؤاد ثامر: إشراك الحكومة والبرلمان ضروري في الحرب على الفساد

وأشار ثامر إلى ضرورة إشراك الحكومة والبرلمان في الحرب على الفساد، قائلا “نبارك كل خطوة في هذا الاتجاه شريطة أن تكون مدروسة وبعيدة عن الاستعراض وتسجيل النقاط السياسية”.

ويجمع خبراء القانون والسياسة على صعوبة إنجاز المهمة على أرض الواقع وتطويعها من مجرد مبادرة إلى حرب حقيقية على الفساد، كما يتفق كثيرون على محدودية قدرة الرئاسة وحدها على مواجهة “أخطبوط” الفساد الذي تغلغل في مفاصل الدولة والمؤسسات.

وأفادت القاضية ورئيسة جمعية القضاة التونسيين السابقة كلثوم كنو بأن “الرئيس سعيد لا يستطيع وحده قيادة الحرب على الفساد”، منوهة بدور المؤسسة القضائية التي تلعب دورا رئيسيا في المسألة “باعتبارها ستنظر في الملفات وتتقصى الحقائق”.

وأشارت القاضية كنو إلى ضرورة استقلالية القضاء وعدم خضوعه للولاءات السياسية وإملاءات الأحزاب لأن هناك جهات ستُفشل جهود مهمة الرئيس سعيد.

وأضافت كنو في تصريح لـ”العرب” “لا بد من توفر الإرادة السياسية وتفاعل مختلف القوى السياسية. المبادرة طيبة وجيدة لكن النجاح رهين تفاعل مؤسسات الدولة، مثل الحكومة والبرلمان، والتي عليها أن تذهب في نفس الاتجاه من حيث تقديم المعلومة وتقديم المعطيات الإدارية، فضلا عن سن القوانين في مجلس نواب الشعب التي من شأنها أن تسهل العملية”.وتضطلع منظمات المجتمع المدني بدور مهم في الحرب على الفساد، فضلا عن تفعيل دور الإعلام كعين مراقبة للتجاوزات والإخلالات.

ولفتت كنو في معرض حديثها إلى أنه “حتى في صورة تلكؤ البرلمان والحكومة، من المؤكد أن سعيد سيلقى دعما من مؤسسات المجتمع المدني ونشطائه، ولا بد للمؤسسات الإعلامية أن تؤدي دورها وتسلط الضوء على المبادرة حتى تلقى صدى واسعا”.

وكان مجلس الوزراء التونسي، برئاسة رئيس حكومة تصريف الأعمال إلياس الفخفاخ، قد قرر مؤخرا إقالة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب من مهامه وتعويضه بالقاضي عماد بوخريص.

وتم استحداث “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” بتونس في 24 نوفمبر 2011، خلفا لـ”لجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة”، التي أنشئت قبل عشرة أشهر، مباشرة بعد الثورة التونسية، في يناير من العام نفسه.

%d مدونون معجبون بهذه: